يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكتفِ العثمانلي الجديد رجب إردوغان، بُجرم أجداده، والتسبب في ضياع فلسطين الأبية بيد العصابات الصهيونية، وراح يعيد الكرة مرة أخرى، ولكن هذه المرة إما عبر استغلال قضيتها سياسيًا في تقديم نفسه كـ"خليفة للمسلمين"، أو اقتصاديًا عبر نهب ثرواتها.

مسلسل "الأطماع التركية في فلسطين" لم يتوقف عند اتفاقية التجارة الموقعة في عام 2004، إذ واصلت حكومة إردوغان محاولاتها للتدخل في أهم المشروعات الاقتصادية الفلسطينية بهدف إبقاء اسمها ضمن واحد من أكبر الأعمال الاقتصادية الطموحة في البلاد.

الأتراك سعوا للتواجد في مشروع المنطقة الصناعية في جنين بالضفة الغربية، والذي حمل آمالًا كبيرة لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني والتخلص من أعباء البطالة والفقر، خاصة أن المشروع أقيم في الأصل بدعم ألماني، غير أن وعود الأتراك بتطوير المشروع وإنجاز المنطقة الصناعية الحرة لم تنفذ بعد بالرغم من مرور نحو 9 سنوات من اقتران اسمهم به. 

فكرة المنطقة الصناعية في جنين بدأت عام 1999، على أن تكون "منطقة حرة جاذبة للاستثمارات المحلية والدولية"، بحسب الهيئة العامة للمدن الصناعية، مشيرة إلى أنها عملت على تخصيص الأرض المناسبة والملائمة لإقامة وإنشاء المنطقة الصناعية الحرة في محافظة جنين، وتوفير عناصر البنية التحتية الخارجية بدعم دولي من خلال بنك التنمية الألماني KFW، وتم وضع حجر الأساس في المدينة عام 2000 بناء على اتفاق بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ومستشار ألمانيا جيرهارد شرويدر. 

في العام 2010 أقحمت حكومة إردوغان نفسها في المشروع، عبر شركة "توب بيس" التركية المتخصصة في إدارة وتشغيل المناطق الصناعية، وتعاقدت الشركة مع الحكومة الفلسطينية للتواجد في المشروع بزعم "تطويـر وتشغيل منطقة جنين الصناعية الحرة وإنشاء البنية التحتية الداخلية والمرافق الصناعية بها"، إلا أنه منذ توقيع هذا التعاقد حتى الآن، لم تنته المرحلة الأولى من المنطقة. 

مساحة المنطقة الواقعة علــى بعد 3 كيلو مترات عــن مركز مدينة جنين بلغت 933 دونم (الدونم يساوي ألف متر)، وجاءت في موقع مميز لقربها من المعابر والحدود، فضلًا عن اقترابها من مناطق زراعية تتمتع بخصوبة عالية وتسهم في إنتاج وافر من الخضار والفواكه، وكان واجبًا أن يتم تعويض ملاك الأراضي من الفلسطينيين لإنشاء المشروع.

تعويضات منقوصة
تعويض الملاك كان مفترضا أن يتحمله الأتراك بموجب الاتفاقيات الخاصة بالمشروع، إلا أن المتضررين أكدوا أن المبالغ المدفوعة لهم غير كافية، وبحسب أقوالهم، فإن سعر الدونم الواحد يقدر بنحو 8 آلاف دولار، غير أن الذي تم تدفعه لهم تجاوز الألف دولار فقط بقليل، مشيرين إلى أن إقامة المشروع على أرض زراعية وفر ضعف التكلفة على المستثمرين، في حال سعوا لإقامته في منطقة صحراوية. 

في نوفمبر 2013 وقعت الحكومة الفلسطينية مع "توب بيس"، الشركة التركية المطورة للمدينة الصناعية، مذكرة تفاهم بشأن تعويض مالكي أراضي المشروع بقيمة حوالي 10 ملايين دولار.

مذكرة التفاهم وقعت في مقر محافظة نابلس بحضور وزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني، رئيس مجلس إدارة هيئة المدن والمناطق الصناعية جواد ناجي، ووزير المالية شكري بشارة، ورئيس مجلس إدارة الشركة التركية المطورة أحمد شاكر أوغلو، وسفير تركيا لدى فلسطين شاكر اوزكان تيونيلر، ورئيسة مكتب الممثلية الألمانية في فلسطين بربرة وولف، ومحافظ محافظة نابلس، وممثلين عن الحكومتين التركية والألمانية، ومؤسسات القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.

حسب المذكرة، تلتزم الشركة التركية بتحويل مبلغ  10 ملايين دولار لتعويض مالكي أراضي المدينة الصناعية على أن تتم عملية التحويل إلى حساب خاص في وزارة المالية الفلسطينية. 

رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله اعتبر أن مشروع مدينة جنين الصناعية "أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعمل الحكومة الفلسطينية على تنفيذها"، مشيرًا إلى أن الهدف من المشروع توفير آلاف فرص العمل واستقطاب استثمارات أجنبية ومحلية ما يعد أداة مهمة لمواجهة معدلات البطالة والفقر.

الحمدالله أثنى على الموقع الاستراتيجي للمدينة الصناعية، معتبرا أنه "سيسهل عمليات الاستثمار وتنمية الصادرات، خصوصاً أن المشروع يصنف على أنه منطقة صناعية حرة، إذ سيتم تصدير ما ينتج فيه إلى الأسواق الخارجية".


إغراءات الموقع  
الموقع الاستراتيجي للمدينة المطروح فكرتها قبل وصول حزب إردوغان (العدالة والتنمية) إلى السلطة في عام 2002، أغرى الأتراك، فموقع المشروع قريب من مصادر البنية التحتية والمواد الخام وكذلك من الموانئ والمعابر مما يسهل عملية التصدير والاستيراد حيث يبعد 25 كيلو مترا عن ميناء حيفا و25 كيلو مترا عن الحدود الأردنية.

وزير الاقتصاد الفلسطيني جواد ناجي أعلن على هامش توقيع مذكرة التفاهم (نوفمبر 2013) أن المشروع الحلم "يتحقق بدعم متواصل من الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، ورئيس الوزراء رامي الحمد الله"، مشيرًا إلى أن إنجاز جزء كبير من المرحلة الأولى من المشروع من ناحية بناء محطة الكهرباء التي ستزود محافظة جنين والمدينة الصناعية، إضافة إلى تنفيذ المرحلة الأولى من الطريق الواصل إلى المدينة الصناعية.

المستهدف من المشروع توفير بين 15 و20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، غير أنه لم يكتمل حتى الآن بسبب تعقيدات مختلفة. 

يريدون المزيد
في سبتمبر 2015 افتتح وفد تركي بمشاركة ألمانية، مكتب الشركة التركية المطورة للمشروع "توب بيس" في فلسطين، وخلال الافتتاح أفصح القنصل التركي في فلسطين مصطفى سيرنك عن رغبة بلاده في التوغل اقتصاديًا في البلاد، وقال: "إذ نجحنا في تنفيذ مشروع منطقة جنين الصناعية، وسنقوم بإقامة مزيد من المشاريع الاستثمارية، خاصة المناطق الصناعية، إذ إن هناك رغبة كبيرة لدى المستثمرين الأتراك للاستثمار في منطقة جنين الصناعية".

سيرنك وعد بتحسين الصادرات الفلسطينية لتركيا، مع استحواذ بلاده على 99 % من حجم التبادل التجاري المشترك، مضيفًا أنه تجرى دراسة حاجة السوق التركي من المنتجات الفلسطينية بغرض تحديد المنتجات الفلسطينية المنوي التركيز عليها في برنامج التسهيل المزمع تصميمه من الجانب التركي.

أما رئيس مجلس إدارة الشركة المطورة التركية "توب بيس" فقال: "اليوم أصبح لنا مكتب في فلسطين، ومن خلاله سنقوم باستقبال المهندسين الأتراك، وتقديم الخدمات اللازمة، وسيكون بمثابة النافذة نحو العالم والترويج للمدينة الصناعية".

رئيس اتحاد الغرف التجارية التركية رفعت أوغلو اعتبر افتتاح المكتب التركي في فلسطين "بداية ونافذة إلى العالم"، متابعًا: "وبالنسبة لنا افتتاح المكتب له معانٍ كبيرة، تتمثل بانطلاق العمل في المنطقة الصناعية، وهذه الخطوة انتظرها منذ 14 عاما وهذا اليوم هو يوم تاريخ لجنين".

الاسم لتركيا والفعل لألمانيا
مع التقاعس التركي عن المضي قدمًا في إنجاز المشروع، خصصت الحكومة الألمانية 5 ملايين يورو لتطوير البنية التحتية الداخلية في المشروع، وقبل سبتمبر 2015 قدمت نحو  15 مليون يورو، وفق تصريحات كريستيان هيرونيموس رئيس التعاون والتطوير الألماني، التي أكدت خلال حضورها افتتاح مكتب الشركة التركية أن المشروع المهم والحيوي طال انتظاره منذ أكثر من 17 عاماً.

بدورها، قالت وزير الاقتصاد الفلسطيني عبير العودة: إن الألمان هم من تولوا تمويل وإنشاء جميع مرافق البنى التحتية في المشروع وليس الأتراك، موجهة الشكر إلى "الحكومة الألمانية وبنك التنمية الألماني".

