يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العثمانيون اشتهروا بهوس الجاه والسلطة، حتى لو كانت مجرد حبر على ورق، لجأوا طوال حكمهم الممتد لأكثر من 6 قرون إلى إغراء خصومهم الأشداء بالألقاب لوأد محاولات الاستقلال، وفضلوا شراء السيادة الاسمية بالمال على انتزاعها بالقوة.

السلطنة عجزت عن تحريك جيوشها الهزيلة لإخضاع حلب وبغداد والحجاز واليمن وبلغاريا، وفضلت الجلوس على موائد المفاوضات للمساومة على التبعية الصورية للسلطان والقبول بالجزية المتقطعة مقابل منح الباشوية والخلعة لخصومها الأقوياء.

خلعة وباشوية
السلطنة لم تستطع بسط نفوذها إلا في فترات قصيرة، بينما كانت السلطة موزعة بين الولاة والزعامات المحلية، فيما لجأت الصدارة العظمى استرضاء للسلطان إلى سياسة إغراء الزعامات القوية لمنع مطالبهم الاستقلالية.

السلطان دفع رواتب فلكية وخلع على الزعماء الألقاب والرتب مقابل ضمان السيادة الصورية للدولة، وعندما نزعت بعض الأسر إلى الاستقلال عن سيادة السلطنة هرع الباب العالي لاسترضائها دون اللجوء إلى خيار الحرب.

على مدار 6 قرون، وصل إلى الحكم مئات الولاة بالقوة، ورضخت السلطنة لإرادتهم، فكانت ترسل الخلعة وتمنح الألقاب والشرعية وترضى بما يخصصه الوالي من قيمة للمال الميري، مقابل فقط السيادة الاسمية.

السلطنة باعت منصب الوالي في العديد من إيالاتها، تركت للمشتري حرية انتزاع الولاية من سلفه، وفي أحيان كثيرة كان الولاة المعزولون يرفضون تنفيذ أوامر إسطنبول، ويتمسكون بالبقاء، بل ويطردون الوالي الجديد.

اندلعت العديد من الصراعات على الولاية في ظل حكم العثمانيين، وكان السلطان يتابع التطورات من قصره في إسطنبول، دون أن يتدخل بجيش أو حتى بكلمة، ليضطر في الأخير إلى التسليم وتعيين الولاة المنتصرين.

بازوند أوغلي
تمرد والي دين (بلغاريا حاليا) عثمان باشا الملقب بـ"بازوند أوغلي" على السلطنة عام 1796، وانضم إليه الكثير من أهالي الصرب، ونجح في إنزال هزائم متالية على جيوش السلطان في العديد من المعارك.

السلطان أرسل الصدر الأعظم كوجك حسين باشا على رأس جيش لإنهاء تمرده، فرجع بخفي حنين يجر ذيول الخيبة، وخشي السلطان أن يتبنى أوغلي الأفكار القومية الرائجة بين شعوب البلقان والاستقلال.

السلطنة قبلت بالأمر الواقع، واعترفت بتفوق خصمها، فقررت إغراءه بعد فشل خيار الحرب، ووقعت معاهدة صلح عام 1797، قضت بتعيينه واليا طوال حياته، مقابل الاعتراف الصوري بالسيادة العثمانية.

باشا جنبلاطي
عشيرة جنبلاط أو الجانبولاد الكردية أقامت في منطقة كلز بنطاق مدينة حلب السورية، وأسندت إليها السلطنة حكم المنطقة وما حولها منذ عام 1572، مقابل الاشتراك في حروبها ودفع الضرائب.

الوالي حسين باشا جنبلاط طهر حلب من فساد الإنكشارية، وكافأه الصدر الأعظم بالقتل غدرا عام 1606، فقررت عشيرته بقيادة ابن أخيه علي باشا جنبلاط الثأر من السلطنة بقوة 10 آلاف جندي.

العشيرة الكردية امتنعت عن إرسال الضرائب إلى إسطنبول، فبعث السلطان واليا جديدا إلى المدينة يدعى حسين باشا وأمره باحتلالها، لكن العشيرة قضت عليه، ومن ثم دان لها شمال الشام بالكامل.

السلطنة عجزت أمام علي باشا وعشيرته، وأيقنت فشل خيار الحرب، فلجأت إلى خيار الاسترضاء، وأصدرت فرمانا بالعفو عن حسين باشا وتعيينه واليا على حلب، لكنه تمسك بالثأر من قتلة عمه.

حسين باشا ظل لمدة عامين سيدا بلا منازع على جنوب الأناضول والشام، روى غليله من العثمانيين بقتل الآلاف منهم، ولم تتمكن السلطنة منه إلا بجيش جرار قوامه 300 ألف عسكري.

