يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يقف التاريخ شاهدًا على تسليم السلطان العثمانلي عبد الحميد الثاني، فلسطين على طبق من ذهب، للعصابات اليهودية، إذ تضاعف عدد اليهود في الأراضي المحتلة خلال عصره، ثلاث مرات ووصلت نسبتهم عام ١٩٠٨ إلى ١١ في المئة من عدد السكان، وذلك وسط تسهيلات عديدة قدمها السلطان المقبور لهذه العصابات، لعل أبرزها نظام "الإلجاء".

العثمانيون طردوا العرب من أرضهم في فلسطين وباعوها للصهاينة وأعفوا محاصيلهم من الضرائب التي قصمت ظهور العرب، كما وفروا الدعم التشريعي والحماية للاستيطان الصهيوني في فلسطين خصوصا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي حدثت في عهده أكبر موجات الهجرة اليهودية.

استفاد اليهود من الامتيازات التجارية التي دأب العثمانيون على منحها للأجانب فامتلكوا الأراضي وأسسوا المزارع وصدروا المحاصيل الزراعية وأنشأوا المصانع المتعددة ودشنوا المصارف والبنوك لتمويل عملياتهم الاقتصادية.
لم ينتهِ الاحتلال العثماني في فلسطين عام 1918 إلا وقد مكّن الصهيونية من بناء أساس اقتصادي قوي كان نواة الكيان الصهيوني لاحقا وسبب بقائهم في فلسطين.

طرد العرب
اشتدت موجات الهجرة الصهيونية إلى أرض فلسطين منذ عام 1882 في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وبدعمه.
لعبت الزراعة الدور الأول والأساس في نشأة وتطور الاقتصاد الصهيوني فكانت أول حرفة مارسها المستوطنون.

عانت فلسطين من تخلف اقتصادي وفقر كبير بسبب سوء الإدارة العثمانية واستيلاء السلطان عبد الحميد على أغلب وأجود الأراضي الزراعية وضمها إلى أملاكه الخاصة بجانب انتشار الفساد وعدم وجود خطة اقتصادية للعثمانيين واقتصارهم على جمع الضرائب دون تقديم خدمات للسكان.

علاوة على ذلك أدت سياسة الامتيازات لرعايا الدول الأوروبية إلى أفضلية للأجانب عن العرب في الأسواق وتدمير للصناعة الحرفية التي لم تقو على منافسة الآلة الغربية.
بسبب استيلاء العثمانيين والمقربين منهم على الأراضي بعد إصدار قوانين الطابو عام 1858 نزعت الأراضي من الفلاحين وزاد فقرهم وبؤسهم.

نتيجة للنفقات الكبيرة المطلوبة لتسجيل الأراضي وبسبب الخوف من جامعي الضرائب والتجنيد الإجباري لجأ الفلاحون إلى تسجيل أراضيهم بأسماء ذوي النفوذ من الملاكين الكبار والتجار في عملية عرفت باسم "الإلجاء" وتسبب ذلك في سقوط ملكية الفلاحين عنها.
كان السلطان عبد الحميد أكبر شخص ألجأ إليه الفلاحون الأراضي وكان ممثله دائرة الأملاك السنية التي امتلكت مئات آلاف الأفدنة في فلسطين وحدها.

فتحت الأنظمة العثمانية الباب لتسرب الأراضي إلى المستوطنين اليهود وتشريد الفلاحين.
الضرائب تسببت في هجر الفلاحين في فلسطين للأرض فقد وصلت إلى 50 % من محصولهم سنويا قبل حساب التكاليف.

بينما كان العرب يفقدون الأرض كانت ملكية اليهود تنمو منذ عام 1854 وزادت خلال عهد السلطان عبد الحميد الثاني ثم في عهد حكومة الاتحاد والترقي وعشية اندلاع الحرب العالمية الأولى كان عدد اليهود 85 ألف شخص يمتلكون ما يزيد على مليون دونم من الأرض الزراعية و 300 مصنع و44 مستوطنة.

عصر الامتيازات
رغبة السلاطين العثمانيين في التقرب إلى أوروبا واستجداء رضاها جعلهم يمنحون قنصليات هذه الدول امتيازات كبيرة. كثرت القنصليات في المدن الكبيرة وكان لها دور سياسي واقتصادي وأمني.

