يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تمثل سنة 1992 عاما فارقا في تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية، من حيث تحولاتها الحاسمة وآثارها بعيدة المدى على أوضاع الشرق الأوسط حتى اليوم، إذ إنه عقب أشهر قليلة من انتهاء مؤتمر مدريد للسلام الذي جلست فيه الفصائل الفلسطينية على طاولة واحدة مع الحكومة الإسرائيلية، قررت أنقرة التخلي أخيرا عن قناع دعم القضية العربية الذي ارتدته لأغراض نفعية بحتة منذ السبعينيات وأعلن رئيسها "تورغوت أوزال" رفع التمثيل الديبلوماسي في تل أبيب إلى أقصى مستوياته وتبادل السفراء بين البلدين للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية عام 1948. 
مثل قرار "أوزال" استجابة تركية لأوضاع الشرق الأوسط الجديدة في أعقاب نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، ثم ما قيل إنه نهاية الصراع العربي الإسرائيلي في مؤتمر مدريد والذي اعتبر مع اتفاق أوسلو مكملين معا في الجوهر لمعاهدة كامب ديفيد.
كان شعور تركيا في تلك اللحظة التاريخية بأن التحالف مع إسرائيل لا بد أن يتضاعف لكي تتمكن من مواجهة ما اعتبرته التهديد الذي تمثله عليها سورية وإيران والعراق، وكذلك الميليشيات المسلحة الخاضعة لحزب العمال الكردستاني، معتقدة أن إسرائيل يمكنها أن تقدم ما لا تستطيع عضوية الناتو أو التحالف مع الولايات المتحدة تقديمه إلى أنقرة، وبما أن الفلسطينيين قبلوا بالتفاوض مع إسرائيل، فإن ذلك كان فرصة للأتراك للخروج بعلاقاتهم مع إسرائيل من السرية المستمرة منذ عام 1948 إلى العلن، ليدخل زواج إسرائيل وتركيا الذي تحدث عنه بن جوريون في إطار الميثاق الشبح بين البلدين، إلى ما سمته الباحثة "شيرا عفرون" بمرحلة "شهر العسل". 
 
تحالف تركي إسرائيلي ضد العرب
في تحليله بـ "الفورين بوليسي"، نقل "ليون هادار" تعليقا عن المؤرخ الأميركي "دانييل بايبس" ضمنه الأخير مقالا نشر في مجلة Commentary كومينتري اليهودية الصادرة في الولايات المتحدة الأميركية، يتضمن رؤيته الخاصة لما سماه الانقلاب الإيجابي في العلاقات التركية الإسرائيلية منذ مطلع التسعينيات، وتكتسب رؤيته أهميتها من أنه أحد غلاة الصهيونية الإسرائيلية وكراهية العرب، لذا كان تقبله لفكرة التحالف مع تركيا، نابعا من إدراكه أن أنقرة حليف يمكن الوثوق به في مواجهة العرب، لذا لا غرابة أن يرى في التحالف التركي الإسرائيلي نموذجا للعالم الحر على المقاس الصهيوني القائم على التآمر على المصالح العربية.
 
 
في التحالف تؤدي أنقرة وتل أبيب دور "شرطي المنطقة" الذي خولت إليه واشنطن "تأديب" العرب وتوجيه الضربات الاستباقية المتتالية تجاههم قبل أن تستفحل أية مشروعات نهضوية في المنطقة من شأنها أن تعطل المشروع الإمبريالي الأميركي في الشرق الأوسط أو تحد من فاعليته، وقد كانت إسرائيل هي رأس الحربة في تلك النظرة بإمكانياتها اللامحدودة وتفوقها العسكري والتقني على سائر الجيران، بينما كانت تركيا هي الداعم اللوجستي الأول وطرف الكماشة الثاني عند اندلاع الحرب ضد النظام السوري.
 
في ذلك الإطار، كان من الطبيعي أن ترعى الولايات المتحدة الأميركية فكرة التعاون التركي الإسرائيلي  وتحرص على استمراريته، وقد أثر عن الرئيس الأسبق بيل كلينتون أنه أقنع الكونغرس بضرورة تقديم الدعم العسكري إلى تركيا لأن في ذلك مساعدة لإسرائيل في الحقيقة. وقد أفرزت توصية كلينتون تلك انتقال مجموعة من التقنيات المتقدمة من الجيش الإسرائيلي إلى مصانع الدفاع التركية.
 