حاكم اليمن
خضعت شبه الجزيرة العربية للحكم المصري في عهد محمد علي باشا حتى انسحب الجيش المصري بعد معاهدة لندن عام 1840، وتدخل القوى الأوروبية لنصرة السلطان على جيش مصر.

القوات المصرية انسحبت من شبه جزيرة العرب وسلمت الحكم إلى الزعماء المحليين، فذهب حكم المخلاف السليماني (جازان) إلى الحسين بن حيدر، وخشيت السلطنة من استقلاله بالحكم.

السلطنة سعت إلى منع تحالفه مع الأئمة الزيديين حكام اليمن لضمان سيادتها على المخلاف التي تتمتع بموقع استراتيجي على طريق الحج، لكنها لم تلجأ إلى القوة التي كانت تفتقر إليها آنذاك.

السلطان الهزيل عبدالمجيد فضل استرضاء الحسين بن حيدر، وعقد معه صفقة تمنحه الباشوية والخلعة مقابل فقط الاعتراف بالسيادة الاسمية للدولة العثمانية والدعاء لها في خطبة الجمعة.

الصفقة جرت عام 1843، وصار اسم حاكم المخلاف "حسين باشا حاكم اليمن"، وظلت السيادة الاسمية للسلطان حتى ظهور الدعوة الإدريسية التي أنزلت الهزيمة بالسلطنة وأسست إمارة مستقلة.

مماليك بغداد
العراق صار فريسة ثلة من المماليك، حكمته وورثته نحو قرن منذ عام 1749 حتى 1831 برضى سلاطين الدولة العثمانية الذين قبضوا الثمن في شكل جزية سنوية ورشى وهدايا.

بلاد الرافدين ظلت خارج سيادة السلطان الذي اضطر للقبول بالأمر الواقع وفضل السيادة الاسمية مع قليل من الجزية المتقطعة على وقوع البلد بالكامل في قبضة الصفويين، فقرر استرضاء المماليك.

المماليك حكموا منذ عهد سليمان باشا الكبير الذي كان مملوكا عند أحمد باشا، وبعد وفاته سلب المماليك الحكم بالقوة عام 1749، بعد الهجوم على السرايا وقتل الإنكشارية وإحكام السيطرة على بغداد.

أمام قوة المماليك، أزاحت السلطنة خيار الحرب وفضلت استرضاء الطرف الأقوى، وصدر فرمان الباشوية لسليمان، فصار المملوك باشا، وحصل على الولاية مدى الحياة مقابل السيادة الاسمية لآل عثمان.

السلطان لم يستطع عزل سليمان باشا طوال فترة حكمه التي استمرت 13 عاما، وبعد وفاته ورث المماليك الحكم جيلا فجيلا، واقتصرت سيادة السلطنة على خطبة الجمعة وإصدار الفرمانات ومنح الألقاب.

ولاية نجد
بعد العودة المظفرة للأمير عبدالعزيز بن سعود إلى الرياض واستعادة نجد من الحكام الموالين للعثمانيين، بدأ الأمير توحيد شبه الجزيرة العربية، فضم الإحساء عام 1913 بعد طرد العثمانيين.

السلطنة وجدت نفسها في مأزق شديد، فلا هي قادرة على التصدي للقوات السعودية، ولا بإمكانها الانسحاب وترك شبه جزيرة العرب، فحاولوا استرضاء الأمير مقابل السيادة الصورية.

إسطنبول أرسلت وفدا برئاسة العراقي السيد طالب النقيب والسيد عمر المارديني أحد مرافقي السلطان محمد رشاد للتفاوض مع الأمير الطموح لحل مشكلة الأحساء وحسم العلاقة مع الدولة العثمانية.

الأمير قبل بالتفاوض مع السلطنة، وقدم العثمانيون تنازلات عديدة مقابل الحفاظ على السيادة الاسمية، مثل الاعتراف بابن سعود واليا على نجد ومتصرفا على الأحساء، ومنحه حق تكوين جيش.

ابن سعود قبل بالمعاهدة لقطع الطريق على بريطانيا التي كانت ترغب في الحصول على تنازل من السلطنة عن الأحساء، لكن إسطنبول كعادتها لم تلتزم بالمعاهدة ودعمت حاكم حائل ضد الأمير.

المصادر :

1 - سعدية سعيد البيشي: الحملة العثمانية على حضرموت
2 - كامل بن مصطفى الحلبي: نهر الذهب في تاريخ حلب
4 - محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية

Qatalah