يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


9 نوفمبر 2018 الإفلاس يضرب عشرات الشركات ولا حل قريبا لأزمة الليرة

مع دخوله عامه السابع عشر على رأس السلطة في تركيا هذا الشهر، يجد حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة انتقادات غير مسبوقة من رئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركي، وذلك بعد أن آثر الاتحاد في السابق تجنب توبيخ الحزب الحاكم بشكل طوعي فيما يتعلق بسياساته الكارثية.

ومع تصاعد مشاعر الاستياء بين أعضاء الاتحاد، اضطر رئيسه رفعت حصارجيقلي أوغلو إلى المجاهرة بانتقاداته للحزب الحاكم، ومن السهل معرفة أسباب ذلك التغير، فوفقا لإحصاءات الاتحاد نفسه في تقريره الشهري عن النشاط التجاري في تركيا، أغلقت 1100 شركة أبوابها في سبتمبر.

وبالنظر إلى العدد الكبير للشركات التي تسعى إلى إعلان إفلاسها للاحتماء من الدائنين، فإن هذا الرقم سيرتفع أكثر وأكثر في تقرير شهر أكتوبر.

وفي الأسبوع الماضي، طالب حصار جيقلي أوغلو في بيان حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان بالتدخل لمعالجة ما وصفه "بالتباطؤ الواضح" للاقتصاد التركي.

وقال حصارجيقلي أوغلو في بيانه "لقد حان الوقت لدعم ما نملكه حاليا. نحتاج إلى حماية عمليات التجارة والإنتاج وقدرة التجار والمصنعين على خلق فرص العمل. فكل شركة تغلق أبوابها وكل مصنع يوقف الإنتاج يمثل خسارة لجميع الثمانين مليون تركي".

وأضاف "نحن في صراع يومي مع أسعار الفائدة ومع تقلبات العملة واللوائح البيروقراطية. وفي الوقت الذي نواجه فيه ألف مشكلة ومشكلة، كل ما نطلبه من الدولة هو أن تقف إلى جانبنا".

وذهب رئيس الغرفة الصناعية في أنقرة نور الدين أوزدبير بانتقاداته إلى ما أبعد من ذلك بكثير، واصفا تعافي الليرة بعد إفراج تركيا عن القس الأميركي أندرو برانسون في أكتوبر بأنه "تعاف مصطنع"، وحذر من مغبة الانخداع بأي مكاسب أخرى في المستقبل القريب.

وكانت العلاقات بين أنقرة وواشنطن قد توترت بشدة بسبب احتجاز تركيا للقس برانسون لمدة عامين تقريبا بتهم تتعلق بالإرهاب، والتي وصفتها الولايات المتحدة بأنها اتهامات "لا أساس لها".

وفي ذروة الخلاف الدبلوماسي في شهر أغسطس الماضي، سجلت العملة التركية مستوى قياسيا منخفضا وهبطت إلى حوالي 7 ليرة مقابل الدولار. وعلى الرغم من تحقيق الليرة لبعض التعافي منذ ذلك الوقت، إلا أن أوزدبير يصر على أن هناك ضرورة لإجراء تغييرات هيكلية لتحقيق استقرار دائم.

وقال أوزدبير "ما ينبغي فعله لاحقا يعد أهم بكثير، حيث تركز السياسات الاقتصادية الحالية بشكل أكبر على إيجاد مصادر التمويل بدلا من خلقها. وللأسف، لا أعتقد أننا تعلمنا من الماضي، وما دمنا نرفض التحول إلى اقتصاد إنتاجي، فسوف نواجه المزيد من المشاكل، مثلما حدث في أزمة برانسون".

وفي أكتوبر، أعلن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أن اقتصاد تركيا بدأ في استعادة ثقة المستثمرين الأجانب وأنه يمر حاليا بفترة توازن. ومع ذلك، كشفت البيانات التي تضمنها مؤشر الثقة الاقتصادية لهذا الشهر أن الثقة داخل تركيا وصلت للحضيض.


كما أظهر مؤشر ثقة المستهلك لنفس الشهر أرقاما متدنية أقل حتى من نظيراتها التي سجلت وسط الأزمة المالية في عام 2008. وهوت كذلك مؤشرات الخدمات والمبيعات بالتجزئة بلا هوادة على مدار الأشهر الماضية. فيما أظهر مؤشر ثقة الخدمات المالية لشهر أكتوبر انخفاضا بمقدار 16.7 نقطة في شهر واحد.

وهذا إن يدل على شيء فإنما يدل على أن الفترة التي تتراوح بين الثلاثة والاثني عشر شهرا المقبلة لا يمكن التنبؤ بأحداثها بالنسبة للقطاعين المصرفي والمالي، في الوقت الذي تسود فيه حالة من التشاؤم بين التجار وأصحاب الأعمال.

في غضون ذلك، استمر مؤشر الثقة في القطاع العيني في الانخفاض، مما يعكس تراجع كل من طلبيات التصدير والتوريد المحلي في القطاع العيني في الأشهر الثلاثة المقبلة.

