يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يهنأ الاحتلال الأوروبي بعيش على الأرض العربية المحتلة إلا بمساعدة تركية مباشرة، إذ  فتح سلاطين إسطنبول بابا خلفيا واسعا أمام اجتياح جيوش الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين ثم الصهاينة لاحتلال بلادنا بكلمة سر واحدة هي "الامتيازات الأجنبية". 
 
حي الجواسيس الأوروبيين
في العام التالي لفتح القسطنطينية (إسطنبول) مال العثمانيون للإبقاء على سياسات بيزنطة تجاه أوروبا، فاحتفظوا بالعلاقة مع تجار البندقية وأعطوا قيادتهم في عام 1454 لرجل منهم يلقب البايلو (الوكيل) مهمته أن يرعى مصالح مواطنيه في السلطنة، ويقضي بينهم وفقا لقوانين بلاده، ومقابل قصر طوب قابي في إسطنبول، وبالتحديد في منطقة كرمة بيرا بحي غالطة، سكن البايلو واشتغل بالتجسس لصالح جمهورية البندقية إضافة إلى مهمته الأصلية.
تحولت كرمة بيرا إلى حي ديبلوماسي أوروبي بامتياز، بعد أن شرع العثمانيون في توقيع الامتيازات الأجنبية مع القوى الأوروبية، واحدة تلو الأخرى، ابتداء من منتصف القرن السادس عشر، وتشكلت لأول مرة جاليات وبعثات ديبلوماسية تمثل تلك القوى في إسطنبول متخذة من ذلك الحي مقرا لها. 
 
حلف الزنبق والهلال
ملأ السلطان سليمان القانوني الدنيا ضجيجا بانتصاراته في العالم، لكنه لم يتورع عن تقديم التنازلات لفرنسا طمعا في حلف عسكري مضاد لعدوهما اللدود "آل هابسبورج" حكام النمسا وإسبانيا.
في عام 1533، عقد سليمان تحالفا مع ملك فرنسا فرانسوا الأول أطلق عليه اسم "اتحاد الزنبق والهلال" ضد إمبراطورية الهابسبورج، وبناء على ذلك التحالف تحولت فرنسا الممول التاريخي للحركة الصليبية إلى أوفى حلفاء العثمانيين لدرجة أن القانوني خاطب ملكها باعتباره "أخا وصديقا". 
رافق الحلف مطالبة فرنسا بالسماح لتجارها بالإقامة في المشرق، واشترطت فرنسا تحصين تجارها من المثول أمام المحاكم الشرعية، ما وافق عليه السلطان مانحا فرنسا أول "امتياز" أو تنازل أعفي الفرنسيون من خلاله أيضا من دفع ضرائب أرباحهم للسلطنة.
 
 
بيرا قاعدة التخابر الأوروبي
تراجع الهيبة العسكرية للدولة العثمانية بعد وفاة سليمان وتولي خليفته سليم الثاني الملقب "السكير"، زاد طمع أوروبيين آخرين في تلك الامتيازات، وفي عام 1582 منح السلطان مراد الثالث إنجلترا امتيازات تماثل سابقتها الفرنسية، ولعبت شركة المشرق الإنجليزية دورا كبيرا في الفوز بتلك الامتيازات، وهي تتشابه في دورها السياسي الخطير مع شركة الهند الشرقية البريطانية، حيث اتخذت المصالح التجارية ستارا لخلق موطئ قدم استراتيجي لبريطانيا في المشرق، واختارت القناصل الإنجليز ودفعت رواتبهم في مقابل تقارير استخباراتية دورية عن إسطنبول.
وتوالت التنازلات، فمنح العثمانيون تنازلات سخية لهولندا في عام 1612 حين أعطى السلطان أحمد الأول التجار الهولنديين فرمان امتيازات أصبح لهولندا بموجبه قنصل مقيم في بيرا التي تحولت إلى قاعدة تخابر أوروبية بامتياز، حيث جمع القناصل فيها كل معلومة ممكنة من قلب قصور الحكم. 
اتسع الخرق، ونجح الأوروبيون في استقطاب الطبقة الحاكمة كلها بداية من السلطان والصدر الأعظم مرورا بكبار موظفي الدولة وحتى مفتي إسطنبول نفسه الذي أصبحت داره قبلة لقناصل الدول الأوروبية. 
كان الاختلاط الأوروبي برجال الحكم فرصة ممتازة لتدوين التقارير الاستخباراتية عن شخصية السلطان وميوله ووضع حاشيته وحال الأقليات العرقية والدينية في السلطنة، وهي التقارير التي  منحت أوروبا المقدرة على وضع الخطط للزحف على الشرق العربي. 
 
