يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قامت الدولة العثمانية على سواعد العبيد الذين استقدمتهم السلطنة من البلدان المحتلة وسخرتهم لخدمة مشروعاتها الاستعمارية دون مقابل، ويبقى الأسطول شاهدا على توظيف العبيد وتسخير الفقراء للعمل بلا أجر في بناء السفن.
قبل اكتشاف المحرك البخاري، اعتمد العثمانيون على القوة العضلية لعمال السخرة في التجديف للسفن الحربية، ولما كانت الواحدة تستلزم ما بين 600 و1000 فرد للمناوبة على التجديف، لجأت السلطنة إلى خطف الفقراء والمهمشين وإجبارهم على العمل في الأسطول.

تسخير الشعوب
لم يعرف الأتراك معنى للحضارة، فلم يجيدوا صناعة ولا حرفة، ولم يقدموا علما تنتفع به البشرية، وكان أقصى ما وصلوا إليه همجية غير مسبوقة ظهرت بوضوح في فترة شيخوخة الحضارات العظمى.
احتل الأتراك ثروات العالم القديم، ونقلوا خيرة الصناع من بلدانهم للعمل في إسطنبول، وأجبروا اليونانيين المسيحيين على خدمة الأسطول نظرا لخبرتهم بالبحر كما جاء في كتاب الجزائري محمد سي يوسف "قليج علي باشا ودوره في البحرية العثمانية".
وظف الأسطول العثماني مهندسين من الدول الأوروبية لخدمة السفن، وعندما أراد سليمان القانوني التوسع في بناء السفن أسند إلى البنادقة مهام الإشراف على الصناع والعمال، فيما كان أغلب الملاحين من الطليان واليونانيين الذين جاءوا إسطنبول لكسب المال.
في مصر، أخضع الوالي بأوامر سلطانية ترسانتي السويس والإسكندرية لخدمة الأسطول، وأسند إلى المصريين منذ احتلال دولتهم عام 1517 بناء الأسطول العثماني في البحر الأحمر.

استدراج الفقراء
فر العمال من العمل المضني في بناء وخدمة السفن، ولجأ العثمانيون لمواجهة تلك الهجرة إلى الاحتيال على الفقراء والإيقاع بهم واستعبادهم لفترات طويلة للعمل دون مقابل في خدمة الأسطول الكبير.
يحكي برنارد لويس في كتابه "إسطنبول وحضارة الخلافة الإسلامية" عن فئة عرفت باسم "مضايقي الترسانة"، كانت وظيفتهم الأساسية خطف الفقراء وتقييد أرجلهم إلى السفن بالأغلال للقيام بوظيفة التجديف.
يقول لويس في كتابه: "طائفة مضايقي الترسانة لا يدينون بدين ولا يحتكمون إلى مبدأ، ويخضعون لكيخيا أو مدير الترسانة مباشرة، وعندما يكون الأسطول راسيا في القسطنطينية يقومون باختطاف أناس بسطاء وتسخيرهم للخدمة في مخازن الخمر والبيرة".
يضيف الكاتب الأميركي البريطاني: "يضع مضايقو الترسانة بضع مئات من الآقجات في جيوب الفقراء، ويستدرجونهم إلى الموانئ، وعندما يسكر هؤلاء يقيدونهم إلى السفن بالسلاسل، بدعوى تبذير النقود السلطانية، ولا يطلقونهم إلا بعد انتهاء العمليات الحربية مقابل ألف أقجة".

خطف الأوروبيين 
ظلت سفن الأسطول العثماني تبحر بقوة الدفع البشرية مدة 400 عام، بفضل تأخر العثمانيين وتخلفهم عن ركب الحضارة التي هداها التفكير العلمي إلى ابتكار المحركات البخارية، وعندما استنفد عبيد الولايات العثمانية قواهم في التجديف، لجأت السلطنة إلى فقراء أوروبا.
لجأ الأتراك إلى أعمال القرصنة للإغارة على السفن والسواحل الأوروبية لاختطاف الأوروبيين وإلحاقهم قسرا إلى الأسطول، كما جاء في كتاب وليد خينش "المؤسسات في الجزائر أواخر العهد العثماني".
تعرض المخطوفون إلى معاملة سيئة من قبل الأتراك، وكانت حياة العبودية تستمر حتى افتدائهم بالمال، ويؤكد خينش في كتابه أن "الافتداء كان أحد مصادر تمويل الأسطول العثماني في غرب البحر المتوسط".
وصل عدد الأسرى الأوروبيين العاملين في الأسطول العثماني الذي هاجم شواطئ إيطاليا عام 1571 إلى 6 آلاف رجل، حسب خينش، وجميعهم قيدوا إلى السفن بالأغلال للتجديف حتى آخر نفس.

تسخير المصريين
انتهز سليمان باشا الخادم قائد الأسطول العثماني في مصر حرب الدولة العثمانية مع البنادقة عام 1517، وألقى القبض على نحو ألفين من تجار البنادقة في ثغر الإسكندرية، وأرسلهم إلى ميناء السويس للالتحاق بالحملة الموجهة إلى بحر العرب والمحيط الهندي لقتال البرتغاليين.
نجح الخادم  أثناء مواجهات بحر العرب في القبض على 146 برتغاليا وسخرهم في التجديف، وكان مصير هؤلاء الأسرى إما الموت من قسوة المعاملة، أو الغرق مع حطام السفن المقيدين إليها بالحديد.
استمر العثمانيون في خطف الأبرياء حتى عام 1814 عندما ألزمتها القوى الأوروبية بوقف أعمال القرصنة الهمجية، وعدم مهاجمة الشواطئ الأوروبية، حسب كتاب وليد خينش.
مع تراجع أعمال السخرة انكمش وجود الأسطول العثماني في البحر المتوسط، وخسر معركته للسيطرة على المحيط الهندي أمام الأسطول البرتغالي، وانتقلت السيطرة على البحر الأسود لصالح روسيا القيصرية، وبسطت بريطانيا نفوذها على قناة السويس الاستراتيجية في مصر.

Qatalah