مع قانون تملك الأجانب عام 1869 الذي سمح للأجانب بالتملك سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات في جميع أراضي الدولة باستثناء الحجاز تسلل اليهود إلى فلسطين وتملكوا الأرض بصفتهم رعايا لهذه الدول.

بدأت الملكية الصهيونية عام 1854 بحصولهم على مرسوم سلطاني لشراء قطعة أرض بحجة بناء مستشفى لمرضى الجذام في القدس إلا أن الأرض استخدمت لبناء مستوطنة لليهود فكانت نواة حي مونتفيوري.

حصلت جمعية الأليانس الصهيونية الفرنسية عام 1868 على فرمان عثماني استأجرت بموجبه 2600 دونم في يافا لمدة 99 عاما وتم إقامة أول مدرسة زراعية صهيونية وسميت "مكفيه إسرائيل" كانت نواة الاقتصاد الزراعي للمستوطنين.

منذ ذلك التاريخ بدأت عملية شراء واسعة للأراضي بدعم العثمانيين إرضاءً للدول الأوروبية ومن ذلك شراء عائلة بيرجهايم الصهيونية 500 فدان في قرية أبو شوشة جنوب الرملة من مزاد حكومي وتم انتزاع الأرض من الفلاحين الذين عجزوا عن دفع الضرائب وتسليمها للصهاينة.

السلطنة كانت ضعيفة أمام القنصليات التي وفرت الحماية لليهود ولم يعد بمقدار العثمانيين إرجاع عقارب الساعة للوراء فنفوذ الأجانب فاق كل الحدود.

الكيبوتس والموشاف
تعددت أنماط الملكية بين الجماعات الاستيطانية فوجدت ملكيات جماعية وأخرى فردية إلا أن الأولى كانت الغالبة وهي من حظت بدعم الجمعيات الصهيونية.
وجدت المستوطنات الجماعية (الكيبوتس) والتعاونية (الموشاف) بجانب ذلك أنشأ المستوطنون معاهد بحثية لخدمة الزراعة أفادت اليهود بالأبحاث التي أجريت على النباتات والحيوانات وأساليب الري.

خلال الفترة من 1882 إلى 1902 تم إنشاء 23 مستوطنة يهودية وبلغ عدد المهاجرين 6500 يهودي.
سياسات العثمانيين كانت وباءً على الفلاحين الفلسطينيين أضعفتهم في مواجهة الزراعة الصهيونية التي اعتمدت على استراتيجية محددة مدعومة بالأبحاث العلمية.

الخطة الزراعية التي وضعها البارون اليهودي روتشيلد قامت على زراعة اللوزيات والعنب والمحاصيل التي تستخدم للتجارة والصناعة.
اضطر الفلاحون العرب المطرودون من أرضهم والهاربون من ظلم الضرائب إلى العمل في مزارع اليهود لكن هذا لم يدم طويلا فمع توالي وصول المهاجرين اليهود خصوصا الفقراء تم استبدالهم بالعرب.

خلال الفترة من 1900- 1914 تم إنشاء 25 مستوطنة بلغت مساحتها 984.163 دونم وبلغ عدد الوافدين 45 ألف صهيوني وبلغ عدد الصهاينة في فلسطين مطلع الحرب العالمية الأولى إلى 85 ألف يهودي يمتلكون 44 مستوطنة زراعية.

تنوعت المحاصيل التي أنتجتها المستوطنات ما بين محاصيل صناعية واستهلاكية ووجدت محاصيل الحبوب والقمح والعدس والفاصوليا والسمسم وغيرها.
الاستراتيجية الصهيونية تضمنت زراعة التشجير فتم إنشاء "جمعية زراع الزيتون" نفذت مشروع تشجير غابة هرتزل وإنشاء غابات برتقال وفواكه حمضية.

صندوق الائتمان اليهودي
اهتمت الحركة الصهيونية بإنشاء الشركات الاقتصادية التي تركز عملها على السيطرة على الأراضي وإعدادها وتطويرها وتجفيف المستنقعات وشركات الإنشاءات والشركات الاستثمارية التي استثمرت أموال اليهود.

جمعية الأليانس تأسست عام 1860 اهتمت بإنشاء المؤسسات التعليمية لخدمة الاقتصاد الصهيوني فأنشأت مدرسة للتعليم المهني وأسست مجموعة مدارس ابتدائية في القدس وحيفا عام 1867 وأنشأت مدرسة زراعية.

