يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تثبت الأيام أن كل ما يقوم به رجب إردوغان لا يستهدف من ورائه إلا أطماعه التوسعية فقط، حتى لو كان بالمشاركة في استغلال ملايين من أبناء دمه ودينه والمتاجرة بهم في أسواق النخاسة والسياسة الدولية.
تمثل قضية أقلية الإيغور الصينية شاهد عيان على استغلال إردوغان لقضايا المسلمين بما يحقق مصالحه، وتلاعبه بالأقليات واستخدامهم في حروبه كأدوات يحركها لأغراض مشبوهة، دون اكتراث لعرق أو دين أو حقوق الإنسان، فقد استغل الإيغور الأقلية التي تثير المتاعب للحكومة الصينية، مرتين الأولى لتحقيق مكاسب اقتصادية مع بكين، والثانية عندما استخدم مقاتلي الإيغور لتحقيق أطماعه في سورية.
"الإيغور" مجموعة من السكان المسلمين في الصين يتحدثون اللغة التركية ويواجهون اضطهادا في بعض الأحيان من قبل السلطات الصينية، فهم يمثلون أغلبية سكان إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، وكانوا يقدرون حتى سنوات قريبة بنحو 50% من سكان الإقليم، بعض أبناء الأقلية انخرطوا في نشاطات تخريبية بعدما انضموا إلى تنظيم داعش في سورية والعراق.
 

ألاعيب السلطان
في تقرير لموقع "بيزنس إنسايدر" الأميركي بعنوان "لماذا يصمت المسلمون عن اضطهاد الإيغور"، قال إن إردوغان تحدث عن الإيغور في عام 2009 ثم صمت لمدة طويلة، ثم عاود الكرة في 2015 وقال إنه سيفتح بلاده للإيغور، لكنه انقلب تماما عليهم.

أكد الموقع أن هناك صفقة تجارية بذل إردوغان مجهودا ليصل إليها مع الصين لمساعدته في أزمته الاقتصادية الحالية، كان أحد أهم بنودها أن تساعد تركيا الصين في التخلص من قضية الإيغور، على أن لا تتحدث أنقرة عن تعرضهم لاضطهاد مرة أخرى.
 

يتاجر بأبناء عرقه
لا تكاد تخفت قضية الإيغور حتى يعيد إردوغان فتحها على فترات، بينما لا يطيل خطابه عن اضطهاد تلك الأقلية المسلمة كثيرا، إذ يفتح هذا الملف لفترة قصيرة بهدف التربح ثم سرعان ما يغلقه مرة أخرى، مثل أي تاجر فى لحوم البشر.

 
في العام 2009 شن إردوغان حملة في وسائل إعلامه وعبر خطاباته وتصريحات مسؤولي حزبه "العدالة والتنمية" عنوانها "رفع الاضطهاد عن الإيغور"، حسب شبكة "سي إن إن"، لكنه ما لبث أن تراجع وتجاهل القضية وكأنه لم يكن هناك اضطهاد ولا مضايقات يتعرض لها الإيغور من الأساس، ليس لأن الصين رفعت يدها عن أهالي إقليم شينجيانغ المسلمين، بل لأن إردوغان حصل على المقابل الذي كان يريده من البداية عبر المتاجرة بهذه الأقلية.
ووفق "بي بي سي" تجددت صفحة في العلاقات التجارية بين الصين وتركيا، بعد زيارة وفد برئاسة وين جيابلو رئيس وزراء الصين إلى أنقرة في أكتوبر 2010، ليتضح أن تحسين الميزان التجاري بين البلدين وبعض المزايا الاستثمارية الأخرى كان المقابل الذي أراده إردوغان ليصمت عن الأمر لأعوام تالية، إذ تم توقيع عقود تجارية والاتفاق على تعاون اقتصادي خلال 5 سنوات بمبالغ تصل إلى 50 مليار دولار سنويا حتى عام 2015.
بعد انتهاء سنوات التعاون الاقتصادي عام 2015، عادت تجارة إردوغان بالإيغور إذ أصدرت تركيا بيانا رسميا تعهدت فيه بأن تكون أبوابها مفتوحة أمام المهاجرين الإيغور.
تحدثت تركيا في البيان عن قيود تفرض على الإيغور قالت إن السلطات الصينية تمارسها خلال شهر رمضان، فخرجت وزارة الخارجية الصينية وزعمت أن الإيغور يعاملون وفق الدستور، وأنهم لا يواجهون اضطهادا، وأن هذا الكلام من قبل أنقرة يجعل العلاقات مع تركيا تواجه مشكلة، أعقب ذلك تحول كامل لموقف إردوغان وحكومته التي باتت - فجأة - تصف الإيغور بالإرهابيين.
الوصف التركي الجديد للإيغور المضطهدين في بلادهم لعقود، جاء على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في أعقاب مباحثات مع نظيره الصيني وعدد من المسؤولين الصينيين، خلال زيارته إلى بكين عام 2017، إذ قال إن حكومته ستتعامل مع التهديدات ضد الأمن في الصين على أنها تهديدات ضد أنقرة، ولن تسمح بأية أنشطة مناهضة للصين داخل تركيا. بل وأثنى على اضطهاد السلطات الصينية للإيغوريين وتهجيرهم من وظائفهم وحياتهم، وتكديسهم في معتقلات تعذبهم لتفرض عليهم حياة وأفكارا لا يقبلونها، قائلا في سياق حديثه عن مكافحة الإرهابيين الذين تضع الصين الإيغوريين على رأسهم "تركيا تقدر تمامًا جميع الإجراءات التي تتخذها الصين". 
 

