يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ظلت الدولة العثمانية طوال 600 عام تتغنى بأنها حنفية المذهب، وزعمت أنها حافظت على السنة والشريعة، في مواجهة الفرق المنحرفة، لكن قصة البكتاشيين تفضح ادعاءاتها الكاذبة، وتكشف اعتناق آل عثمان عقيدة شيعية، أثمرت تحالفا للشر وسيلا من الفتاوى المنحرفة التي ضربت بالإسلام عرض الحائط.

يعود تأسيس الطريقة البكتاشية إلى حاج بكتاش ولي المولود في مدينة نيسابور بخراسان، وتلقى تعليمه على يد أحمد يسوي الذي أرسله إلى الأناضول في مهمة سياسية للترويج للفكر الصوفي الشيعي، فوصل إليها محملا بالعقائد الشيعية الباطنية الاثنى عشرية.
فور وصول حاج بكتاش إلى الأناضول أخذ طريقه إلى مدينة أماسيا لمقابلة بابا إسحاق مؤسس الطريقة البابانية، وبعد مقتله في العام 1240 أثناء زعامته لثورة شعبية ضد الدولة السلجوقية استوطن حاج بكتاش زاويته في "صالوجه قره يوق"، وبدأ يروج لأفكاره والتف حوله المريدون.

أولاد الحاج بكتاش
ارتبط جيش الإنكشارية منذ ميلاده بمؤسس البكتاشية، حيث ذهب إليه السلطان أورخان مع نفر من الجيش، فوضع الحاج بكتاش جزءا من ردائه على رأس جندي، وأعطاهم علما أحمر يتوسطه هلال وسيف ذي الفقار، المنسوب للإمام علي، ليبدأ الارتباط الوثيق بين الجانبين، واتخذ الإنكشاريون بكتاش رمزا وشفيعا، وأطلقوا على أنفسهم اسم أولاد الحاج بكتاش.
حاولت الدولة العثمانية خلال القرنين الـ 14 و15 التأليف بين العقائد المسيحية والإسلامية في البلاط العثماني، وجرى تشكيل البكتاشية في صورتها النهائية على يد بالم سلطان الذي عينه السلطان بايزيد الثاني رئيسا لزاوية حاج بكتاش، وعهد إليه لإقامة زوايا للطريقة في قرى ومدن الولايات العثمانية.

يقول المؤرخ الفرنسي آلان دوسيلييه إن كتاب الولاية "ولاية نامه" الذي يتناول سيرة المؤسس حاج بكتاش ويرصد خوارقه وكراماته المزعومة جعله قديسا في أعين المسيحيين فأطلقوا عليه "القديس خارالامبوس"، وظل مسيحيو الأناضول يعتبرونه كذلك حتى مطلع القرن العشرين، ويلقب مشايخ الطريقة بـ "بابا" مثل باباوات المسيحية، واحتضن التراث الشعري البكتاشي جملة من القديسين الشعبيين المسيحيين وفي طليعتهم القديس جاورجيوس.

تأثرت البكتاشية بالدعوة الصفوية الشيعية، التي أسست الدولة الصفوية في إيران ومنها انتشرت في الأناضول في الربع الأخير من القرن الـ 15، عندما انتقل بالم سلطان من زاوية قيزلدالي في ديموتكا لرئاسة زاوية حاج بكتاش ولي، ووضع أهم مبادئ البكتاشية بصيغة "الحق، محمد، علي"، وشرح مفهوم الألوهية وعقيدة الإمامية الاثنى عشرية.
يتضح تأثر البكتاشية بالمذهب الشيعي في لباسهم، حيث تقلدوا نجمة ذات 12 زاوية للإشارة إلى الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة الموسوية، واعتنقوا دستور الولاء والبراء، ودمجوا بين عيد النوروز وميلاد الإمام علي، وتأثروا بأفكار ومعتقدات الحلاج، حيث تبدأ طقوس الانخراط في طريقتهم بتعليق المبتدىء في دار المنصور، وهي مشنقة الصوفي الكبير الحلاج الذي مات مشنوقا في بغداد في القرن العاشر الميلادي.

خليط الانحراف
يقول الباحث خالد محمد عبده في بحثه "التصوف في تركيا من التاريخ إلى السياسة" إن البكتاشية انتشرت بين الأتراك بفضل استعداد وتهيؤ القبائل التركمانية القزلباشية لتلقي العقائد الشيعية عن الإيرانيين، لأنهم كانوا يدينون قبل إسلامهم بالشامانية (التي تؤمن بالسحر والتواصل مع القوى العليا)، ولما اعتنقوا الإسلام شكلت عقائدهم جانبا من عقائد البكتاشية، وأصبح حاج بكتاش شيخا للطريقة القلندرية ورئيسا للأبدال، وكانت وسيلته لتأسيس البكتاشية هي توحيد كل الفرق الشيعية الباطنية بكل ما فيها من خليط منحرف.

