يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بموافقة القصر في إسطنبول تحول الأغوات في الشام إلى سوط عثماني يجلد كل من يحاول الثورة على الاحتلال، وفي مقابل ذلك منحهم السلطان الأرض، وسمح لهم بهتك العرض، وفرض الضرائب الباهظة على الفلاحين، الذين تحولت حياتهم إلى جحيم لم ينقذهم منه إلا الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا. 

اقتصر الحصول على منصب الأغا على العنصر التركي، إلى أن شعرت الدولة العثمانية بحاجة إلى تجنيد أكراد وعرب وتركمان للاستعانة بهم في قمع الثورات داخل بلادهم، فمنحته لأفراد من طبقة الأعيان وكبار ملاك الأراضي الزراعية الذين توافقت مصالحهم مع الاحتلال، بينما تسبب التنافس بينهم وبين جند القبوقول (الجيش السلطاني) القادمين من إسطنبول في خراب الشام حتى فتحها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا عام 1831 وحرر أهلها من مظالم الاحتلال العثماني.

أغا البنات
تعني كلمة أغا -بحسب استخدامها في العسكرية العثمانية- الرئيس أو السيد في الوظائف المدنية، أما أغا الإنكشارية فهو من يحمل رتبة عليا في الجيش، بينما "قزلار أغاسي" معناه "أغا البنات" المسؤول عن خدمة الحريم، كما يطلق اللقب على الخصيان الذين يخدمون في قصور الحريم السلطانية، وكذلك من يقومون بالخدمة في المسجد الحرام والمسجد النبوي.

أما أكثر من حصل على اللقب في الشام فهم فئتين الأولى: جند اليرلية (طوائف إنكشارية) الذين جاءوا إلى البلاد مع بداية الاحتلال العام 1516 وظلوا يعملون كحاميات في المدن وفي مقدمتها دمشق، وقد أدى استقرارهم  في المدن العربية، إلى تكوين روابط محلية وشبكة من النفوذ والعلاقات لخدمة مصالحها  الاقتصادية، وكانت تقيم في حي الميدان بدمشق وبسبب نمو أسرهم، وارتفاع تكاليف معيشتهم، استخدموا نفوذهم العسكري في الاستحواذ على الملكيات واحتكار التجارة.
أما الفئة الأخرى التي استطاعت اقتناص منصب الأغا فتمثلت في بعض رؤساء القبائل العربية والتركمانية والكردية في الشام مقابل الخدمات التي يقدمونها للدولة وأهمها جمع الضرائب، ومساعدة الجيش في بسط نفوذه على المنطقة، على أن يحصل زعماء هذه القبائل على امتياز تكوين إقطاعيات يستخدمون الفلاحين فيها بنظام السخرة.

مطاريد دمشق
شكل أغوات الجند مع زعماء السباهية طبقة حاكمة تتمتع بامتيازات سياسية واقتصادية في دمشق والسناجق التابعة لها، وزاد نفوذهم بعد منحهم العديد من الإقطاعيات، حيث استغلوا قوتهم العسكرية في احتكار الأسواق كما ذكر يوسف نعيسة في كتابه "مجتمع مدينة دمشق".
سيطر الأغوات على تجارتي الحبوب والمواشي بدمشق، بينما حصلوا في حوران على الالتزامات و الأملاك الزراعية، وقاموا بتصدير القمح، ما تسبب في غلاء الأسعار، فاضطر  الولاة العرب من أسرة آل العظم إلى استيراد القمح لتأمين حاجة السكان من الغذاء.

عمد السلطان العثماني إلى توزيع السلطة بين فئات عديدة حتى لا تنفرد إحداها بالسلطة، أرسل فرقا من قوات القبوقول التي تدين له بالولاء لتكون عيونه في الشام، الأمر الذي أدى إلى حرب دائمة بين قوات اليرلية (الإنكشارية المحلية) والقبوقول (إنكشارية إسطنبول) دفع ثمنها السكان.

