يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


10 أكتوبر 2018 الاتحاد الإسلامي التركي يعزل المسلمين عن المجتمع الألماني

قال إردوغان "يجب علينا أن نناضل من أجل تحويل مسجد كولونيا المركزي وكليته التابع للاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية إلى مركز يليق بها. يجب أن يكون هذا المكان رمزًا لوجودنا في هذه الأراضي، ومقاومة لمن يحاولون إظهارنا وكأننا الآخر والعدو بالنسبة لأوروبا".
 

وخلال زيارة إردوغان لألمانيا وقعت حادثة لم يتم الانتباه إليها في تركيا، ولكنها كانت مدار حديث طويل في ألمانيا. استمرت هذه الواقعة بضع ساعات في كولونيا، وكشفت تمامًا عن الطبيعة الحرجة والإشكاليات الموجودة في العلاقات الألمانية التركية.
 

ففي كولونيا التي ذهب إليها إردوغان من أجل افتتاح المسجد المركزي هناك، والذي استمر إنشاؤه سنوات طويلة، تبين كم أن إردوغان والاتحاد الإسلامي التركي المرتبط برئاسة الشؤون الدينية التركية منعزلان في ألمانيا، وبعيدان عن واقعها وحقائقها.
 

وكانت لحظة قَصِّ الشريط تبدو وكأنها صورة توثق لتلك الوحدة والعزلة؛ إذ لم يكن في الصورة التي ظهر فيها إردوغان وقرينته، وممثلو الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية ووزير الخارجية التركي ولو حتى مواطن كولونيٌّ واحد، أو ممثل ألماني عن الولاية، أو حتى رجل دين ألماني محترم.
 

وكما أن آرمين لاشيت رئيس وزراء الولاية الذي استقبل إردوغان لدى وصوله في مطار بون في كولونيا لم يحضر مراسم الافتتاح، لم يشارك فيها أيضًا رئيس بلدية كولونيا ولا أي ممثل سياسي عن المدينة أصلًا.
 

وكان الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية قد شكل لجنة تتكون من الشخصيات البارزة في المدينة والسياسيين الداعمين لإنشاء المسجد.
 

وكان فريتز شراما رئيس البلدية يعلن عبر الصحافة الألمانية أنه لم يتلقَ دعوة قائلًا "اليوم أيضًا نظرت إلى صندوق البريد، لم يكن هناك شيء.".

(فرانكفورت العامة 27/09/2018)

أليس من العجيب أن يصمد الرجل أمام جميع الحملات المعادية كرئيس بلدية مدة 10 سنوات من أجل إنشاء المسجد في كولونيا، ويكون عضوًا في لجنة دعم المسجد هناك، ثم لا يتلقى دعوة لحضور مراسم الافتتاح!
 

أعتقد أنه ليست هناك حاجة للتعليق على هذا الحد من قلة الذوق، واللامبالاة أو الإهمال. ولنا أن نقول إنها ثقافة إردوغان وحزب العدالة والتنمية.
 

أستطيع أن أوضح لكم كيف أمكن حدوث هذا "الإهمال" في مثلث القصر ورئاسة الشؤون الدينية ووزارة الخارجية، ولكن دعونا نمضي قدمًا...
 

ليس السياسيون فحسب، ولكن الزعماء الدينيين في مدينة كولونيا ذات التقاليد الكاثوليكية، والتي فيها واحدة من أعرق وأعظم الكاتدرائيات في ألمانيا قرروا الابتعاد عن مراسم افتتاح المسجد؛ أحد دور العبادة.
 

وقد قاطعت المنظمات الاجتماعية الأخرى أيضًا مراسم الافتتاح، وكأنها كانت توثق لمدى العزلة التي يعيشها الاتحاد الإسلامي التركي في ألمانيا.
 

وهناك شيء آخر محزن للغاية:

إن المسجد المركزي في كولونيا اللافت للانتباه بعمارته المثيرة للاهتمام والجذابة والشيقة أصبح عملًا فنيًّا يمكننا أن نعتبره إجابة سياسية لمهندس معماري في باب الرد على الدوائر المعارضة لبناء دار العبادة هذا. لقد ربحت كولونيا أثرًا معماريًا بعيد إلى حد كبير عن الجو الذي نعيشه في النسخ التقليدية لمسجد السلطان أحمد والتي تضع في مركزها القبة الرئيسة المستخدمة في عمارة المساجد العثمانية.
 

كما لم يشارك في هذا الافتتاح بيتر بوم المهندس المعماري الذي صمم هذا الأثر الذي يعتبر رؤية معمارية حديثة بفضل عمارته وقبته ومنارته.

وهذا أمر غريب، أليس كذلك؟
 

إن الحفل الذي خاطب فيه إردوغان الحاضرين والبالغ عددهم مِئتي فردٍ جاء معظمهم من أنقرة في الغالب، لم يذهب بعيدًا أكثر من أنه حول افتتاح المسجد إلى عرض سياسي محزن، وجعل المغزى من افتتاح المسجد عرضة للنقاش والجدل.
 

ووفقًا لصحيفة فرانكفورت ألغماينه التي تطرقت للموضوع في 29/9/2018 فقد استغل إردوغان الافتتاح ليؤكد أنه "زعيم المسلمين جميعًا".
 