تظهر دراسة كتاب "الولاية نامه" لحاج بكتاش أن الطريقة استمدت مبادئها من عقائد قديمة في الأناضول، وأن أتباعها تأثروا بهجين من الأفكار والعقائد، فتراكمت لديهم فلسفات كل من الأناضول واليونان والهند وإيران، ولم يتأثروا بالإسلام إلا بقدر بسيط، كما تأثروا بأفكار فلسفية قديمة لدى اليونان الوثنيين، فاعتقدوا بالعناصر الأربعة "الماء والهواء والتراب والنار" وتأليه الإنسان وخلود الروح، وينسب إلى حاج بكتاش قوله في كتابه "ولاية نامة" إنه "يجب عدم التفريق بين الأديان، لأن التفرقة تؤدي إلى الخصومة بين أهلها، وجميعها يسعى لتحقيق السلام والإخاء بين البشر أجمعين".

تحالف الشر
حظيت البكتاشية باهتمام استثنائي من آل عثمان، نظرا لدورها المهم في تأسيس جيش الإنكشارية، فضلا عن دورها في الحفاظ على النفوذ العثماني في مناطق الإمبراطورية على مر تاريخها، واستطاعت البكتاشية الجمع بين أكثر من دين ومعتقد ومذهب، وأصبحت الطريقة غير السنية الوحيدة التي اعترف بها العثمانيون رسميا بعد القرن الـ 16.

أمر السلطان بايزيد الثاني بنقل بالم سلطان من ديموتكا إلى رئاسة زاوية بكتاش، ما عد اعترافا رسميا بالطريقة ودخولها تحت عباءة الدولة، ومنحها السلطان المزيد من الأوقاف، وكلف بالم سلطان بربط جميع أوقاف وزوايا الطريقة بالزاوية الأم، وسار خلفاؤه على الطريقة نفسها وأغدقوا عليهم المزيد من الأموال لضمان ولائهم، بينما استهل السلطان سليمان القانوني عهده بافتتاح عشرات  الزوايا ومنحها الكثير من الإقطاعيات.

تؤكد الدكتورة بديعة عبد العال في كتابها "الفكر الباطني في الأناضول" التداخل بين التصوف والسياسة في الدولة العثمانية، تقول: "عادة سلاطين الأتراك كانت اللجوء لشيوخ التصوف لأخذ مشورتهم، فلم يكن السلطان العثماني ليقدم على حرب دون أن يرجع لشيوخ المتصوفة أولا".
استطاع مذهب بكتاش كسب مزيد من الأتباع بفضل المساعدات المادية والعينية، خاصة في أوقات الحروب والأزمات الاقتصادية، فكانت الدولة تلجأ إليهم للهروب من الغضب الشعبي، بتوزيع المحاصيل والحبوب لتهدئة الأوضاع المتأزمة.

مشايخ الماسونية
حظر السلطان محمود الثاني البكتاشية بعد إلغاء الإنكشارية في العام 1826، وكان يعتقد أنها ستذوب داخل الطريقة النقشبندية بعد نقل ملكية الزوايا إليها، لكنه لم يستطع تحقيق مراده، فسرعان ما عادت إلى سابق عهدها مع السلطان عبدالعزيز، وتم إعمار الزوايا المغلقة على يد أمه التي اعتنقت المذهب الحروفي، أشد معتقدات البكتاشيين انحرافا.

جمعية تركيا الفتاة الصاعدة للتمرد على نظام السلطنة القديم لم تجد بدا من استخدام زوايا البكتاشية في اجتماعاتها، في وقت دخلت الطريقة في علاقات مباشرة مع الماسونية بعد حظرها على يد محمود الثاني، وانتسب معظم شيوخها إلى  منظمات كبيرة في عواصم أوروبا، خاصة محفل باريس، فتأثروا بأفكار الماسون السياسية وطقوسهم الدينية، وحولوا التكايا والزوايا إلى محافل سرية لهم، وتكلل التحالف بينهما بعزل السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1909، وصعود جمعية الاتحاد والترقي للحكم، لتعود الحركة البكتاشية للحياة تمهيدا للقضاء على الدولة ذاتها التي تحالفوا معها قرونا من الداخل.

المصادر :


Qatalah