تولت مؤسسة البيكا الصهيونية التي أنشأها روتشيلد شراء الأراضي وبيعها بشروط ميسرة جدا لليهود وشجعت المؤسسة نشاط شركات الرهون العقارية وجمعيات التسويق الزراعي.
أنشأت البيكا شركات لتنمية الثروة الحيوانية وزراعة الغابات وحفر الآبار. تم إنشاء شركات تجارية تولت تصدير حاصلات المستوطنات الزراعية والصناعية إلى أوروبا فكانت الخمور تصدر إلى فرنسا. 

جمعية بيكا الاستيطانية بدأت نشاطها عام 1896 فأنشأت شركة آلات ومعدات زراعية قامت ببيعها بشروط ميسرة للمستوطنين وشجعت على استخدام الآلات الحديثة وأنشأت مزارع لتربية الدواجن والماشية وإنتاج وتصنيع اللحوم والحليب والعسل.

تأسست شركة مقاولات بدعم من جمعية يكا كانت مهمتها رصف وإنشاء الطرق داخل المستوطنات وفيما بينها.
أنشأ صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار الذي أسسه هرتزل لجنة خاصة سميت "لجنة البنك" برأسمال 4 ملايين فرنك فرنسي اختص بالأعمال المصرفية ودعم الاقتصاد الصهيوني وأنشأ البنك فروعا في فلسطين منذ عام 1903 في يافا باسم "الشركة الإنجليزية الفلسطينية" لأغراض التمويل الزراعي والصناعي والتجاري والرهونات العقارية وبناء المساكن.

أسس صندوق الائتمان شركات للبناء والكهرباء وقام بنقل أموال اليهود من ألمانيا إلى فلسطين وصار البنك الأكبر فيها.

وصل الأمر بتمكن الصهاينة في فلسطين في عهد عبد الحميد الثاني إلى إنشاء شركة للتنقيب عن البترول في البحر الميت والعربة وطبريا.

300 مصنع
أنشأ اليهود مصنعا لجمع الحرير عام 1890 في الجليل يعتمد على إنتاج دود القز من مزارع شجر التوت في المستوطنات.
ساهمت البيكا في إنشاء مصانع للخمور في مستوطنة ريشون ليتسيون وفي زخرون يعقوب (جنوب حيفا).

بلغ عدد المصانع والورش الصهيونية حتى عام 1914  300 ورشة ومصنع وأنشأ اليهود مصانع الخمور ومواد البناء وصناعة الجلود وطحن الحبوب والصابون واستخراج الزيوت النباتية وصناعة الأدوات الحديدية وصناعة الغزل والنسيج وصناعة الزجاج والعطور.

أسس نحوم فلبوش مصنعا للأسمنت في حيفا عام 1911. تم تأسيس شركة "المطاحن الكبرى" التي وفرت الدقيق وسدت العجز المحلي. 

صادرات صهيونية
تمكن الصهاينة من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض مستفيدين من الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية للأجانب.
صدّر اليهود 260 طنا من اللوزيات عام 1913 ومن العنب ما قيمته 60 ألف جنيه إسترليني.

أما الحمضيات فبلغت قيمة الصادرات 298 ألف جنيه إسترليني. كانت المحاكم الشرعية العثمانية تسجل وتوثق المعاملات التجارية الصهيونية وتفصل في النزاعات والخلافات التجارية.

فتحت السلطنة العثمانية موانئ فلسطين أمام حركة التجارة الصهيونية وسمحت لها باستخدام ميناء يافا الذي تم تحديثه عام 1908.

خدمات ومرافق
أنشأت الصهيونية المستشفيات وكان أولها مستشفى روتشيلد عام 1854 وأسست المدارس بجميع أنواعها وبلغ عددها 60 مدرسة عام 1914.
عام 1988 حصل رجل الأعمال اليهودي يوسف نافون على امتياز مد خط حديدي بين يافا والقدس لمدة 71 عاما.

وجدت مؤسسات ثقافية صهيونية مثل المسارح والصحف والمجلات وحازت جميعها على تصاريح عثمانية وأدت نشاطها الدعائي في حراسة القوانين العثمانية.

المصادر :


Qatalah