يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكتفِ نظام رجب إردوغان، بالعمل على تزايد حملات التحريض ضد تواجد اللاجئين السوريين في المدن التركية، رغم ارتفاع استثماراتهم في تركيا لما يزيد على 1.5 مليار دولار، وراح يبرر عمليات الترحيل الممنهجة، بأساليب أقل ما توصف أنها "خسيسة"، حيث ادعى وجود رابط بين ازدياد معدلات الجريمة في ظل حكمه المبني على الكراهية والتحريض، وبين وجود السوريين على الأراضي التركية، إلا أن الأرقام الدولية تؤكد زيف هذه المزاعم، التي بناءً عليها رحلّت حكومة العدالة والتنمية آلاف اللاجئين قسرًا خلال الأسابيع الماضية إلى مناطق مشتعلة بنيران الحرب.

بعد خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم، لانتخابات البلدية في كبرى المدن التركية، وتحميل نظام إردوغان، فشله على شماعة، سماحه للسوريين بالانتشار بكثافة في البلاد، راح يخطط للخلاص منهم، بدعوى أنه يسعى لترضية الأتراك الغاضبين من وجودهم.. تزامن ذلك مع تزايد معدلات الجريمة، بسبب زيادة البطالة وارتفاع الأسعار، الناتجة عن سياسات إردوغان وصهره ووزير ماليته بيرات آلبيراق الفاشلة، والتي أدت لانهيار الليرة أمام الدولار لنحو 40% العام الماضي.

نظام إردوغان، لم يفوت الفرصة وسعى لاستغلال زيادة معدلات الجريمة في البلاد، وتحميل مسؤوليتها للاجئين السوريين، البالغ عددهم نحو 3 ملايين و605 آلاف، فأطلق حملة ضدهم وترحيلهم مباشرة إلى مناطق الصراع في الشمال السوري.

ادعاءات غير صحيحة
الأرقام الدولية تؤكد أنه لا صحة لتسبب السوريين في زيادة معدلات الجريمة في تركيا، فقبل بدء وصول السوريين إلى البلاد كانت تركيا تحتل المرتبة 63 عالميًا في مؤشر الجريمة العالمي للدول الأكثر ارتكابًا للجريمة في عام 2012.

ومع زيادة وصول السوريين لم تزد معدلات الجريمة في تركيا بل انخفضت عشرة مراكز لتصل إلى المركز 73 دوليًا في مؤشر الجريمة العالمي في منتصف العام الجاري 2019.

وزير الداخلية التركي سليمان صويلو اعترف في 6 يوليو الماضي ببراءة السوريين من الاتهامات التي تلاحقهم بالتسبب في زيادة معدلات الجريمة في تركيا، مؤكدًا أن متوسط ​​معدل الجريمة لدى السوريين أقل من نصف معدل الجريمة للمواطنين الأتراك.

وأضاف، خلال اجتماع نظمته دائرة الهجرة في إسطنبول، نسبة الجريمة لدى السوريين منخفضة وأن هناك من يقوم بتشويه صورتهم، مشيرًا إلى إقامة 3 ملايين و605 آلاف و615 سوريًا في مختلف الولايات التركية حسب بيانات دائرة الهجرة التركية في العام 2019.

وفق التحديث الأخير لمؤشر الجريمة العالمي في أغسطس الجاري، حلت مدينة إسطنبول في المركز 122 عالميًا من بين 328 مدينة كأكثر المدن ارتكابًا للجريمة بنسبة 47.6 %، وجاء بعدها في القائمة كل من: أنقرة وأزمير وبورصة وأسكي شهير.

تصدرت هذه القائمة مدينة كراكاس الفنزويلية كأكثر مدن العالم ارتكابًا للجريمة فيما جاءت مدينة أبو ظبي الإماراتية في ذيل القائمة محتلة الرقم 328 كأقل المدن التي ترتكب فيها الجريمة. 

مستوى ارتكاب الجريمة في إسطنبول بلغ 51.6% في بداية العام 2019، وتنوعت الجرائم لتشمل: اقتحام المنازل والسرقة بنسبة 43.80%، وجرائم سرقة سيارات والتعدي على الآخرين بنسبة 47.3%، والتعديات العنصرية بسبب لون البشرة أو الأصل العرقي أو الدين بمعدل 32.4%، فضلا عن تعاطي المخدرات والتعدي على ممتلكات الآخرين، والسطو المسلح الذي بلغ 40.5%، ووصول نسب جرائم الفساد والرشوة إلى 70.21%، في حين بلغت مخاطر المشي وحيدًا في شوارع المدينة ليلًا نحو 60%. 

