يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من الأمريكتين إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا، دعمت تركيا العديد من المؤسسات التي تتخذ من العمل الخيري ستارًا لتمويل المنظمات الإرهابية بالمال والسلاح والتدريب خاصة في الدول التي كانت يومًا تابعة للإمبراطورية العثمانية المقبورة، على أمل فرض هيمنتها المفقودة منذ هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

على رأس المؤسسات المشبوهة تقع هيئة الإغاثة الإنسانية، التي تستخدمها أنقرة في تبرير تدخلها في شؤون الدول الأخرى وتبيض سجلها الاستعماري ونشر صورة مغلوطة لنظام يمد يد العون لجيرانه دون الإضرار بالعرقيات والطوائف.

وثائق مسربة كشفت تورط الهيئة منذ إنشائها في تسعينيات القرن الماضي في دعم الإرهاب بالمال والسلاح وتدريب الكوادر في البوسنة والشيشان، واستمرار تمويلها التنظيمات المتطرفة في سورية وليبيا وغيرها من الدول تحت رعاية نظام رجب. 
  

ستار العمل الخيري
تحت غطاء العمل الإنساني تنشط هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات "أي إتش إتش" في أكثر من 100 دولة، فيما تشير تقارير دولية ووثائق مسربة إلى تورطها في تمويل ودعم التنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح والتدريب منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن.

الهيئة تأسست في إسطنبول عام 1992، هدفها المعلن جمع التبرعات والمساعدات الإنسانية وتقديمها لضحايا حرب البوسنة المسلمين، ومارست نشاطاتها في إطار العمل التطوعي حتى عام 1995، وبعدها تم الإعلان عن تأسيسها كهيئة إغاثة إنسانية مقرها إسطنبول.

أنشطتها الإغاثية شملت تقديم المساعدات الغذائية والتعليم والصحة وإنشاء المشاريع التنمية المستدامة، مثل بناء دور رعاية الأيتام والمدارس والمشافي والجوامع والمراكز الثقافية وحفر الآبار المائية، وواصلت خداعها حتى توغلت في العديد من البلدان في القارات الخمس.

الهيئة عضو في اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي والمنتدى الإنساني العالمي، وتتمتع أيضًا بعضوية المجلس الاستشاري لمنظمة التعاون الإسلامي،  وبقرار من مجلس الوزراء تم اعفائها من الضرائب في أبريل 2011.

دعم الإرهاب
في عام 2006 كشف تقرير صادر المعهد الدنماركي للدراسات الدولية تورط هيئة الإغاثة الإنسانية في تمويل عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة. 

التقرير الذي أعده الباحث الأمريكي المتخصص في تنظيم القاعدة  ايفان كوهلمن فضح ضلوع صناديق الزكاة الإسلامية وغيرها من المنظمات التي تتخذ العمل الخيري كستار لتقديم المساعدات للإرهابيين. 

التقرير أوضح أن السلطات التركية بدأت بالتحقيق حول نشاطات هيئة الإغاثة الإنسانية على الأقل منذ ديسمبر 1997، جراء الاشتباه في تورط قياديين في الهيئة في شراء أسلحة أوتوماتيكية من منظمات متطرفة.

في أعقاب الفضيحة، اقتحمت الشرطة التركية مكاتب الهيئة في إسطنبول، واعتقلت بعض أعضائها وبحوزتهم أسلحة ومواد تخريبية وتعليمات لإعداد عبوات ناسفة وأعلام بعض التنظيمات الإرهابية، إلى جانب وثائق تشير إلى عزم بعض أعضاء الهيئة المشاركة في القتال في أفغانستان والبوسنة والشيشان.

وثائق فرنسية
تقرير المعهد الدنماركي يشير إلى وثائق استخباراتية فرنسية تكشف أن مدير هيئة الإغاثة بولند يلدريم، عمل بصورة مباشرة، خلال منتصف سنوات التسعينيات من القرن الماضي، على تجنيد عسكريين سابقين بهدف القيام بعمليات عسكرية.