وأظهر مسح للبنك المركزي ارتفاع التوقعات بشأن حدوث انخفاض حاد في حجم القوة العاملة في القطاع العيني خلال الفترة التي تتراوح بين الأشهر الثلاثة إلى الثانية عشرة المقبلة، وتوضح أرقام العمالة في شهر أكتوبر أن هذه النظرة القاتمة لها ما يبررها. إذ أظهر مسح شمل 2600 من المنتجين أن نسبة القدرة على خلق وظائف جديدة قد تراجعت إلى معدلات لم تشهدها تركيا منذ مارس 2015.

ما يعنيه ذلك هو انخفاض الإنتاج وبالتالي انخفاض معدلات العمالة، مما يزيد من احتمالية حدوث تسريحات جماعية.

وفي مقابل كل التوقعات السلبية التي صدرت من العديد من المؤسسات الاقتصادية الموثوق بها، مثل اتحاد الغرف التجارية والبورصات والبنك المركزي ومعهد الاحصاء التركي التابع للدولة، وقف البيرق أمام البرلمان في أكتوبر ليلقي باللوم في مشكلات تركيا الاقتصادية على ما وصفها بهجمات يقوم بتوجيهها "رأس المال الأجنبي".


وقال الوزير إن التقلبات الهائلة في قيمة الليرة مما يربو على سبعة مقابل الدولار في أغسطس إلى 5.9 في سبتمبر أثبتت جدوى الإجراءات التركية، بما في ذلك "البرنامج الاقتصادي الجديد" الذي أعلن عن تدشينه مؤخرا، ضد أزمة "لم تواجه تركيا مثلها حتى في انقلاب 1980".

وعلى الرغم من كل ما قاله البيرق عن الهجمات الاقتصادية، من الواضح أنه لا يوجد إجماع في أنقرة حول كيفية تشخيص ومعالجة مشاكل البلاد الاقتصادية. وبينما يتحدث الوزير عن دخول الاقتصاد في فترة توازن، فإن قطاع الأعمال يرى أن السياسات الحالية تزيد الوضع سوءا مع استمرار الأسواق في التباطؤ وتوقف الأموال عن التدفق، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات سريعة لإنقاذ الموقف.

وظهر أحدث وأبرز مثال على افتقار تركيا للوحدة المؤسسية في التقارير الأخيرة عن معدلات التضخم، حيث رفع أحدث تقرير للبنك المركزي، والصادر في 31 أكتوبر، من توقعاته بشأن التضخم في نهاية العام إلى 23.5 في المئة، بزيادة 10.1 في المئة عن المعدل الذي تنبأ به في تقريره في يوليو، وذلك في نفس الوقت الذي أعلن فيه البيرق في برنامجه الاقتصادي الجديد في سبتمبر عن استهدافه الوصول بنسبة التضخم إلى 20.8 في المئة.

وهنا، يختلف هدف الوزير بشأن التضخم اختلافا كبيرا عن الهدف نفسه الذي وضعه البنك المركزي نصب عينيه. وفي حين أن البيرق مشغول بمحاولة قيادة حملة تهدف إلى دفع معدلات التضخم إلى الانخفاض عبر فرض خصومات بنسبة 10 في المئة على السلع الأساسية، يتوقع البنك المركزي قفزة هائلة في تضخم أسعار المواد الغذائية بنهاية العام من 13 إلى 29.5 في المئة.

وبالتالي، في الوقت الذي يؤكد فيه البيرق أن معدلات التضخم سوف تنخفض، يقول البنك المركزي إن نسب التضخم ستستمر في الارتفاع، وبوتيرة حادة.

في غضون ذلك، وعلى الرغم من التشريعات الجديدة التي تحظر إبرام العقود بالعملات الأجنبية والضغوط التي تمارسها الحكومة على الشركات والمواطنين لدعم الليرة، فإن الإقبال على شراء العملات الأجنبية لا يزال آخذ في الارتفاع. وأظهرت الإحصاءات الأسبوعية للبنك المركزي زيادة في حجم أرصدة الحسابات البنكية من العملات الأجنبية بقيمة 5.6 مليار دولار لتصل قيمتها الإجمالية إلى 186.7 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في 12 أكتوبر، وزيادة أخرى بمقدار 1.66 مليار دولار في الأسبوع التالي.

بعبارة أخرى، بينما يستمر الوزير في التذرع بحجة الهجمات المدبرة من الخارج والادعاء بتحقيق الليرة لمكاسب مستمرة، فإن الناس في تركيا قد رأوا في هذه "المكاسب" فرصة لإضافة 6.6 مليار دولار إلى حساباتهم.

وخلال الفترة نفسها، انخفضت الودائع في حسابات الليرة التركية بمقدار 82.6 مليار ليرة (14.96 مليار دولار). وهو ما يعني أن الأتراك سارعوا إلى شراء اليورو والدولار على حساب الليرة، رغم كل النداءات التي أطلقها أردوغان وحكومته لحماية الليرة.

لذا، وكما قال أوزدبير، فإن هناك احتمالية لأن تنشب أزمة أخرى مثل أزمة العملة التي أثارتها قضية برانسون في أي لحظة.

وبإمكانكم أن تضعوا جميع التصريحات حول تجدد ثقة الأجانب في الاقتصاد التركي خلف ظهوركم. فعندما تصل جميع المؤشرات المحلية إلى أدنى مستوياتها، وينضم حتى اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركي، المساند الوفي لأردوغان طيلة 16 عاما، إلى قائمة منتقديه، فبلا شك سيكون في انتظار الاقتصاد التركي أيام حالكة في المستقبل القريب.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah