يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ أن وصلت حكومة العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002، وهي لا تتوانى عن مدّ نفوذها في محيط دول البلقان الذي كان ذات يوم يدور في فلك الإمبراطورية العثمانية المقبورة، حتى صار التمدد التركي في تلك البلدان علامة فارقة ومميزة.

تحت ستار التعاون الثقافي والاقتصادي، وجد ديكتاتور أنقرة رجب إردوغان في البلقان والذي يضم دول "ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك"، فريسة سهلة لمد نفوذه فيها، فاستثمر بقوة في البنية التحتية والمؤسسات الدينية مستخدمًا الأعمال التجارية كجزء من مخططه العثمانلي الجديد لتعزيز قبضة تركيا على دول المنطقة.

تلك المساعي دائمًا ما قوبلت بانتقادات حادة من طرف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولعل آخرها الإدانات الواسعة التي صاحبت تشييد نصب تذكاري في ألبانيا يحتفي بضحايا محاولة الانقلاب المزعوم في 15 يوليو 2016.

مدير برنامج بناء السلام والحقوق بمعهد دراسات حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا الأمريكية، البروفيسور ديفيد فيليبس، قال إن النصب المشيد بحديقة "تيرانا ليك بارك" خرج إلى النور في سرية تامة، ما يؤشر على العلاقات الوثيقة التي تربط رئيس الوزراء الألباني إيدي راما بالرئيس التركي، الذي يعمل على تقويض سيادة البلد البلقاني.

بلدية "تيرانا" التي يقع النصب التركي في نطاق إدارتها ردت على طلب إذاعة صوت أمريكا للحصول على معلومات بشأن قرار إقامة النصب بادعاء أن وزارة الخارجية لديها المعلومات ذات الصلة، فيما ردت الوزارة على طلب مماثل للإذاعة الأمريكية بأنها غير متورطة في هذا الأمر. 

محاكمة المسؤولين
وفي مقابلة مع إذاعة صوت أمريكا نشرها موقع "إيكسيت" الألباني، قال ديفيد فيليبس، إن عملية صنع القرار بشأن النصب التذكاري التركي لم تتحلّ بالشفافية، لافتًا إلى أن السلطات الألبانية تجاهلت الحصول على رأي الجمهور وشيدت النصب في سرية تامة.

وإلى الآن، ليس معروفًا من الذي اقترح الفكرة، وعلى أي أساس، ولأي دوافع، ومن تحمل النفقات، وما نوع عملية صنع القرار التي مر بها النصب التذكاري، ومع ذلك، شدد فيليبس على ضرورة محاسبة المسؤولين عن العملية، إذ يحيي هذا النصب حدثًا في تركيا لا تزال ظروفه غير واضحة.

الأكاديمي الأمريكي قال إن الضحية الحقيقية لمسرحية الانقلاب هو الشعب التركي، حيث استغل إردوغان محاولة الانقلاب كمنطلق لقمع من يشتبه في معارضتهم، وسجن عشرات الآلاف منهم، بمن فيهم مئات الصحافيين، ما حوّل تركيا إلى ما يشبه "معسكرات العمل العملاقة".

البروفيسور قال إن النصب التذكاري يخدم أغراض الدعاية للرئيس التركي في تركيا وألبانيا، معتبرًا أنه يعد بمثابة "تصريح صارخ لطغيان" إردوغان على شعبه والمنطقة، كما أنه يضع سيادة ألبانيا محل تساؤل.

فيليبس أشار إلى أن الافتقار إلى المعلومات الرسمية بخصوص النصب التذكاري يشير على تشييده بموجب اتفاق شخصي بين رئيس الوزراء راما والرئيس إردوغان، مشيرًا إلى أن المكاسب الشخصية لقادة البلدين لا تصب في مصلحة الشعب الألباني.

انعدام الشفافية يزيد من الشكوك التي تحوم حول الانتهاكات القانونية المحتملة لبعض الاستثمارات التركية في ألبانيا، حسبما قال فيليبس، مضيفا أنه لهذا دعا البرلمان الألباني لتشكيل لجنة للتحقيق في الاستثمارات التركية في البلاد.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اعتبر الأكاديمي الأمريكي أن الحدث يرسل إشارة سلبية إلى الاتحاد الأوروبي قبل قراره المقرر له في أكتوبر بشأن ما إذا كان سيتم فتح مفاوضات الانضمام إلى التكتل مع ألبانيا أم لا.

الأكاديمي الأمريكي دعا الولايات المتحدة لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع انزلاق دول البلقان في دائرة النفوذ التركي، كما طالب تلك الدول بتقوية ديمقراطيتها وأسواقها الحرة. 

اختراق ألبانيا
عبر ورقة الاقتصاد، حاولة حكومة إردوغان التسلل إلى ألبانيا، ففي أكتوبر الماضي أكد وزير الخارجية الألباني ديتمير بوشاتي، تشكيل مجلس تعاون رفيع المستوى مع تركيا برئاسة إردوغان ورئيس الوزراء الألباني إيدي راما.

بوشاتي كشف عن الاتفاق مع الجانب التركي على وضع جدول زمني من أجل تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والمضي قدمًا باتفاقية التجارة الحرة إلى مستويات جديدة، فيما أكد وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، أن استثمارات بلاده في ألبانيا، وصلت إلى 2.5 مليار دولار.

جاويش أوغلو فضح استخدام بلاده ورقة الاقتصاد لبسط نفوذها في ألبانيا قائلًا:" استثمارات الشركات التركية في ألبانيا تزداد يوما بعد يوم، وأن مثل هذه الاستثمارات تستحوذ على أهمية بالغة لنهضة منطقة البلقان اقتصاديًا". 

"في 2008، تم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين تركيا وألبانيا"، جاويش أوغلو، مضيفا أنه خلال السنوات الماضية، "رأينا أنه على الطرفين إعادة النظر في هذه الاتفاقية بهدف تعزيز التبادلات التجارية بين أنقرة وتيران، وتفعيل مبدأ الربح المتبادل". وبيّن أن كلا البلدين سيعملان من أجل رفع حجم التبادل التجاري بينهما".

بحسب مراقبين، فإن استثمارات تركيا في ألبانيا انتقائية ومُركّزة استراتيجيًا بحيث يكون لها الأثر الاقتصادي والسياسي الأعظم على السوق المالي، وكذلك المشاريع الوطنية الكبرى، ويشمل هذا امتلاك ثاني أكبر البنوك ومصانع الطاقة المائية ومصنع صهر الحديد وشركة الاتصالات السلكية واللاسلكية المملوكة سابقا ًللدولة "Albtelecom"، وشركة تشغيل الهواتف المحمولة "Eagle Mobile".

رجل إردوغان
رئيس الوزراء إيدي راما الذي يدعم هذه المشاريع بكل إخلاص معروف ٌبعلاقاته الوثيقة مع إردوغان (هو الزعيم الوحيد الذي جاء من أوروبا لحضور زواج ابنة إردوغان عام 2016) ويتفاوض الآن على بناء مطار سياحي في فلورا على بعد 140 كيلومترا جنوب العاصمة تيرانا.

وربما ذلك يفسر تصريحاته الإيجابية تجاه مد النفوذ التركي العلني في بلاده، حيث قال في تصريحات سابقة إن تركيا تقف بجانب بلاده منذ خروجها من عزلتها الشيوعية، وانتهاء فترة انغلاقها على العالم الخارجي، مطلع تسعينيات القرن الماضي. 

راما أضاف: "منذ خروجنا من عزلتنا الشيوعية وتركيا تقف دائما بمساعداتها بجانب ألبانيا، وشملت هذه المساعدات كافة القطاعات من البنية التحتية للصحة، ومن الزراعة للثقافة وغيرها".

وعن الاستثمارات التركية في بلاده، قال رئيس الوزراء الألباني: "أنا سعيد للغاية لأن هناك اثنين من الاستثمارات المهمة والرمزية للغاية بالنسبة لعلاقاتنا الثنائية، والمشروعان على موعد الإطلاق عام 2019، وتابع :"أول المشروعين ذلك الاستثمار المتعلق ببناء المطار الدولي الجديد، والآخر هو الدعم الذي ستقدمه الخطوط الجوية التركية (THY) لتأسيس شركة الطيران الوطنية الخاصة بنا".

عقبات على الطريق
التمدد التركي في البلد البلقاني واجه عقبات على الطريق، إذ رفضت ألبانيا بشكل قاطع إملاءات أنقرة بخصوص حركة المرور على أراضيها، بحسب تقرير نشره موقع نورديك مونيتور السويدي في مايو الماضي.