جريمة ضد العرب
جرائم إسطنبول كان البطل فيها الأتراك الذين تعرضوا للسوريين وغيرهم من الأجانب في المدينة، وهاجموهم في مشهد معبر عن حقد وكراهية كبيرة ضد كل من هو عربي، ففي أوائل يوليو الماضي استهدف عدد من الأتراك متاجر وممتلكات السوريين في حي كوتشوك تشيكمجه في إسطنبول، وطعنوا ستة منهم، وقاموا بتمزيق اللافتات المكتوبة بالعربية في المتاجر.

هذه التعديات تمت بناء على شائعة محتواها أن مراهقا سوريا تحرش لفظيًا بفتاة تركية، ومع زيادة جرائم الأتراك ضد السوريين في إسطنبول التي تستضيف نحو نصف مليون منهم استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه لتفريق المهاجمين على ممتلكات السوريين، لكنهم كانوا قد دمروا بالفعل الكثير من المتاجر السورية في الحي ومزقوا اللافتات المكتوبة بالعربية.

وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أعلن في يوليو الماضي تشديد الإجراءات ضد السوريين وبدء حملة لترحيلهم، قبل أن تمنحهم السلطات المحلية في مدينة إسطنبول مهلة حتى 20 أغسطس، ثم مددت وزارة الداخلية - قبل أيام قليلة- هذه المهلة لتمتد إلى 30 أكتوبر المقبل.

خلال أيام حملات الترحيل في يوليو الماضي، أعادت سلطات حكومة إردوغان نحو 3 آلاف سوري من إسطنبول إلى شمالي سورية، وبعضهم أجبر على توقيع أوراق مكتوبة باللغة التركية التي لا يجيدونها تنص على أنهم يوافقون على الترحيل طواعية. 

صويلو أعلن في الثاني من أغسطس الجاري أن نحو 347 ألف سوري عادوا إلى بلادهم خلال الشهور الأخيرة، منبهًا إلى أن عدد من منحوا الجنسية التركية من السوريين وصل إلى 92 ألفا و 280 شخصا.

بأمر إردوغان
ترحيل السوريين جاء بناء على توجيهات مباشرة من إردوغان، الذي عقد اجتماعًا مع قادة حزب العدالة والتنمية في 11 يوليو الماضي وأعطى إشارة البدء بترحيل السوريين، إذ قال: "توجب علينا فتح أبوابنا للسوريين، لكن سيكون لنا خطوات جديدة في هذا الموضوع… إننا نحثهم على العودة إلى بلادهم، وسنرّحل بالطبع مرتكبي الجرائم، بالإضافة إلى إننا كنا نتوقع الحصول على حصة مساهمة في مقابل الخدمات الصحية التي تلقاها السوريون". 

وأضاف: "نحاول توسيع المنطقة الآمنة على امتداد حدودنا بقدر المستطاع حتى يتمكن اللاجئون السوريون في بلادنا من العودة لبلادهم، وفي الوقت الراهن عاد 330 ألف سوري لكنني أعتقد أنه عند حل المشاكل في منبج وشرق الفرات، سيصل العدد سريعا إلى مليون".

بعد ذلك، أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو أن بلاده أعدت خطة تنفيذية تشمل 3 ملفات تستهدف السوريين، وهي: الهجرة غير القانونية، والهجرة النظامية، وإطار الحماية المؤقتة، ثم قرر اتخاذ عدد من الإجراءات الجديدة لترحيل السوريين والتضييق عليهم.

 نصت القرارات على ترحيل السوريين الذين لا يملكون بطاقة الحماية الموقّتة- المعروفة باسم "كيملك"- إلى سورية، وكذلك ترحيل كل من يملكون بطاقات حماية مؤقتة ويعملون أو يعيشون في ولاية إلى الولاية التي حصلوا منها على البطاقة، وهو ما يدمر مصادر رزق مئات الآلاف. 