 طبقا للوثائق الفرنسية، تم إرسال عدد من نشطاء الهيئة إلى مناطق الصراع في دول إسلامية، من أجل اكتساب الخبرة القتالية، كما أن الهيئة حولت مساعدات مالية وسلاح ومواد ناسفة إلى عناصر إرهابية تقاتل في هذه الدول.

أضاف التقرير أن فحص المكالمات الهاتفية لنشطاء الهيئة في إسطنبول تدل على إجراء اتصالات متكررة خلال العام 1996 بين مكاتب الهيئة وبين شقق تابعة للقاعدة في ميلانو بإيطاليا وإرهابيين جزائريين يعملون في أوروبا بينهم القيادي في القاعدة عبد القادر مختاري، المكنى أبو معالي، الذي عمل في البوسنة.

محاكمة رسام
المعهد الدنماركي أشار إلى ارتباط اسم هيئة الإغاثة الإنسانية بقيادي القاعدة البارز أحمد رسام الذي حوكم في الولايات المتحدة الأمريكية بتهمة تهريب أسلحة ومتفجرات والتخطيط لأعمال إرهابية، حيث عبر الحدود الأمريكية وفي سيارته حوالي 600 كغم من المواد المتفجرة خلال العام 1999.

رسام خطط لتنفيذ عملية إرهابية كبيرة باسم تنظيم القاعدة في مطار لوس أنجلوس في الولايات المتحدة عشية الاحتفالات ببدء الألفية الثالثة.

المدعى  الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية، قاضي التحقيق الفرنسي المختص بمكافحة الإرهاب جان لويس برجيير، إلى تقديم إفادته كخبير. 

برجيير شهد بأن منظمة هيئة الإغاثة لعبت دورا هاما في خطة العملية الخاصة بالقاعدة، وأنها بمثابة غطاء حصلت القاعدة من خلاله على مستندات مزيفة وقامت بتجنيد النشطاء ونقل الوسائل القتالية.  

معاداة الغرب
تقرير المعهد الدنماركي لفت إلى أنه في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 استغل بولند يلدريم وهيئة الإغاثة الحادثة في التوغل داخل أوساط الإسلاميين في تركيا تحت ستار رفض الاحتلال ومقاومة أمريكا المحتلة.

في ديسمبر 2004 نظمت الهيئة مسيرة في إسطنبول ضد الولايات المتحدة الأمريكية، قال خلالها بولند يلدريم لوكالة الأناضول أن التعاون الإستخباراتي بين أمريكا، وبريطانيا وتركيا يجب أن يتوقف مهددًا بتنظيم احتجاجات دائمة أمام كل قنصلية، وفي مظاهرة أخرى أُطلقت شعارات مناوئة لواشنطن أطرت على "المقاومة" ودعت إلى طرد "الأمريكيين القتلة".  

برعاية الاستخبارات
تحت عنوان "حان الوقت لإعلان تركيا دولة راعية للإرهاب"، كشفت صحيفة "واشنطن إكزامينر" الأمريكية، يناير الماضي، عن دعم الاستخبارات التركية أحد أفراد تنظيم القاعدة في سورية، بعدما كان حلقة الوصل بين أنقرة وحركة الشباب الصومالية الإرهابية.

تقرير الصحيفة قال إن إبراهيم شين، المعتقل حاليا في باكستان بتهمة الانتماء للقاعدة، كان يعمل جنبا إلى جنب مع مسؤولين في الاستخبارات التركية للإشراف على مجموعات إرهابية مسلحة في سورية، موضحًا أنه نقل 600 ألف دولار إلى حركة الشباب الصومالية عام 2012.

الصحيفة الأمريكية أشارت إلى محاولة السلطات التركية التستر على عمل شين لصالحها في سورية، بعد أن سربت حركة الخدمة التابعة لرجل الدين فتح الله جولن، المتهم الأول بتدبير محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016، معلومات عن علاقات سرية بين القاعدة وأنقرة.