سلاح في الحرب السورية
وجد إردوغان مكسبا آخر من الأقلية الإيغورية يتمثل في المتشددين الذين ألحقهم بتنظيمات إرهابية مختلفة في سورية، وساعد على نقل أكثرهم إلى الحزب الإسلامي التركستاني منذ نحو 6 أعوام، كما أصبحوا قوة رئيسة في تنظيم داعش الإرهابي، إلى حد أصدر التنظيم في فبراير 2017 مقطع فيديو يهدد عبره الصين، وظهر فيه  أطفال من الإيغور يتدربون في صفوف التنظيم الإرهابي.

وردت السلطات الصينية على ذلك بالإعراب عن قلقها الشديد، مستغلة ذلك لتبرير احتجازها ملايين الإيغوريين بأن كثيرا منهم انضموا للتنظيمات الإرهابية في الخارج، في حين ذكرت مصادر سورية أن عدد المقاتلين الإيغور هناك وصل إلى ما يقرب من 600 مقاتل.


وتحدثت وسائل إعلام  سورية كثيرة عن تواجد مسلحين كثيرين من الإيغور وسط الحركات المسلحة في البلاد، ووثقت شهادات لسكان محليين يرون تزايدا في أعداد المقاتلين الإيغور بين الإرهابيين، مؤكدين أنهم ما بين 16 إلى 20 ألفا.
وقال السفير السوري في الصين، خلال تصريحات صحافية عام 2017، إن عدد المقاتلين الإيغور الموجودين في سورية يقدر بما لا يقل عن 4 آلاف مقاتل، بينما ذهبت وسائل إعلام أخرى إلى أن إردوغان يوطن الإيغوريين على الحدود بين تركيا وسورية، وأنهم يأتون إلى هناك حاملين الأموال لشراء المنازل، وروى المعارض السوري ماهر شرف الدين، وفق مواقع سورية، أن نحو ستين بيتا في جبل السماق يسكنها مهاجرون قادمون من الإيغور.
الحزب الإسلامي التركستاني المكون من الإيغور يستخدمه إردوغان أيضا في معاركه داخل سورية، بعدما حشد فيه المقاتلين الإيغور في عام 2012 - وكانوا من قبل متفرقين على تنظيمات داعش وجبهة النصرة ومجموعات أخرى، كأحد التنظيمات الممولة والمدربة من المخابرات التركية لتيسير توغل القوات التركية في سورية، وتنفيذ مخططات إردوغان الشيطانية.
 

قنبلة موقوتة
قد يصبح الإيغور قنبلة موقوتة تنفجر في وجه إردوغان، إذ يقدر عددهم في تركيا بـ300 ألف، ما يجعلهم بمثابة خطر كبير بعد اكتشافهم تلاعب إردوغان بمصائرهم، وقتل المئات من أبنائهم في الحرب السورية بما يخدم مصالح إردوغان وتحالفاته، وابتزاز الصين بهم.

كما أن المقاتلين الإيغور الذين يتزايد عددهم مع مرور الأيام فور انتهاء الحرب لن يجدوا سوى العودة إلى تركيا طريقا، وعندها يتكدس الإرهابيون في بيت سلطان أنقرة باحثين عن الحلم الذي أوهمهم به، ومطالبين بحصص الأموال التي كان يغدقها عليهم.
محاولة توطين الإيغور في سورية لتغيير الهوية العربية للبلدات أيضا مرشحة للفشل مع اكتشاف الأمر من الأهالي - الذي عبروا عن غضبهم حيال ذلك - كما أن حكومة دمشق التي باتت تسيطر مع مرور  الأيام على مناطق كثيرة محررة من سورية لن تقبل هذا التوطين، بينما تتزايد فرص ارتداد القنبلة الإيغورية في صدر إردوغان، في وقت يعاني اقتصاده من أزمة لم تمر على تركيا منذ عشرات السنين.

Qatalah