 
الشراكة العسكرية والاستخباراتية
كان التعاون الأمني المجال الأكثر خصوبة وأهمية في السنوات الذهبية من العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وافتتح بمجموعة من الزيارات عالية المستوى بين القيادات السياسية في البلدين، حيث زار الرئيس الإسرائيلي "عيزرا وايزمان" أنقرة عام 1994، بينما توجهت رئيسة الوزراء التركية "تانسو تشيلر" إلى تل أبيب في وقت لاحق من نفس العام.
في عام 1996، ارتقت العلاقات المتبادلة بين البلدين إلى أقصى مستوياتها وزار الرئيس التركي سليمان ديميريل، إسرائيل ووقع اتفاقيات شاملة على مستوى الصناعات الدفاعية والتدريب العسكري المشترك الذي كان يشمل القوات الجوية والبحرية من الطرفين إضافة إلى المشاركة الأميركية. 
التعاون الأمني شهد تنسيقا استخباراتيا كبيرا بين أنقرة وتل أبيب، وظلت اللقاءات مستمرة بين مسؤولي المخابرات في البلدين حيث استشارت تركيا الخبراء الصهاينة في كيفية القتال ضد أفراد حزب العمال الكردستاني مستفيدة من الخبرات الإسرائيلية في التنكيل بالفصائل الفلسطينية.
الشراكة العسكرية والاستخباراتية رسمها وأشرف عليها بعناية "شفيق بير" القائد العام للجيش التركي و"ديفيد إيفري" القائد العام للجيش الإسرائيلي، وقد دعمت الحركة الإسلامية في تركيا التعاون مع إسرائيل دون معارضة تذكر على الرغم من أنها السنوات التي شهدت صعودا متناميا للتيار الديني داخل البرلمان التركي. 
في فبراير عام 1997 زار القائد العام للجيش التركي "حسين قرضاي" إسرائيل، ورد عليه قائد قوات الدفاع الإسرائيلية "أمنون ليبكين _ شاهاق" بزيارة مماثلة في أكتوبر من نفس العام، ونفذت مناورات مشتركة في الفضاء الجوي التركي والإسرائيلي، وكذلك في مياه البحر المتوسط لتدشن بذلك تدريبات بحرية تنفذ سنويا بين البلدين في شرق المتوسط وبمشاركة أميركية وتعرف باسم "ريلاينت ميرميد".
 
 
تركيا قبلة السياحة الإسرائيلية
إضافة إلى التعاون العسكري، شهد شهر العسل التركي الإسرائيلي نموا كبيرا في العلاقات الاقتصادية، وأصبحت أنقرة قبلة للسياحة الإسرائيلية حتى وصل عددهم الإجمالي حوالي 235000 بين عامي 1996 و2000 فقط، ولعب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة دورا مهما من خلال تشجيع اليهود الأميركيين على زيارة تركيا التي وصفت بـ"الحليف التاريخي" لليهود. 
بين عامي 1996 و1998، طورت أنقرة وتل أبيب الشراكة الاقتصادية عن طريق التوقيع على "اتفاقية الاستثمار"، ثم اتفاقية "التجارة الحرة"، وبعد الزلزال المدمر في تركيا عام 1999 كانت إسرائيل أول مبادرة بتقديم المساعدة للدولة التركية، وفي يونيو عام 2000، وقعت تل أبيب مع أنقرة أول مذكرة تفاهم للتعاون العلمي والتكنولوجي. 
 
صفقات إردوغان مع إسرائيل
في مطلع الألفية الثالثة، وعلى الرغم من اهتزاز صورة إسرائيل في الرأي العام التركي بسبب قمعها الوحشي للفلسطينيين إبان الانتفاضة الثانية، فإن تألق علاقات البلدين ظل كما هو، ففي نطاق العمل العسكري استمرت تل أبيب في تدريباتها المنتظمة مع الأتراك، ففي عام 2001 نفذت تدريبات مشتركة بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة في قاعدة "مرمري أكساز دنيز" البحرية. 
كما أن تل أبيب حافظت على نظرتها إلى أنقرة باعتبارها سوقا ممتازا للصناعات العسكرية الإسرائيلية، وقد شهد العام 2002 العودة من جديد إلى السرية في العلاقات بين البلدين خوفا من إثارة غضب الرأي العام التركي، إذ وقعت اتفاقيات سرية بين أنقرة والمصانع العسكرية في إسرائيل لرفع كفاءة الدبابات التركية من طراز 170 M-60A1. 
نهاية العام نفسه شهدت بداية التحول الظاهري في العلاقات، ففي نوفمبر 2002 وصل إلى سدة الحكم في أنقرة حزب العدالة والتنمية صاحب التوجهات الإسلامية المعلنة، واتخذ أعضاء الحزب وعلى رأسهم زعيمه ورئيس الوزراء وقتها رجب إردوغان استراتيجية شرق أوسطية جديدة تعود بتركيا إلى المجال العربي الذي ابتعدت عنه بإرادتها طيلة التسعينيات.
ظهرت تلك الاستراتيجية بكثافة في التحليل الضخم الذي نشره وزير الخارجية "أحمد داود أوغلو" تحت عنوان "العمق الاستراتيجي"، حيث دعا خلال الكتاب إلى ما سماها سياسة "صفر مشاكل" مع الجيران واتباع سياسة إيجابية تجاه العالم العربي أو "الحديقة الخلفية" لتركيا كما يسمى في التنظيرات السياسية التركية.
 
