يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بيد تأخذ البقشيش وأخرى تعطيه تحول السلطان العثماني وكبار رجال دولته إلى رشاة ومرتشين في آن واحد، أصبحت الوظائف في بلاط القصر لمن يدفع أكثر، وبات العرش في آمان طالما كان الجالس عليه يمنح الأموال لجنود الجيش ويخلع الرتب العسكرية على قادة الإنكشارية، حتى غرقت الدولة العثمانية في الوحل، لدرجة أن العامة كانوا يشترون حياتهم بالأموال في الوقت الذي عرف فيه السيف طريقه إلى رقاب من لا يجدون ما يقدمونه لمحصلي الضرائب.

رشاوى ديبلوماسية
أول وأقدم أشكال الرشوة في التاريخ العثماني تمثلت في الهدايا الديبلوماسية التي قدمتها إمارة البندقية من خلال مبعوثيها إلى السلاطين العثمانيين منذ القرن الرابع عشر الميلادي تحت اسم "الدوجي"، وفقا لـ ماريا بيا بيداني في كتابها " البندقية بوابة الشرق".
والدوجي عبارة عن رشوة في مقابل خدمة محددة، ففي عام 1364 أرسلت الإمارة بعض الكلاب إلى السلطان مراد الأول الذي كان يهوى اقتناءها، وفي 1382 اشترت 8 كلاب جديدة له إضافة إلى كوبين من الفضة وفراء بأزرار من اللؤلؤ وقطعتي قماش مذهب وسبعة أردية باللون القرمزي، ومعها طلب بالإفراج عن بعض السجناء البنادقة. 

ظهور الرشوة
في عام 1407 أهديت أحذية إلى بعض كبار المسؤولين العثمانيين، بينما تتحدث وثيقة تعود إلى 1408 عن هدية من الصابون والحلويات، وشهد عام 1408 أول ظهور لمفهوم "البقشيش" وفقا لـ"بيا بيداني"، عندما حمل "بيترو زينو" المبعوث البندقي إلى الشرق ألفا وخمسمائة دوقية لاستخدامها حسب سلطته التقديرية في إفساد المسؤولين العثمانيين ورشوتهم.
الهدايا العينية اعتبرت أيضا بقشيشًا، وأهمها الأقمشة الثمينة، ففي عام 1423 جرى تسليم السلطان مراد الثاني 16 ذراعًا من الديباج الذهبي والنسيج القرمزي وقطعة قماش زرقاء من فلورنسا، وفراء حيوان الخلد من فلورنسا وقطعة قماش حمراء فاقعة اللون من فيرونا. 
كانت تلك الهدايا على سبيل الرشوة لتخفيف حدة الصراع على سالونيك بين السلطان وقوات البندقية، ورغم ذلك أمر مراد بالقبض على نيقولو زورتسي المبعوث المرافق للهدايا، وزج به في السجن ثم قتله بالسم.
طوال القرون التالية، تحول البقشيش إلى عادة واسعة الانتشار، وأصبح أمرًا مسلما به في الدولة العثمانية إلى حد أبقيت فيه رواتب موظفي الخدمة المدنية منخفضة، لأنها أخذت في الحسبان المبالغ الأخرى التي يتقاضاها صاحب الوظيفة، وفي القرن  الـ16الميلادي، ومع وصول رستم باشا إلى منصب الصدر الأعظم خلال حكم سليمان القانوني، توسع نظام البقشيش إلى حد أن الوظائف نفسها كانت تباع، ولذا ليس من قبيل المصادفة أن "مهر ماه" ابنة سليمان القانوني، عندما أصبحت أرملة الصدر الأعظم، كانت أغنى امرأة في إسطنبول. 

بقشيش الإنكشارية: المكافأة أو التمرد
بالرشوة فقط استطاع السلاطين أن يحموا ظهورهم من جنود الإنكشارية الذين استطاعوا التلاعب بالعرش وتحديد من يجلس عليه، فقدم كل سلطان جديد المكافآت لهم تحت اسم "كولوس بقشيش"، وطبقا لـ"بروس ماسترس"، فمنذ عام 1451 كان البقشيش يقدم لجنود الإنكشارية وقادتهم من السلطان بعد أن أصبح مصير بقائه أو عزله في يدهم، وكان يوزع  مع ترقيات جديدة في رتبهم العسكرية، فإذا نالت المبالغ والمراتب رضاهم يعبرون عن ذلك وقت حلفهم بالولاء للسلطان بقولهم: "مكافأتك وهديتك مقبولة".
أما التأخر في صرف البقشيش أو التغاضي كلية عنه فيعني التمرد الواسع في صفوف الجنود ووضع العراقيل أمام السلطان الجديد، ويعتبر "سليم الثاني" مثالا بارزا، أجرى حفل تنصيبه في إسطنبول بينما جيشه لا يزالون في رباط بمدينة زيغتفار في المجر، وبمجرد أن لحق بهم  أقام الإنكشارية حفل تنصيب جديد لينالوا البقشيش، فلما رفض سليم أعلن الجند تمردهم في أعقاب عودتهم إلى العاصمة وطعنوا في شرعية السلطان ، ما أجبره في نهاية الأمر على الرضوخ لمطالبهم.
في عام 1623 عندما أصبح مراد الرابع رابع سلطان يحكم الدولة في غضون ست سنوات أبلغ الصدر الأعظم قادة الإنكشارية أن خزانة الدولة فارغة، وبالتالي لا يمكنهم الحصول على البقشيش المعتاد بعد أن أجهزت المكافآت التي قدمت سابقا لهم على المخزون كله، فسخروا منه وطالبوه بصهر التحف الذهبية والفضية في قصر طوب قابي ثم سكها عملات يصرف منها البقشيش الخاص بهم، فنفذ ما أمروه به في الحال.

Qatalah