عانى الأهالي من الصراعات المتكررة بين الفرق، فانتشرت الفوضى في البلاد وأصبح السلب والنهب يتم في وضح النهار، بينما علقت المشانق لكل من يعلن تزمره من السكان، حتى قام والي دمشق العربي سليمان باشا العظم بطرد الإنكشارية من المدينة العام 1748، فتوجه الأغوات المطرودون بقيادة أحمد أغا القلطقجي إلى جبل الشوف، وأقاموا في بني يزبك، ليتحولوا إلى قطاع طرق.
منذ 1860 بدأ الأغوات في الاستيلاء المنظم على الأراضي الزراعية، ويذكر وجيه كوثراني في كتابه "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين"، " السادة الصغار كانوا يمتلكون جيوشا حقيقة، يدافعون بها عن مصالحهم ويقطعون بها الطرق، ويفرضون بقوتها الضرائب الباهظة على الفلاحين، ونتيجة لذلك استطاع الأغوات جمع ثروات ضخمة وأقاموا في قصور فخمة، فيما عانى أهل الذمة من تسلطهم بعد تحريض الأشقياء عليهم لإرغامهم على طلب الحماية مقابل أموال باهظة".

الأرض مقابل التعاون مع السلطان 
استعانت الدولة العثمانية بمشايخ بعض القبائل لبسط نفوذها، فظهر أغوات الدنادشة في مدينة تلكلخ (غرب مدينة حمص)، آخر القرن الثامن عشر لحماية طريق طرابلس- حمص، كما يقول عبد الله حنا في كتابه "المرشدية في محيطها العلوي وأجوائها السياسية والاجتماعية"، إضافة إلى أغوات آل سويدان في حسية  لتأمين  طريق حمص - دمشق، وفي مقابل هذه الخدمات منحت الدولة العثمانية الضوء الأخضر للأغوات بالسطو على أراضي الفلاحين، وتسخير السكان لخدمتهم.

تمكن الدنادشة في آخر القرن التاسع عشر من تملك الأرض، ما انعكس سلبا على الفلاحين بإجبارهم على دفع الإتاوات، وزاد الطين بلة مع صدور قانون الأراضي العثماني عام 1858، إذ استطاع الأغوات تسجيل نحو خمسين قرية بأسمائهم في سهلي عكار وحمص، إضافة إلى الاستيلاء على نصف أراضي قرية جبلايا على السفوح الجنوبية لجبل الحلو.
بهدف رفع الظلم واستعادة أراضيهم قام الأهالي بثورات عديدة داخل قراهم، بينما لم تترك الدولة العثمانية أعوانها يسقطون أمام مقاومة الشعب، حيث أرسلت حملة عسكرية ضد سكان قرية جبلايا نكلت بهم.

إبراهيم باشا يكتب نهاية الأغوات
رغم إلغاء الإنكشارية على يد السلطان محمود الثاني عام 1826 إلا أن بلاد الشام ظلت تعاني من بطش الأغوات الذي لم ينته إلا بدخول الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بداية من العام 1830، الذي أجرى إصلاحات عدة أهمها المساواة بين المواطنين وضم أهل الذمة إلى المجلس الأهلي الذي أسسه إبراهيم باشا  للمعاونة في إدارة دمشق كما ذكر يوسف نعيسة في كتابه.
واهتم الباشا بتحسين حياة الفلاحين، وتنشيط الزراعة، وضبط الضرائب، فانكمش نفوذ الإقطاعيين الذين امتلأت قلوبهم بالحقد، ما دفعهم إلى الاتصال بعملاء السلطان العثماني سرا في الشام وإشعال الفتن الطائفية بين المسلمين والمسحيين في الشام، إلا أن إبراهيم باشا تمكن من دحرهم، فتحول في عيون الكثير من الشوام إلى بطل شعبي.

Qatalah