خمر وجنس.. وزواج الكابينة
حول الأوروبيون بيرا إلى حي للسكر والدعارة، وفي حانات بيرا التي رخص لها السلاطين، كانت أكواب النبيذ تتناقل بين السكارى من سائر الأطياف التي قطنت المدينة فلم يعد الأمر مقصورا على الأجانب فحسب، حيث تردد عليها رجال الدولة وعامة الناس، وأصبح نبيذ بيرا يحظى بشهرة واسعة. 
وفي إطار تقنين الأوضاع الجديدة، ولمواجهة مغامرات الهولنديين الجنسية مع الساقطات اللاتي ملأن شوارع إسطنبول، سمح شيخ الإسلام بتوثيق ما يشبه زواج المتعة للأجانب فيما عرف باسم "زواج الكابينة"، والذي يمنح أي رجل حق شراء أية فتاة يونانية والتمتع بها جنسيا لزمن محدد في مقابل مبلغ من المال يتفق عليه مع والد الفتاة، وقد أدهش التحرر الجنسي في عاصمة الخلافة الأوروبيين أنفسهم، حيث كتب سفير البندقية كورنيليس هاغا يشتكي من جرأة الأتراك وفسق نسائهم.
 
الاقتصاد العثماني في قبضة فرنسا
زاد حجم التنازلات التي قدمتها إسطنبول في فرمانات الامتيازات وزاد بالمقابل وضع الدولة ضعفا وتدهورا، لتدور الدائرة ويصبح من اليسير على القناصل الأجانب الضغط على السلطان وحصد المزيد من الامتيازات. 
ومثل التراجع التركي أمام القوة العسكرية للهابسبورج فرصة ذهبية لذلك الحصاد، ففي عام 1604 طلب السلطان أحمد الأول من فرنسا تمديد التحالف العسكري معها ومنحها في المقابل فرمانات بامتيازات جديدة، شهدت تنازلات واسعة أضرت بالاقتصاد العثماني نفسه، حيث أمر السلطان رجاله من موظفي الدولة بعدم إيذاء الفرنسيين أو تهديدهم أو اعتقالهم، واستغل تجار فرنسا ذلك الوضع واشتغلوا بتهريب البضائع الممنوعة إلى إسطنبول. 
تفاقمت الأوضاع خلال القرن الثامن عشر، ومع توالي الهزائم العسكرية على رؤوس العثمانيين اشتدت الحاجة إلى الدعم الأوروبي، خاصة الفرنسي، وزاد التفريط ومنح الامتيازات، في العام 1740، أعانت فرنسا العثمانيين على استعادة بعض البلدان في البلقان أثناء الحرب العثمانية الروسية، في مقابل تمديد الامتيازات الفرنسية وإضافة مزيد من المواد عليها، ليرتفع عدد الامتيازات من 18 إلى 85 في أوسع امتيازات منحت لدولة أجنبية في المشرق، حيث اشتملت على إضافة مكافآت مالية للفرنسيين ومنحهم صلاحيات تجارية واسعة في إسطنبول، كما أصبح لفرنسا الحق في السيطرة على كامل التجارة الخارجية للإمبراطورية العثمانية. 
 
 
معاهدة كوجك قينارجه والانقلاب الفرنسي
أوقعت الامتيازات المتوالية العثمانيين أسرى في قبضة الأوروبيين وخاصة فرنسا، التي سهل الأتراك طريق إخضاعها لهم، حيث لم يتحرجوا في تقليد نمط الحياة الفرنسية وطلب العون من الضباط الفرنسيين لتحديث الجيش المتخلف تقنيا، وأصبحت تقارير المسؤولين الفرنسيين عقب كل زيارة إلى الأستانة حافلة بالمعلومات حول ضعف الدولة العثمانية والتنبؤ بقرب انهيارها. 
عقب زيارة أمير البحر الفرنسي دي بوفريمون إلى إزمير في عام 1766 أشار في تقرير سري لحكومته إلى أن السلطان العثماني محمد الرابع "مكروه جدا من رعاياه" وأن الثورات التي ضربت كل مكان في الإمبراطورية تجعل نهايتها قريبة للغاية.
بعد سنوات قليلة من هذه النبوءة، خاض العثمانيون حربا مهلكة في القرم ضد روسيا القيصرية لست سنوات كاملة، فقدوا خلالها الكثير من عدتهم وعتادهم، ثم جرى إجبارهم على توقيع معاهدة صلح مهينة مع الروس عرفت باسم معاهدة "كوجك قينارجه" في عام 1774.
المعاهدة التي دخلها آل عثمان بصفتهم الطرف المنهزم اشتملت على امتيازات واسعة للروس سمح بمقتضاها بإنشاء قنصليات لهم في مختلف الأراضي العثمانية، وإقامة كنيسة أرثوذكسية في إسطنبول يشرف عليها أساقفة روس ويحميها القياصرة، إضافة إلى منحهم حقوقا تجارية كبيرة، والسماح لليونانيين من رعايا الدولة العثمانية برفع العلم الروسي لا العلم العثماني فوق سفنهم في البحار.
كانت تلك التنازلات لا تعني بالنسبة لفرنسا وإنجلترا سوى أن روسيا باتت قريبة للغاية من ابتلاع العالم الإسلامي الخاضع لسيطرة إسطنبول، والاستئثار بكل خيراته، وكان طبيعيا أن تسعى كل منهما للحيلولة دون تمدد النفوذ الروسي، وكانت فرنسا هي الأسبق.
في عام 1776، سافر ضابط فرنسي يدعى فرانسوا بارون دي توت إلى إسطنبول في مهمة رسمية للإشراف على إصلاح حصون البسفور، بينما كانت مهمته الحقيقية التي كلفه بها الملك لويس السادس عشر هي زيارة موانئ الإسكندرية وبيروت ودراسة تجهيزاتها الدفاعية تمهيدا لغزو فرنسا لكل منهما، وقد دخل بارون دي توت إلى الإسكندرية ودون ملاحظاته عن تحصيناتها مشيرا إلى أن المدينة "ضعيفة للغاية" وأن مصر يمكن أن يحتلها 15 ألف جندي فقط.
التقرير الذي كتبه الضابط الفرنسي أودع في خزانة وزارة الخارجية الفرنسية حتى قيام الثورة في فرنسا عام 1789 ولم يتم استخدامه إلا على يد نابليون بونابرت الذي استعان بالخرائط التفصيلية لدي توت لغزو مصر في حملته الشهيرة التي اعتبرت بداية التحول الخشن للسياسة الفرنسية تجاه الدولة العثمانية، ورغم أن الحملة الفرنسية باءت بالفشل والانسحاب في 1801، فإن السهولة التي غزت بها قوات نابليون مصر، والمساعدة الإنجليزية في طرد الفرنسيين، فيما بعد، عبرا بوضوح عن مدى الضعف الذي بلغته الدولة العثمانية إلى الحد الذي سعت من خلاله القوى الغربية إلى اقتسام الأملاك التركية والتصارع عليها.
 
التنظيمات وتضخم الامتيازات الأجنبية 
اتسم القرن التاسع عشر بأنه قرن التنازل الكبير للعثمانيين أمام حلفائهم في غرب أوروبا، فالحاجة إلى تحديث الجيش التركي المتهالك في ظل خزانة مفلسة على الدوام، دفعت السلاطين إلى الاقتراض المتواصل من الأجانب مقابل توقيع فرمانات امتيازات جعلت من الغرب الحاكم الحقيقي للدولة العثمانية. 
في العام 1839، حاول السلطان عبد المجيد الخلاص من وضع دولته المأزوم بتنفيذ حركة إصلاحية واسعة عرفت باسم "التنظيمات" كانت ترمي إلى تحديث بنية الدولة بإلغاء التشريع القديم وتنظيم الإدارة وفق المعايير الأوروبية الحديثة، لكنه مني بانتكاسة لأنه مضى عكس هدفه، فالمساواة التي فرضتها التنظيمات مثلا بين الطوائف الدينية جرأت مسيحيي البلقان على المطالبة بالانفصال، كما أن محاولة العثمانيين الظهور بمظهر "المتفرنجة" لم يسفر إلا عن مزيد من الضغط الأوروبي على إسطنبول.
في عام 1853 خاضت الدولة العثمانية حربا جديدة في القرم ضد روسيا القيصرية، ولما طلبت العون من فرنسا وإنجلترا قدمتا لها نصرا عسكريا زائفا، وفي المقابل حصدت كلتا الدولتين امتيازات جديدة حولت المدن العثمانية مثل إسطنبول وإزمير إلى مستوطنة لرعاياهما، ومرتع للمحافل الماسونية التي حظيت بحصانة ضد التفتيش من شرطة السلطنة. 
في عصر السلطان عبد الحميد الثاني الذي امتد لثلاثة عقود، تأهبت أوروبا لحصد ثمار الامتيازات العثمانية، فقد أصبحت الأقليات الدينية المسيحية في البلقان وفي جبل لبنان تجهر بولائها الكامل لفرنسا أو روسيا، كما أن بريطانيا تمكنت بسهولة من احتلال مصر في عام 1882 مؤسسة لأكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق تربطها بقواعدها في الهند، بينما نجحت فرنسا في فرض حمايتها على تونس في عام 1881 وعملت بجد نحو "فرنسة" المغاربة.
 
 
الامتيازات الألمانية تكتب نهاية آل عثمان
اختارت إسطنبول أن تلقي بنفسها في أحضان حليف غربي جديد في محاولة لمواجهة القوتين الإنجليزية والفرنسية، ووجدت ضالتها في قيصر ألمانيا غليوم الثاني الذي حصل هو الآخر على امتيازات مطلقة من السلطان عبد الحميد الثاني، مكنته من زرع خبراء بروسيا العسكريين في الجيش العثماني، إلى جانب امتياز إنشاء السكك الحديدية في الأناضول وسكة حديد الحجاز تيسيرا لتحركات القوات الألمانية في الشرق ضد القوات الإنجليزية والفرنسية. 
ورغم كل ذلك، فإنه بقيام الحرب العالمية الأولى، اتضح أن التحالف العثماني الألماني كان كارثيا، حيث خسر الطرفان، وسقطت الدولة العثمانية نفسها وأصبحت إسطنبول في قبضة الأجانب،  لتوقع معاهدة سيفر التي أنهى بها الحلفاء الوجود العثماني في البلقان والعالم العربي نهائيا، وأرادوا من خلالها نيل زيادة جديدة في الامتيازات الأجنبية، لكن الرغبة الأوروبية اصطدمت بمصطفى كمال أتاتورك الذي خاض حرب الاستقلال اليونانية التركية وانتصر فيها عام 1922، ما أجبر أوروبا على إعادة التفاوض وتوقيع معاهدة لوزان في عام 1923، التي ألغت كيان الدولة العثمانية رسميا بعد أن ضيعت غالبية الشعوب العربية وألقت بها في نيران الاحتلال الأوروبي قرابة 100 عام أخرى، من باب الفساد والظلم والغطرسة والامتيازات الأجنبية.

Qatalah