يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الأوضاع الأمنية في سورية "غير مستقرة"، ما يعني أن عودة اللاجئين إليها في الوقت الحالي، يتناقض مع جميع المواثيق الدولية، لكن الحكومة التركية، بتعليمات من رجب إردوغان، تواصل ترحيل مئات السوريين إلى بلدهم، ملقية بهم في جحيم الحرب المستعرة، التي تشارك في اشتعالها، بإرسالها قوات شمالي البلد العربي، فضلًا عن دعمها اللا محدود للميليشيات الإرهابية المسلحة. 

صحيفة "الجارديان" البريطانية، اعتبرت في تقرير لها اليوم الاثنين، ما تقوم به تركيا تجاه السوريين الذين تتولى ترحيلهم بالإكراه إلى المناطق المضطربة في بلدهم، "أمر يثير المخاوف من أن عمليات الترحيل الجماعي، تعرض أعداداً كبيرة من اللاجئين للخطر"، مشيرة إلى تحقيقات جارية في الأمم المتحدة في هذا الشأن.

وتقول ليز تروسيل، المتحدثة باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، :"من الناحية السياسية، عمليات الترحيل أمر حساس للغاية، نحن في حوار مستمر مع الحكومة حول عدد من القضايا، لاسيما حول الأشخاص الذين يتعين عليهم العودة إلى مقاطعاتهم، لكننا ننظر في عدد من الحالات المبلغ عنها المتعلقة بعمليات الترحيل ولم نتمكن من تأكيد هذه".

وقال موظف آخر في الأمم المتحدة، نقلت عنه "الجارديان" :"نسمع تقارير مستمرة عن إجبار اللاجئين على التوقيع على هذا النموذج، مفوضية شؤون اللاجئين مسؤولة عن التأكد من أن هؤلاء اللاجئين لن ينتهي بهم المطاف في إدلب"، ونبه باسل حيلام، نائب رئيس جمعية المجتمع المدني في سورية، إلى أن منظمته تتعقب 2600 عملية ترحيل من تركيا خلال العامين الماضيين.

أكاذيب تركية
استهداف السوريين الذين يعيشون في إسطنبول، بدأ بناءً على سياسة جديدة تتبعها حكومة أنقرة منذ الانتخابات البلدية الأخيرة التي انتهت في يونيو الماضي، فبعدها خرجت تعليمات صريحة أعلنها إردوغان نفسه، قال فيها :"من الواجب أن تتواصل عمليات عودة السوريين إلى بلدهم"، مطالبًا أن يشهد العام الجاري 2019 إعادة مليون سوري، وهو الذي تستضيف بلاده نحو 3.5 مليون لاجئ سوري.

الاتحاد الأوروبي، يقدم 6 مليارات دولار مساعدات للاجئين السوريين في تركيا، لكن هذه المساعدات لا تصل إلى اللاجئين، بل تروج السلطات التركية بأنها توفر العلاج المجاني والتعليم المجاني للسوريين، متجاهلة أنهم يعملون من كد عرقهم ويعتبرون مصدر دخل مهما للاقتصاد التركي، في ظل أعمالهم التجارية المنتشرة في مختلف المدن التركية. 

الداخلية التركية، قررت في الأسابيع الماضية شن حملة أمنية للتضييق على السوريين، وقامت بترحيل كل من لا يملك بطاقة حماية مؤقتة، كما رحلت من يقيم في مدينة غير واردة في البطاقة التي يحملها إلى المدينة التي استخرج منها الوثيقة، وأمرت كذلك بفرض رسوم 20% على علاج السوريين وعلى الأدوية. 

سلطات الهجرة التركية، قامت خلال الأسابيع الأخيرة بترحيل مئات السوريين، وتم احتجاز أكثر من 1000 منهم في إسطنبول، قبل أن تخف حدة الحملة الأمنية التي قادها وزير الداخلية سليمان صويلو، إذ تم منحهم 30 يومًا للمغادرة، تنتهي في 20 أغسطس المقبل.

