يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مُنذ نوفمبر الماضي، ويهدد الرئيس التركي، رجب إردوغان، بشن عملية عسكرية كبيرة شرق نهر الفرات، إذا لم ترضخ واشنطن لنسخته من المنطقة الآمنة بعمق يزيد على 30 ألف كم في سورية، ويخشى الأكراد والمسيحيون السوريون من تنفيذ  تلك التهديدات، خوفًا من تكرار سيناريو عفرين 2018، عندما غيرت القوات التركية الغازية التركيبة السكانية للبلدة الواقعة شمال شرق البلد العربي.

في تقرير موسع نشر الثلاثاء، قال موقع كروز ناو "Crux now" المعني بالأخبار المتعلقة بالكنيسة الكاثوليكية حول العالم، إن المسيحيين في شمال شرق سورية يخشون على حياتهم من هجوم تركي وشيك لمناطق تواجدهم، لافتًا إلى تزايد المناشدات المسيحية حول العالم بوقف حمام الدم المتوقع.

إبادة المسيحيين
جماعات تمثل المسيحيين في شمال شرق سورية، مثل المجلس السرياني الوطني السوري وحزب الاتحاد السرياني والاتحاد السرياني الأمريكي، طالبت بالدعاء من أجلها حيث تخشى تنفيذ تركيا تهديداتها بغزو المنطقة عسكريًا. 

وعلى الرغم من وجود الجيشين الأمريكي والفرنسي في شمال شرق سورية، قالت الجماعات السريانية إن تركيا التي حشدت جيشها وحلفاءها من التنظيمات الإرهابية على طول الحدود مع البلد العربي ستهاجم المنطقة وتقوم بتدميرها بمن فيها، بحسب موقع Catholic News Service.

الجماعات المسيحية ناشدت قادة الولايات المتحدة التدخل نيابة عنهم لمساعدة 100 ألف مسيحي في المنطقة باتوا في خطر، تحت وقع التهديدات التركية المتكررة، محذرة من سيناريو شبيه بما حدث في عفرين قبل أكثر من العام الآن.

"كروز ناو" قال إن تركيا وحلفاءها الإرهابيين، بما في ذلك مقاتلي تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، قد يرتكبون مجزرة مثلما فعلوا في عفرين شمال غربي سورية في 2018، عندما تم إحراق كنائس المدينة وتمت مطاردة المسيحيين والأيزيديين.

ولكل هذه الأسباب، قال بيان صادر عن الجماعات التي تمثل المسيحيين في شمال شرق سورية إنهم أطلقوا دعوة عاجلة للدعاء من أجل "إخواننا وأخواتنا"، مطالبين الولايات المتحدة وفرنسا بحماية شمال شرق سورية من الغزو التركي.

"البلطجي القديم يلاحقنا"
مخاوف المسيحيين لم تنته عند هذا الحد، إذ حذر ممثل مجلس سورية الديمقراطية في واشنطن، بسام إسحاق، من التاريخ الأسود للأتراك، مذكرًا بالإبادة الجماعية بحق الأرمن عام 1915 أو (مذابح سيفو) والتي قُتِل خلالها 1.5 مليون أرمني على يد العثمانيين.

إسحاق، الذي يرأس المجلس الوطني السرياني قال لـ"كروز ناو": "إن السوريين والمسيحيين في شمال شرق سورية لن ينسوا أبدًا مذابح سيفو، ونحن لا نشعر بالارتياح إزاء القوة العسكرية والحكم التركي"، لافتًا إلى أن سكان المنطقة ينظرون إلى تركيا كعدو للمسيحيين بسبب "تاريخها الأسود". 

"من وجهة نظر المسيحيين الذين يعيشون في شمال شرق سورية، فإن البلطجي القديم (الأتراك) يلاحقهم إلى حيث جاءوا للأمان"، أضاف إسحاق. 

الأكراد والمسيحيون السريانيون في المنطقة يجتمعون تحت لواء قوات سورية الديمقراطية "قسد" المدعومة أمريكيًا، وكانوا الحليف الرئيس للجيش الأمريكي في حربه ضد مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي في سورية.
 

دعم الإرهاب
في بداية الصراع السوري عام 2011، غضت تركيا الطرف عن الجهاديين الأجانب الذين يتدفقون عبر الحدود إلى سورية للانضمام إلى "داعش"، وهو ما تسبب في اجتياح التنظيم الإرهابي لقرى آشورية مسيحية واقعة في وادي نهر خابور شمال شرق البلد العربي عام 2015.
 
إلى جانب ذلك، اختطف مسلحو "داعش" أكثر من 200 مسيحي وقاموا باحتجازهم لمدة عام، إلى أن تم دفع ملايين الدولارات التي جمعتها الجالية الآشورية كفدية للتنظيم، فيما قُتل ثلاثة مسيحيين قبل دفع الفدية. 

إسحاق قال: "نريد تأمين وحماية الحرية الدينية التي استطعنا تحقيقها هنا"، لافتًا إلى أن هناك تعددية واعترافا بجميع الجماعات العرقية والتقاليد والحقوق الثقافية، مثل تعلم اللغة الأصلية وكذلك المساواة بين الجنسين الممنوحة للمرأة التي لم يشهدها أي مكان آخر في المنطقة. أضاف: "لدينا نظام سياسي يوفر السلام بهذه المنطقة من سورية".

اضطهاد ديني
مخاوف مسيحيي سورية يعززها الوضع المأساوي الذي  تعيشه الأقلية المسيحية على مختلف طوائفها في تركيا، منذ محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016، بعد تعرض كنائس شرق مدينة الأناضول لاعتداءات من قبِل مؤيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم.

