يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"دمروا مئات المعالم التاريخية، سرقوا كنوزنا الثقافية.. حولوا كنائسنا إلى معسكرات وحظائر للخيول".. صرخة أطلقتها لجنة بلديات قبرص ضد جرائم المغول الجدد في الجزيرة، التي تعاني التقسيم منذ احتلتها جيوش تركيا عام 1974، وسجلتها فى تقرير بعنوان "نهبوا تراثنا الثقافي والديني".

الحقائق التى تناولها التقرير كانت مفزعة، وعكست همجية الأتراك من واقع سجلات وزارة الآثار والداخلية القبرصية، فبعد فترة وجيزة من الغزو نهب الجنود 550 كنيسة، فضلا عن تخريب الأديرة اليونانية، ضمن خطة لطمس هوية الجزيرة وهدم معالمها نهائيا، والذي نجا من الهدم تم تحويله إلى مساجد ومعسكرات للجيش، ومستودعات للذخائر، وحظائر للخيول. 
وشكا التقرير الذى صدر فى يوليو 2014، ونشرته صحيفة سيجما لايف اليونانية، من أن سلطات الاحتلال تحول دون وصول القبارصة إلى الأماكن المنهوبة لرصد حالتها ومعالجة ما لحق بها من آثار تخريب تركي.

إرث كنسي
20 ألف قطعة أثرية تم نهبها من الأديرة والكنائس، ووفقاً لتقديرات الشرطة القبرصية تم تهريب أكثر من 60 ألف قطعة ولوحة فنية تاريخية إلى دول أوروبية عبر مسؤولين أتراك، وأوضح التقرير أن اللجنة رصدت ذلك العدد بعد تكرر عمليات طرح قطع مهربة في مزادات علنية للبيع فى مختلف أنحاء أوروبا.
 
عدوانية الأتراك لم تقتصر على ممتلكات الكنائس الأرثوذكسية، وامتدت لتدمير وسرقة آثار تابعة لبطريركية القدس والأرمن والموارنة واللاتين، ويعد دير الأرمن سورب ماغار في بلدة خالفكا ودير المارونية النبي إلياس في سكيلورا، خير شاهدين على ذلك.

المعلومات تفيد بأن جميع الآثار التي كانت معروضة في المتاحف بالجزء المحتل، فضلا عما كان بمخازن البعثات الأجنبية، وجدت طريقها إلى الخارج، إلى جانب ما تعمد الأتراك تعريضه للتلف بتركه لعوامل التعرية. وتعلق اللجنة قائلة "معالم من العصر البرونزي، وتحديدا موقع أنغمومي، ترك لعوامل الطبيعة والبيئة حتى تآكل بشكل شبه تام، الأتراك يمنعونا من إجراء أي عمليات ترميم، إنها كارثة".

بعثات للسرقة 
عمليات التنقيب عن الآثار نشطت فور أن وطأت أقدام جنود تركيا الجزيرة، بحثا عن الكنوز لبيعها لهواة اقتناء التحف، وخاصة فى موقع سلاميس الذى يشهد عمليات تنقيب مستمرة، تشرف عليها جامعة أنقرة، منذ العام 1999، فيما وصفه التقرير بأنه "ممارسات غير أخلاقية، لا تبعث على الاحترام، خاصة أنها تأتي من قبل جهة علمية أكاديمية".

ولفت التقرير إلى المادة السادسة (32) من توصيات المنظمة الأممية المتحدة للثقافة والعلوم "اليونسكو"، المتعلقة بالحفريات في المناطق المحتلة، وتنص بوضوح على أن "يتم تجنب عمليات التنقيب الأثري في الأراضي المحتلة، و في حالة الاكتشافات التى تقع بمحض الصدفة، فإنه يجب على سلطة الاحتلال اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحمايتها، وتسليمها بعد وقف الأعمال العدائية إلى السلطات المختصة في الاقليم سابق الحيازة".
"لقد ظهر تورطها جليا في الاتجار غير المشروع بآثار المنطقة القبرصية المحتلة، وتهريبها الى الخارج، بعد إدخالها معسكرات تتبع الجيش التركي، مثلما حدث في اللوحات الجدارية للقديس ايفيميانوس في منطقة ليسيس".