بعض اللاجئين، أكدوا أنهم تعرضوا لعملية ترحيل قسري تمثلت في نقلهم من خلال 3 مراكز احتجاز، كما صودرت هواتفهم المحمولة، واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي، وضمت قوائم المرحلين عائلات ومحامين أجبروا على توقيع أوراق تقول إنهم وافقوا "طواعية" على العودة إلى سورية التي تمزقها الحرب.

براجماتية إردوغان
حسب "الجارديان"، يمثل حجم وسرعة الاعتقالات عكسًا لسياسة الباب المفتوح التي اتبعتها تركيا تجاه اللاجئين السوريين في بداية الأزمة، في وقت كانت مصلحة إردوغان تصدير نفسه على أنه المنقذ، وهو الذي استفاد من السوريين بمنح عشرات الآلاف منهم الجنسية ليستفيد من أصواتهم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفي استفتاء التعديلات الدستورية التي بموجبها تحولت تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي في أبريل 2017. 

في حين أن التوترات بين اللاجئين والحكومات التركية، قد ارتفعت في السنوات الأخيرة، فإن التحركات الحالية تشكل التهديد الأكثر وضوحاً حتى الآن لأكثر من 5 ملايين سوري يعيشون في تركيا ولبنان، الدولتين اللتين استوعبتا بسهولة أولئك الذين فروا من القتال مع اشتداد الحرب منذ 2012 ، وفق الصحيفة البريطانية.

مزاعم تركيا بأن الأمور استقرت في سورية تتناقض على نطاق واسع من جانب المنظمات الإنسانية، ووجود ساحات قتال لا تزال مستعرة في شمالي غرب سورية، والتي تعرضت للقصف بشكل منتظم منذ نهاية أبريل. 

منظمات مراقبة، تقول إن حملة جوية روسية وسورية في ذلك الوقت قتلت أكثر من 400 شخص، من بينهم 90 طفلاً، على حين تعمل الميليشيات المسلحة المؤيدة من إردوغان وكذلك قواته المحتشدة في البلد العربي على قتل المدنيين وبالتحديد الأكراد الذين تناصبهم أنقرة العداء، وتسعى إلى التخلص منهم بمقترح "المنطقة الآمنة" الذي يستميت إردوغان من أجل تحقيقه في البلد العربي. 

وفي أحدث هجوم، تم تفجير سوق في مدينة أريحا، السبت الماضي، مما أسفر عن مقتل 11 وجرح أكثر من عشرة آخرين، كلارا لونغ، المسؤولة في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قالت :"إن الهجمات العشوائية والاختفاء والتعذيب والظروف الإنسانية القاسية القائمة في سورية  لا تزال تشكل خطراً يومياً على المدنيين".

شهادات لاجئين
الصحيفة البريطانية، أشارت إلى قصة محمود قدح الذي ألقي القبض عليه في إسطنبول، وهو من إدلب، وقال :"في الأيام الثمانية التي أمضيتها في الحجز، وقعت أكثر من 15 ورقة، لم يقولوا أبدًا الحقيقة، ولم يكن هناك مترجم، وقالوا (وقع ويمكنك العودة إلى المنزل) ولم أعتقد أنهم يقصدون سورية".
وفي حين نفى جوك سيلانداي، المتحدث باسم مديرية الهجرة في تركيا، إجبار السوريين على العودة، بقوله :"لا يُعاد السوريون إلا في حالات العودة الطوعية .. هذه الادعاءات لا تعكس الحقيقة"، فإن شابا سوريًا آخر يكذب المسؤول التركي، فالشاب علاء محمد، البالغ 25 عاماً، قضى ثمانية أيام رهن الاحتجاز لدى الشرطة التركية، بعد أن طُلب منه الحصول على أوراق في إسطنبول، ثم أرسل إلى محافظة إدلب.

علاء، قال بعد عودته إلى إدلب، : أنا المعيل الوحيد لعائلتي، شعرت بالخوف وشعرت بالإجبار على إعطاء بصمات أصابعي والتوقيع على الأوراق التي وضعوها أمامي، لا أحد أجاب عن أسئلتنا، لم يكن لدينا أية فكرة عما سيكون عليه مصيرنا".

Qatalah