أغلب السوريين وصلوا إلى تركيا عبر المدن الحدودية مثل هاطاي وغازي عنتاب وحصلوا من هذه المدن على بطاقات الحماية المؤقتة، لكن هذه المدن لا تتوافر فيها فرص العمل، ما اضطرهم إلى الانتقال إلى العاصمة الاقتصادية (إسطنبول)، وأنقرة وإزمير وغيرها من المدن الغنية بفرص العمل، وهؤلاء يجدون أنفسهم معرضين لخطر الترحيل إلى المدن التي نالوا فيها بطاقات الحماية ليبقوا بلا عمل وفي وضع مأساوي. 

كما أصابت القرارات التركية كل من يعمل بدون إذن عمل، وأغلب السوريين في تركيا يعملون من دون تصريح رسمي، إذ إن أصحاب العمل الأتراك يرفضون منح كل من يعمل لديهم من السوريين إذن عمل لكي لا يتحملوا أعباء التأمين على العامل، وتوفير حقوق قانونية له. 

ووفق القرارات، إذا ضبط سوري لا يحمل تصريح عمل فيدفع صاحب العمل غرامة بقيمة 8 آلاف ليرة أي ما يقابل 1400 دولار تقريبا.

ويصل عدد السوريين الحاصلين على تصريح عمل إلى 31 ألفا و 185 شخصا فقط من بين 96 ألفا و 972 من الأجانب الذين حصلوا على حق العمل في تركيا بحسب بيان لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية التركية في 31 مارس 2019.

شملت الإجراءات أيضا، ترحيلا فوريا لمرتكبي الجرائم ومزوّري الوثائق إلى سورية، وفرض شروط إضافية على تجديد الإقامات السياحية بعد جمع معلومات عن حاملها، وكذلك تحصيل رسوم  مقابل الخدمات الطبية بعدما كانت مجانية، إذ سيدفع المواطن السوري  20% من قيمة العلاج للمشافي وللأدوية.

وبخلاف ما يردده الأتراك، الذين تضم طوابير البطالة لديهم أكثر من 4 ملايين عاطل، بخصوص أن السوريين سبب الجرائم والأزمة الاقتصادية، فإن الواقع يؤكد أن اللاجئين السوريين ساهموا بشكل كبير في إنعاش الاقتصاد التركي وكانوا مصدر دخل مهما. 

اتحاد الغرف والبورصات التركية أكد في بيانات له أن عدد الشركات المملوكة للسوريين في تركيا منذ العام 2011 ارتفع في نهاية العام 2016 إلى 4 آلاف و450 شركة برأس مال صاف وصل إلى ما يقارب 700 مليون ليرة تركية، كما أن هناك مستثمرا سوريا بين كل 4 مستثمرين أجانب في تركيا.

غطاء حكومي للجرائم
حكومة إردوغان وفرت غطاءً شرعيًا لاضطهاد السوريين وممارسة الأتراك أعمال بلطجة وعداء وحشي ضدهم، فلم تتوقف أعمال التعدي على ممتلكات السوريين في مدن الجنوب التركي مثل هاطاي أو في مواقع العمل المكتظة بالسوريين في إسطنبول وكذلك في العاصمة أنقرة. 

وفضلا عن حادث مهاجمة متاجر السوريين في إسطنبول في أوائل يوليو الماضي، هاجم أتراك آخرون محال السوريين وقاموا بتكسيرها في منطقة "إسنيورت ميدان" بإسطنبول في فبراير الماضي. وفي أغسطس 2017، قام الأتراك بحملة في منطقة يني محلة في أنقرة، أسفرت عن إصابة شخص وتحطيم عدد من المحال التجارية لسوريين وتركمان عراقيين يقيمون في المنطقة.

وزير الداخلية صويلو برر إقدام أجهزته الأمنية على التصرفات البربرية ضد اللافتات العربية الموضوعة في المحال التي يملكها السوريون بقوله: "الانسجام ضروري جدا، وهو لا يعني التحول إلى الثقافة التركية بشكل كامل، وأشدد هنا على أن هذا الأمر يعني انسجام الثقافات وتفاهمها مع بعضها البعض". وأضاف: "يجب الخضوع للقوانين، والأنظمة، والمبادئ، والانسجام مع الثقافة التركية من جهة، ومن جهة أخرى ستتم محاسبة مرتكبي الجرائم وإعادتهم إلى بلدانهم".

Qatalah