"إنهم أسوأ من أوغاد"
مضى التقرير فى استعراض أشهر حالات التخريب التركية لآثار الجزيرة، وعلى رأسها إزالة فسيفساء كاناكاريا، تحفة القرن السادس النادرة، وبيعها لمهربين آثار، وبعد اكتشاف الواقعة حركت الحكومة القبرصية دعوى قضائية عام 1989 في محكمة مقاطعة انديانابوليس في الولايات المتحدة، لاستعادة القطعة الفنية.
المحكمة الأمريكية التى نظرت الدعوى برئاسة القاضي الأميركي باور أصدرت حكما تاريخيا دان جرائم تركيا فى قبرص وقال فى حيثيات الحكم "يحاولون جني مكاسب شخصية على حساب هذه الخسارة الجماعية.. لقد نهبوا الكنائس والآثار في قبرص التي مزقتها الحرب، ولم يكتفوا بذلك فحملوا حطامها وهربوها وباعوها بمبالغ كبيرة، إنهم حقا أكثر جرماً وأسوأ من أوغاد".

بيادات غليظة
ما حدث تجاه المستوطنة التاريخية "رأس أبوستولوس أندرياس" في مقاطعة ريزوكارباسو المحتلة، عام 2005، يعكس مثالا آخر لمدى ما وصلت إليه عدوانية الأتراك تجاه التاريخ والحضارة القبرصية، فقد حولوا المنطقة الأثرية بالكامل إلى ثكنات للجنود يدوسونها ببياداتهم الغليظة. 
منطقة القديس أندرياس، يعود اسمها للتقاليد الذي يقول إن القديس أندرياس نزل هناك، وقد تم تدميرها بالكامل  يظهر عدم الاحترام المطلق من قبل تركيا للتراث الثقافي لقبرص، ويذكر شهود عيان كيف قامت جرافة تتبع جيش الاحتلال بدك المدينة، لوضع قاعدتين لتركيب علم تركي وإقامة معسكرات.

رغم التخريب والنهب المنظم، نجحت قبرص فى استعادة بعض القطع الأخرى، ومنها فسيفساء للقديس مرقس تعود للقرن السادس الميلادي من شقة في إمارة موناكو الفرنسية، تبين أن الجنود الأتراك سرقوها  من إحدى كنائس الشطر الشمالي عقب الغزو.
 إنديانا جونز الفن أو الخبير الهولندي أرثر براند الذى عثر على التحفة بعد أربعة عقود على سرقتها، قال إنها "أحد أجمل أمثلة الفن من العصر البيزنطي المبكر"، وأوضح أنه انتابه شعور خاص عندما عثر على القطعة الفنية، التي يبلغ عمرها أكثر من 1600 عام، في شقة في موناكو قبل أن يسلمها إلى السفارة القبرصية في لاهاي.

شاهد إثبات
رصد معهد جيتستون الأمريكي في تقرير بعنوان "تركيا تمحو الثقافة المسيحية في قبرص المحتلة" وقائع النهب المنظمة من الاحتلال، كما شارك مكتبة الكونجرس الأميركية، في حملة الإدانة الدولية لجرائم أنقرة فى الجزيرة، وأصدرت تقريرا عام 2015 جاء فيه أن "السلطات التركية أجبرِت الفرق الأثرية الأجنبية التي شاركت في عمليات التنقيب على وقف عملها بعد الغزو، ونهبت استكشافاتها القيمة، ولم تمكنها من العودة واستئناف العمل".

الجدير بالذكر، أن تركيا، تعمل منذ احتلالها الجزء الشمالي من قبرص، على تغيير تركيبتها السكانية وتدمير آثارها اليونانية القديمة، ويدفعه كره الاختلاف وعداؤه المفرط للفنون إلى تحويل دور العبادة التاريخية في الجزيرة إلى معسكرات للجنود.

Qatalah