أضافت: محاولات التستر التركية بلغت إلغاء تحقيقا بحق شين في عام 2014، وأبعاد رؤساء الشرطة والمدعين العامين والقضاة، الذين كانوا على علاقة بالتحقيق في هذه القضية.

مكالمات هاتفية حصل عليها ممثلو الإدعاء بموجب أمر من المحكمة، كشفت الصلة بين شين ووكالة الاستخبارات التركية، حيث اتهمته المحكمة باستخدام العديد من المنظمات الإنسانية والحقوقية غير الحكومية كواجهة لإخفاء شحنات الدعم للجماعات الإرهابية المسلحة في سورية.

الشرطة التركية تمكنت من تحديد 3 موظفين في هيئة الإغاثة الإنسانية، عملوا عن قرب مع شين في تهريب البضائع إلى سورية، وأظهرت المكالمات الهاتفية بين شين وهؤلاء الثلاثة كيف كانوا يخططون لاستخدام سيارات الإسعاف لنقل البضائع للإرهابيين بعد أن بات دخول الشاحنات الصغيرة عبر الحدود مستحيلا بسبب الحرب.
عمليات التنصت والمراقبة اكتشفت أن فرعي هيئة الإغاثة الإنسانية في قيصرية وكلس يرسلان الأموال والمستلزمات الطبية والمنزلية لعناصر تابعة للقاعدة في سورية، وأن شين استخدم مساعدات الهيئة في إخفاء الشحنات غير القانونية للإرهابيين.

تابعت الصحيفة: المعلومات دعمت مساندة الولايات المتحدة للقوات الكردية في سورية لمواجهة تنظيم داعش، بعد أن أيقنت واشنطن أن شراكة تركيا المستمرة مع الجماعات المتطرفة في سورية ستشكل تحديا أمنيا دائما للمنطقة.

في يناير 2016، ضبطت الشرطة التركية أسلحة وذخائر مخبأة في شاحنة تابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وهي في طريقها لسورية، فيما أشارت صحيفة حرييت التركية أشارت أن رجب إردوغان أقال عناصر الشرطة الذين أوقفوا الشاحنة مشيرة إلى أنها كانت تسير برفقة عناصر من جهاز المخابرات التركية الذين منعوا تفتيشها بحجة أنها تحتوى على مواد تدخل ضمن أسرار الدولة.

رسائل بريد إلكتروني تم تسريبها لصهر إردوغان، بيرات آلبيراق وزير الخزانة والمالية، حصل عليها موقع نورديك مونيتور السويدي، الإثنين الماضي، ورطت هيئة الإغاثة في تسليح الفصائل الليبية، حيث فضحت مطالبة صاحب شركة شحن وحاويات مُفلسة من حكومة العدالة والتنمية بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بسفينته أثناء نقل الأسلحة بين الموانئ الليبية بأمر من السلطات التركية في 2011، وكشفت  تفاصيل شحنات الأسلحة التي وافقت عليها الحكومة التركية إلى المتمردين في سفينة تعاقدت معها هيئة الإغاثة الإنسانية.

التوغل في الدولة
موقع "نورديك مونيتور" الإثنين الماضي،  نشر رسائل بريد إلكتروني التي تم تسريبها لصهر إردوغان، بيرات آلبيرق، وزير المالية والخزانة، ما كشفت عن الاستشهاد بهيئة الإغاثة كمرجع قوي لتحسين فرص المرشحين لمناصب في الحكومة.

 إسماعيل إيمانت الصديق المقرب من بلال نجل إردوغان، بعث في رسالة إلكترونية بتاريخ 10 نوفمبر 2015، السير الذاتية لخمسة مرشحين إلى آلبيراق لمراجعتها مع ملاحظة توضح صلاتهم الوثيقة بالهيئة.
مجاهد ترك -21 عامًا- من ضمن من رشحهم إيمانت، وتمت الإشارة إلى صلاته الوثيقة بهيئة الإغاثة حيث تولت والدته فاطمة تورك، رئاسة فروع النساء في الهيئة، وقامت بحملات نشطة في جميع أنحاء تركيا للترويج لإردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

Qatalah