التقرير لفت إلى تجدد الخلافات بين ألبانيا وتركيا بشأن ملف النقل بين البلدين، بعدما تملصت أنقرة من اتفاقيات جرى التفاوض عليها سابقًا.
 
وفقًا للوثائق التي نشرها الموقع السويدي والتي اعتمدت على محضر اجتماع عقدته اللجنة المشتركة بين البلدين مؤخرًا، فإن الوفد الألباني، الذي زار أنقرة يومي 12 و13 مارس 2019، اقترح توقيع اتفاق جرى التفاوض عليه بشأن الاعتراف المتبادل بتراخيص القيادة، لكن الجانب التركي تملص من الفكرة، وبدلًا من ذلك أشار إلى اتفاقية فيينا للعام 1968 بشأن حركة المرور على الطرق، التي تندرج البلدان ضمن أطرافها.

اعتراضات 
الوفد التركي أرجع تملصه من الاتفاق، إلى مزاعم بخصوص تعرض سائقي الشاحنات الأتراك في ألبانيا لعدة مشكلات من بينها إلزام الشاحنات التركية بمغادرة ألبانيا في غضون ثماني ساعات من دخولها أو التعرض لغرامة حال عدم تنفيذ ذلك، وطالبت أنقرة بتمديد هذه المدة إلى 15 ساعة. 

أنقرة رفضت كذلك ما وصفته بـ"القيود على الوقود التي تفرضها ألبانيا على الشاحنات التركية"، وطالبت بإلغاء الحد المسموح به أو على الأقل زيادته إلى 550 لترًا إذا كان إلغاؤه غير ممكن، كما اشتكت أنقرة من الإجراءات الجمركية الجديدة التي طبقها المسؤولون الألبان في 2019، مدعية أنها تتسبب في فترات تأخير طويلة.

الموقع السويدي أوضح اتفاق الوفدين على تحديد حصة معينة من تصاريح القيادة تُمنح لسائقي الشاحنات الأتراك الذين يعبرون الأراضي الألبانية، مع وضع حد أقصى 700 تصريح لعام 2019.

رأس الوفد الألباني ثيميو بلاكو، المدير العام لشؤون سياسات تطوير البنية التحتية وتنمية الأقاليم في وزارة البنية التحتية والطاقة، فيما مثّل الجانب التركي محمود غورسيس، المدير العام لإدارة اللوائح التنظيمية للنقل البري في وزارة المواصلات والبنى التحتية.

اللجنة المشتركة بين البلدين تشكلت كجزء من اتفاق بشأن النقل وقعته تركيا وألبانيا في 28 فبراير عام 2000.

مطالبات بالتدخل الأمريكي
وإزاء المحاولات الحثيثة للتوغل في بلادها، دعت وزيرة الدفاع الألبانية أولتا جاتشكا، الولايات المتحدة للتصدي للنفوذ التركي بإقامة قاعدة عسكرية على أراضيها، واقترحت بأن تقيم واشنطن عبر اتفاق ثنائي أو في إطار حلف شمال الأطلسي "ناتو" قاعدة بحرية في البحر الأدرياتيكي.

وفي لقاء جمعها بوزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس في أبريل 2018، قالت جاتشكا: "أعتقد أنه يجب توجيه رسالة قوية مفادها أن غرب البلقان منطقة توجهها غربي وأننا نتقاسم المبادئ والقيم نفسها وعلينا حمايتها". أضافت: "نعتقد أنه حان الوقت لتقيم الولايات المتحدة وجوداً لها في ألبانيا".

الوزيرة الألبانية مضت قائلة:"نشعر ببعض القلق من التهديدات العديدة التي تواجهها منطقتنا. نعتقد أنه من المهم جداً أن يولي الحلف الأطلسي والولايات المتحدة اهتماماً أكبر لما يحدث في البلقان".

مطالبات الوزيرة الألبانية تزامنت مع تقديم الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية فيديركا موغيريني والمفوض المكلف بشؤون التوسيع يوهانس هان، توصية بفتح باب التفاوض مع كل من ألبانيا ومقدونيا تمهيداً لضمهما لاحقاً للنادي الأوروبي، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد في أبريل 2018.

Qatalah