وقد دافعت الصحيفة عن أن هذه الرسالة السياسية التي نُقلت إلى أوروبا كافة باستخدام "تحية الإخوان المسلمين" لم تعنِ شيئًا سوى "إنني أنا ممثل الإسلام السياسي المتشدد."، وكتبت أنه لا يمكن أن يتم بسهولة إصلاح الجرة التي انكسرت في كولونيا.
 

وبسبب إردوغان لم تعد المساجد دورًا للعبادة؛ بل أصبحت منصات ومنابر سياسية.
 

وهذا الافتتاح الذي كان من الممكن أن يصبح حظًا جديدًا بالنسبة للمسلمين في ألمانيا أصبح مشكلة بالمعنى الكامل. ولست أدري إن كان الاتحاد الإسلامي التركي مدركًا هذا أم لا، ولكنه لم يكتف بخسارته أصدقاءه في كولونيا وفي غيرها، بل ساعد - دون أن يدري- الدوائر المعارضة للمسلمين والمناهضة لبناء المساجد في ألمانيا.
 

وهناك أكثر من 5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا منذ عقود، وما زال هؤلاء الناس يلتقون في أقبية تم تحويلها إلى مساجد.
 

ولم يقف الأمر عند مجرد نبذ هذه السياسات في كولونيا، والتي تناضل منذ سنوات من أجل التغلب على هذه الحقيقة العنصرية المزعجة، والممتدة من الديمقراطيين المسيحيين وحتى حزب الخضر، فقد تعرضوا لــ"هزيمة" كبيرة أيضًا. لم تعد أعمالهم سهلة. كونوا على يقين من أنهم سوف يُسألون “هل تعملون لصالح إردوغان؟”.
 

ربما لا تكون هذه الحقيقة مهمة بالنسبة لإردوغان، ولكنها تتمتع بأهمية مصيرية بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في ألمانيا، والمنخرطين في المجتمع الألماني، والذين تتأثر مؤسساتهم تمامًا من التحولات الاجتماعية والسياسية.
 

وكما أن الاتحاد الإسلامي التركي الجمعية الألمانية ليست على بينة من هذه الحقيقة، فقد شاهدنا أيضًا كما أنها تفتقر إلى البنية والوعي اللازمين من أجل المهمة التي تصدت لها.
 

هل تعرفون لماذا أوجه النقد إلى الاتحاد الإسلامي التركي وليس إلى أنقرة ورئاسة الشؤون الدينية التركية وأنقرة؟
 

لأننا نعلم أن إردوغان استخدم كل الوسائل لأغراضه السياسية ولم يهتم بالعواقب كما رأينا في حادثة أوزيل.
 

إننا لا نعيش في ألمانيا. علاوة على أننا نعلم أن سياستها في السنوات الأخيرة لم تقم على الاستيعاب والتبني، وإنما على الاستقطاب.
 

وبالرغم من أن عدم معرفة رئاسة الشؤون الدينية ووزارة الخارجية التركيتين في أنقرة لواقع ألمانيا وأوروبا خطأ لا يُغتفر، ربما أنهما لم يعترضا ولم يتكلما لأنهما واقعتان تحت ضغط من إردوغان.
 

ولكن الاتحاد الإسلامي التركي ليس مقره في أنقرة، إنه مؤسسة ألمانية تمثل الملايين الذين يعيشون في كولونيا، وفي برلين وفي غيرهما من المناطق. أو أنها تدفع عن زعمها ذلك.
 

لكنه لو نظر كيف تصور الرأي العام الألماني صورة إردوغان مع أوزيل لربما أمكنه أن يتوقع نتائج قيام إردوغان بافتتاح المسجد.
 

إردوغان لم يعد سياسيًا مكروهًا في ألمانيا فحسب، بل وفي أوروبا كلها. وهو شخصيًا يعرف هذا. لم يتم التفكير في افتتاح يلتقي فيه رئيس الشؤون الدينية، ورجال الدين الكاثوليك والبروتستانت واليهود، فلماذا تم تحويل هذا الافتتاح إلى مراسم إردوغانية سياسية، بصراحة إنني لا أفهم سبب ذلك. ألم يعد هناك ممثل آخر في تركيا سوى إردوغان؟
 

ومع افتتاح مسجد كولونيا المركزي لم يقف الأمر عند مجرد توثيق أن الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية ليس جمعية ألمانية، بل كشف أنه كان مجرد هيكل ووعي ساهم في عزلة المسلمين في أوروبا.
 

أصبح من المستحيل أن يستطيع الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية تحقيق أهدافه أساسًا ما لم يتخلص من "ممثليه" الذين يبدون كالنواب، ويراجع من جديد علاقته برئاسة الشؤون الدينية التركية.
 

بعد هذا الافتتاح أصبح صعبًا للغاية عمل الديمقراطيين المناضلين ضد معاداة الأجانب والمسلمين واليهود في أوروبا، وضد الحركات المعادية للمسلمين مثل منظمة وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب (PEGİDA).
 

وأظن أننا أدركنا ضرورة النظر عن قرب أكثر إلى من يتكاتفون معنا، بينما نواصل الكفاح من أجل جمع أجزاء الجرة التي انكسرت في كولونيا، وتمكين المدن الأخرى هناك من امتلاك مساجد شبيهة بالمسجد المركزي في كولونيا.
 

نحن فهمنا، ولكنني لست واثقًا إن كان الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية قد فهم أنه لن يستطيع التواصل مع أحد في أوروبا دون التخلي عن شرط إردوغان الأساسي.
 

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

 

Qatalah