 
لتنفيذ الاستراتيجية، كان لا بد من اتباع سياسة متوازنة بين الطرفين العربي والإسرائيلي والقيام بدور الوسيط، وهو الدور الذي يقدم إلى إردوغان فرصة ممتازة للظهور على نطاق واسع في آفاق السياسة الدولية بصفته "زعيم" يستطيع من خلال وساطته بين الخصوم أن يحل واحدة من أعقد المشكلات في التاريخ الحديث، وهو ما كان قادة إسرائيل مدركين له جيدا وعرضه "شلومو بن عامي" وزير الخارجية الإسرائيلي السابق ورئيس حزب العمل بالتفصيل في حواره مع صحيفة ها آرتس. 
ولما كان دور الوسيط لن يكتمل سوى برضاء الطرفين المتنازعين، فإن تركيا عادت في زمن إردوغان إلى نفس القناع الذي ارتدته الجمهورية التركية في عصر "الميثاق الشبح"، ولكن هذه المرة بصبغة دينية منحت سياسة أنقرة تجاه العرب وإسرائيل المزيد من التلون والنفاق. 
في مارس من عام 2004، وعقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين انتقد إردوغان الجريمة معتبرا إياها "حادثا إرهابيا" كما وصف تصرفات دولة إسرائيل في قطاع غزة أيضا بـ"الإرهابية"، وعلى الرغم من ذلك فإن العلاقات بين البلدين استمرت على وضعها الطبيعي خاصة في المناحي العسكرية، حيث أجريت المزيد من الزيارات المتبادلة بين قادة الجيشين التركي والإسرائيلي. 
وفي عام 2005، اشترى الجيش التركي ثلاث عربات توجه من على بعد UAV من نظيره الإسرائيلي في صفقة قدرت بحوالي 183 مليون دولار، كما وافق قائد القوات في الدولة العبرية على دعم أنقرة بأدوات مراقبة حديثة لاستخدامها على طول الحدود مع العراق، وفي نفس العام زار إردوغان إسرائيل في شهر مايو كما استقبل بعدها آرييل شارون في أنقرة.
وعلى الرغم من فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات الفلسطينية يناير عام 2006 ثم لقاءات قادتها مسؤولين من الحكومة التركية، ثم حرب لبنان الثانية في نفس العام التي شنتها إسرائيل ودانتها أنقرة، فإن العلاقات التركية الإسرائيلية استمرت، حيث أشرفت حكومة إردوغان بين عامي 2007 و2008 على التوسط في محادثات سرية بالغة الحساسية بين إسرائيل وحكومة دمشق، وصفت لاحقا بأنها كانت "محادثات مثمرة". 
 
خطاب إردوغان المسرحي
بدأت بعد تلك المحادثات السرية المسرحية الهزلية التي افتعلها إردوغان مع إسرائيل لتلميع صورته في العالم العربي والإسلامي وإظهار نفسه كـ"بطل" و"رمز"، كانت العملية العسكرية الجديدة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة في عام 2008 إرهاصا لذلك الخطاب المسرحي، واكتمل بما قام به الرئيس التركي على الملأ في منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009 ضد نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز. 
 
 
وفي مايو عام 2010، جاء حادث سفينة الإغاثة مرمرة والمبتعثة من تركيا إلى قطاع غزة ليبدأ حلقة امتدت ست سنوات من الخلافات الظاهرية بين أنقرة وإسرائيل والمصحوبة بوساطات أميركية حثيثة من قبل الرئيس السابق باراك أوباما الذي كان أحرص الناس على حل النزاع بين أكبر حليفين لواشنطن في الشرق الأوسط، في وقت كانت الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى جهودهما لمواجهة آثار التحولات الخطيرة في المنطقة منذ عام 2011، وأثمر تدخل أوباما كما ساهمت التطورات في سورية وتنامي النفوذ الإيراني في تذكير الحليفين تركيا وإسرائيل بضرورة تنحية الخلافات الهامشية جانبا، والعودة مرة أخرى إلى سابق الحلف الوثيق والقديم.
وهكذا، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذارا لإردوغان على حادث مرمرة في مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس الأميركي، بينما تنازلت تركيا في المقابل عن كل تحركاتها القضائية ضد وزارة الدفاع الإسرائيلية المتسببة في الحادث، ثم اتبع ذلك في عام 2017 تنازل تركي جديد عن ضرورة فك الدولة العبرية حصارها المفروض على قطاع غزة، لتبرهن على حسن النية تجاه تل أبيب ولتبدأ في تنفيذ أجندة مشتركة معها تجاه الوضع المضطرب في المنطقة خلال الأعوام المقبلة. 
 
المصادر:

Qatalah