الشركة التركية من جانبها، قالت إنها أنجزت جميع الخطط الخاصة بالمشروع، لكن وحتى بداية الشهر الماضي (مايو 2019) لم تكن مشروعات مدينة جنين الصناعية بدأت في العمل على أرض الواقع. 

تسهيلات فلسطينية
وزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني خالد العسيلي تحدث في الأول من مايو الماضي عن إزالة "المعوقات التي كانت تحد من انطلاق المشروع الاستراتيجي منطقة جنين الصناعية الحرة"، في مقدمتها نقل ملكية أرض المنطقة الصناعية كاملة لصالح خزانة الدولة، مضيفًا: "هذا الأمر سيسهم في رفع وتيرة العمل بهذا المشروع الذي سيرى النور قريبًا".

العسيلي أجرى جولة ميدانية في محافظة جنين برفقة علي شعث الرئيس التنفيذي لهيئة المدن الصناعية، وأسامة عمران مدير مشروع منطقة جنين الصناعية، وقال العسيلي إن هيئة المدن الصناعية حصلت بعد جهود كبيرة بذلت على وثيقة رسمية من الجانب الإسرائيلي فيما يخص الأراضي المسماة بالغائبين والتي تبلغ مساحتها 53 دونم الواقعة ضمن حدود منطقة جنين الصناعية الحرة.

وواصل: "لا يوجد لدى دوائر تسجيل الأراضي التابعة لحكومة الاحتلال أي وثائق ملكية أو متعلقة بالقطع المذكورة وبهذا يكون لدى السلطة الفلسطينية القدرة على إعلان التسوية في هذه الأراضي بعد موافقة مجلس الوزراء ليتسنى تسجيل هذه الأراضي باسم الخزانة العامة لصالح هيئة المدن الصناعية وتعويض من تثبت ملكيته لاحقا من خلال وزارة المالية".
 
حديث الوزير الفلسطيني أكد أن تصريحات ووعود وزيارات المسؤولين الأتراك كانت أكبر بكثير من أفعالهم على أرض الواقع، إذ كشف أن التنفيذ النهائي للبنية التحتية الخارجية والداخلية للمرحلة الأولى من المشروع لم يتم بشكل كامل بعد. 

ولفت إلى أنه تمت مخاطبة المطور التركي والممول الألماني ومجلس إدارة هيئة المدن والمناطق الصناعية بشأن إحداث اختراق حقيقي في إنجاز ملف المناطق الصناعية خاصة منطقة جنين الصناعية.

تعديل الخطة التركية
المخاطبات شملت رئيس مجلس إدارة الشركة التركية المطورة "توب بيس" أحمد شاكر أوغلو لتعديل الخطة الموضوعة للمشروع بما يتوافق مع المدخلات التي من شأنها تعظيم جذب الاستثمارات وتوسيع القاعدة الانتاجية لهذه المنطقة.

وتابع: "نسعى لضرورة التزام المطور التركي بتحديد موعد لطرحه عطاء الأعمال المتبقية من البنية التحتية الداخلية للمرحلة الأولى من المشروع والتي تقع ضمن التزاماته التعاقدية بالاضافة إلى بعض المرافق الرئيسة مثل المبنى الإداري، وذلك تنفيذا لمذكرة التفاهم الثلاثية الموقعة بين هيئة المدن الصناعية والألمان والأتراك التي يستوجب تنفيذها لإطلاق الأعمال على الأرض".

وعود لم تتحقق 
جرى وضع خطط المشروع لتكون منطقة جنين الصناعية هي الأولى كمنطقة صناعية حرة في فلسطين تعمل على أساس تصدير منتجاتها الى مختلف دول العالم، على أن تكون متخصصة في الصناعات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

الخطة تتضمن أيضا أن تكون الأعمال المنفذة من قبِل هيئة المدن الصناعية الفلسطينية أكثر من 20 مليون يورو للمرحلة الأولى التي سيتم الشروع في تنفيذها خلال يونيو الجاري، فيما يتحمل الجانب التركي نحو 8 ملايين يورو لاستكمال أعمال المرحلة.

بدوره، شدد محافظ جنين اللواء أكرم الرجوب، خلال جولة الوزير العسيلي، على ضرورة الانتهاء من المشروع، قائلا: "إقامة المنطقة وتشغيلها هو حلم خاص بي وبالمواطنين وسنعمل سويا بالشراكة مع القطاع الخاص لأجل أن يكون واقعا ينعم به مواطنو المحافظة الذين ما زالوا بانتظاره منذ العام 2000 حيث كان الإعلان عن المنطقة وتوقيعها برعاية ودعم من الرئيس المرحوم ياسر عرفات في حينه والرئيس الألماني الذي أعلن عن دعم بلاده بتمويل المنطقة الصناعية".

Qatalah