"فقدان الأمان والحرمان من حق العودة"، أبرز ما يعانيه المسيحيون الأتراك في موطنهم جنوب شرق تركيا كغيرهم من الأقليات، جراء المواجهات المستمرة بين الحكومة ومسلحي حزب العمال الكردستاني. 

وربما تدل صورة نشرتها إذاعة صوت أمريكا تظهر مسيحيين أرمنا من ديار بكر التركية يحتفلون بعيد الفصح في مقهى لعدم تمكنهم من الوصول إلى كنيستهم حجم الاضطهاد الديني الذي يعانون منه تحت حكم إردوغان الممتد منذ عام 2002.

الكاتبة الصحافية التركية، نورجان بايسال، قالت إن الأقليات الدينية في تركيا خاصة في مناطق الجنوب الشرقي تتعرض لاضطهاد مستمر منذ أجهضت حكومة العدالة والتنمية مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني عام 2015، والتي على إثره فرضت حظر تجول مازال ساري المفعول.

بعد فشل مفاوضات السلام، شنت القوات العسكرية التركية في ديسمبر 2015 حملة عسكرية في جنوب شرق تركيا ضد معاقل حزب العمال وبرغم انتهاء الحملة التي خلفت أكثر من ألف قتيل ومدنًا مدمرة ومئات الآلاف من المشردين أوائل عام 2016، إلا أن حظر التجول مازال قيد التفعيل في 6 أحياء من مدينة صور، المركز القديم لمحافظة ديار بكر التي توجد بها كنيسة "سورب غيراغوس" الأرمنية.

لا مكان للأقليات
منظمات محلية نشرت العديد من التقارير حول انتهاكات حقوق الأهالي أثناء وبعد اشتباكات 2015-2016، لكن لم ينشر الكثير عن التأثير على الأقليات في المنطقة، من بينهم الأرمن والآشوريون والكلدانيون والجماعات المسيحية الأخرى.

ومنذ اندلعت الحرب مجددًا بين تركيا وحزب العمال، سيق الآلاف إلى السجون من بينهم قادة المجتمعات المحلية الآشورية والكلدانية، على رأسهم سادو إيدي أوشانا، رئيس رابطة الآشوريين والكلدانيين وأراميس "AACA"، الذي اتهمته سلطات إردوغان بأنه عضو في منظمة إرهابية واعتقلته، لكن بعد 14 شهرًا، أُطلق سراحه وهرب من البلاد.

وفي مارس 2017، اقتحمت الشرطة منزل يوهانون أكتاس، وهو زعيم آشوري في مدينة مديات التركية، وأُلقي القبض عليه واتُهم بأنه عضو في حزب العمال الكردستاني "PKK"، وكان أكتاس عضوًا نشطًا في حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد "HDP" ورئيس اتحاد آشوري رائد في مدينة ماردين.

بيتروس كاراتاي، مسيحي كلداني معروف، بعد إقامته 30 عاما في باريس، عاد إلى تركيا للمساعدة في بناء قريته في مقاطعة شرناق، وبعد أن رأى الجنود الأتراك يشعلون النيران في الجبال المحيطة بقريته، أخبر الصحافيين بما شاهده، فاتهمته السلطات بأنه عضو في حزب العمال الكردستاني، واعتقل في أوائل عام 2018.

استئصال عرقيّ
تاريخيًا، شكل المسيحيون في بداية القرن العشرين نحو 33% من سكان أراضي تركيا الحالية، لكن هذه النسبة انخفضت عقب المذابح ضد الأرمن وضد الطوائف المسيحية الأخرى، فضلًا عن عملية التبادل السكاني لليونانيين الأرثوذكس وبوغروم إسطنبول العام 1955 ، التي أدت إلى هجرة أغلبية مسيحيي إسطنبول.

وطبقا لدراسات مختلفة، تتراوح أعداد المسيحيين في تركيا بين 120,000-310,000، فضلا عن  تواجد أقلية من المجتمع المسيحي التركي البروتستانتي المكونّ من الإثنية والعرقية التركية، أغلبهم من خلفية تركية مسلمة.

وبحسب رئاسة الشؤون الدينية التركية، هناك 349 كنيسة تتواجد في أراضي الجمهورية التركيّة، منها 140 كنيسة لليونانيين و58 للسريان و54 للأرمن.

ولم تسلم كنائس عدّة في تركيا عقب محاولة الانقلاب، من هجمات واعتداءات كان أبرزها اقتحام وتخريب عدد من الأشخاص لكنيسة السيدة العذراء في مدينة طرابزون، على ساحل البحر الأسود شمال شرق البلاد.

كما اقتحمت جموع غاضبة، كنيسة مدينة ملطية شرق تركيا، وكسرت مقتنياتها ونوافذها، ما يعيد إلى الأذهان هجمات سابقة شنها متشددون على مرافق ومؤسسات مسيحية، كحادثة الاعتداء على دار نشر الكتاب المقدس في ملطية العام 2007، التي أسفرت عن تعذيب وذبح ثلاثة موظفين مسيحيين في الدار.

ناشطون مسيحيون يرون أن "تلك الاعتداءات جاءت على خلفية تصورات خاطئة، أثارت نظرية المؤامرة، حيث انتشرت بين أنصار الحزب الحاكم عقب مسرحية الانقلاب، مفادها أن غالبية المسيحيين علمانيون معادون للحكومة التركية، وهم بالضرورة مؤيدون للمحاولة الانقلابية الفاشلة".

Qatalah