يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يستمد رجب إردوغان سياساته القمعية من أفكار بدأت في عصر أسلافه من حكام الدولة العثمانية، والدليل أن جهاز الاستخبارات التركي في النظام الحالي يضرب بجذوره في أعماق المشاركة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ويمثل ما يسمى "التشكيلات المخصوصة" الذي شكلته حكومة الاتحاد والترقي البذور الأولى لمخابرات تركية تهدف إلى اختراق البلدان المجاورة والسيطرة عليها من خلال تجنيد العملاء وبث الدعايات المغرضة، وتنفيذ جرائم الاغتيالات والتصفية الجسدية للخصوم في وضح النهار.
التشابه بين جهاز استخبارات إردوغان والتشكيلات المخصوصة يمتد إلى الأهداف والأدوات القمعية والوسائل ولا ينتهي بنطاق العمل الجغرافي في العالم العربي ودول البلقان، في تأكيد على أن السياسة القائمة على الخيانة والتدخل في دول الجوار هي تركة تتوارثها الأنظمة التركية المختلفة من أجل هدف واحد يتمثل في الهيمنة والتخريب.
 
ميليشيا الإرهاب
ولدت "التشكيلات المخصوصة" من رحم الهزائم الساحقة للدولة العثمانية على يد إيطاليا في الحرب الليبية (حرب طرابلس الغرب) في عام 1911، ثم في مواجهة القوميات المسيحية في حروب البلقان بين عامي 1911 و1913، وأدرك الأتراك أن غياب المعلومات هو السبب الرئيس في الفشل العسكري الذريع، والحاجة الملحة لتأسيس جهاز مهمته التجسس على أعدائهم وخصومهم في الداخل في وقت كثر المتصارعون على بقايا الدولة الآخذة في الأفول السريع.
وعلى الرغم من خبرة قادة الاتحاد والترقي في التجسس والعمل السري منذ الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، فإن تأسيس منظومة استخباراتية عالية الكفاءة كان أمرا يفوق قدراتهم، وبالتالي كان اللجوء إلى ألمانيا القيصرية حليف تركيا الوثيق التي لم تساهم فقط في تأسيس "التشكيلات المخصوصة" بل شاركت في وضع الأهداف وتنفيذ الخطط على الأرض.
البداية كانت مع عزم قادة الاتحاد والترقي على التخلص من منافسيهم والتأكد من عدم قيام أي طرف بانقلاب يطيح بهم من السلطة، لذا بدأوا عمليات قمع ممنهج عبر ميليشيا "فدائيان" أو "فدائي ضابطان" التي بدأ أفرادها في عمليات اغتيال شخصيات رفيعة وصحافيين ومعارضين، ما يعود بنا إلى نقطة تشابه سياسة إردوغان في القرن الواحد والعشرين مع مثيلتها في سلطنة أجداده.
 
وصل إجرام ميليشيا "فدائيان" التي ستعرف فيما بعد بـ"التشكيلات المخصوصة"، إلى ذروته عندما هزمت الدولة العثمانية في حرب البلقان عام 1913، فقام القيادي بالاتحاد والترقي أنور باشا بصحبة 200 إرهابي باقتحام جلسة للحكومة العثمانية وأجبر الوزير الأعظم كامل باشا على الاستقالة تحت تهديد السلاح، وقتلوا قائد الجيش ناظم باشا الذي حاول التصدي للمهاجمين.
الميليشيا الإرهابية المسماة "فدائيان"  هي الأساس  الذي بنى عليه أنور باشا جهاز "التشكيلات المخصوصة" والذي يعرف بالعربية بالتنظيم الخاص، وهو نفس الاسم الذي أطلقه حسن البنا على الذراع المسلحة لجماعة الإخوان الإرهابية في مصر فترة ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وارتكب جرائم اغتيال مسؤولين بارزين في القاهرة، ما يوضح مدى تأثير الإرهاب العثماني على نظيره الإخواني الذي خرج من عباءة وهم الخلافة المزعومة.
 
ذراع القمع والاغتيال
توسع أنور باشا في ضم العناصر إلى الجهاز الجديد، فضم بالإضافة إلى ما سماه "الفدائيين" مجموعة من الصحافيين والموظفين والمهندسين والأطباء والعناصر العسكرية، وتحول إلى جهاز قمع واسع الانتشار مهمته التجسس على رعايا الدولة العثمانية للتأكد من خضوعهم، ومن كان يظهر عليه أية بوادر اعتراض على الحكم الغاشم يرمى في سجون رهيبة، في موضع تطابق آخر مع سياسات إردوغان الذي ينتهج  أفكار "التشكيلات المخصوصة" كأنه ينقل سياساته من كتاب النظام السري.
 
 
ضمت التشكيلات المخصوصة ما يزيد على 30 ألف شخص، مهمتهم الأساسية تنظيم الدعاية لحكومة الاتحاد والترقي وتنفيذ اغتيالات للمعارضين وإثارة الشعوب العربية ضد الأوروبيين على أمل استخدامهم في تقوية أركان الدولة العثمانية المتداعية.
أوكل إلى "التشكيلات المخصوصة" الانتشار في الأقطار العربية لإخراس وإرهاب من يعادي العثمانيين وتجنيد الخونة من أجل تثبيت الاحتلال العثماني في المنطقة العربية، وتوسعت مهام الجهاز عام 1914-بعدما تحولت التشكيلات إلى جهاز تابع لوزارة الحرب رسميا- لتشمل تشجيع المسلمين في القوقاز وإيران والهند وإفريقيا للنهوض ضد الإنجليز والروس أعداء الدولة العثمانية وألمانيا، والعمل في الأناضول ضد الأرمن، لذا لا غرابة أن تتورط عناصر التشكيلات المخصوصة ومعظمها من المتحمسين للقومية التركية في مذابح الأرمن عام 1915.
لتنفيذ تلك الأهداف بفاعلية، أنشئ مكتب رئيس للتشكيلات المخصوصة في حي شاغال أوغلو بالعاصمة العثمانية إسطنبول يتواجد فيه قائد المنظمة والمكلف بالوساطة بين ضباط التشكيلات ووزارة الحرب، وأربعة مكاتب أخرى موزعة جغرافيا بين مناطق الخطة العثمانية الألمانية واسعة النطاق وعلى رأس كل مكتب ضابط عسكري على النحو التالي: وحدة الروم إيلي أي البلقان وقائدها عارف بك، ووحدة القوقاز قائدها رضا بك، ووحدة إفريقيا وطرابلس الغرب يقودها حسين طوسون بك وعلي باشامبا بك، ووحدة الولايات الشرقية يرأسها بهاء الدين شاكر وروشني بك.
 
استخدام الإسلام لصالح الأطماع العثمانية
توثقت العلاقات العثمانية الألمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها مع وصول الاتحاد والترقي إلى الحكم عقب انقلاب 1908، حيث أصبح للألمان الحق الحصري في تدريب وقيادة الجيوش العثمانية كما ربطوا مشروعهم الاستعماري في الشرق بالدولة العثمانية وجعلوها رأس الحربة في تنفيذه ضد بريطانيا.
البروفيسور الألماني "رورباخ" كتب في وقت مبكر من القرن العشرين عن الوسائل التي يمكن من خلالها تفكيك الإمبراطورية البريطانية في ما وراء البحار (إفريقيا وآسيا)، وأشار إلى أن الدولة العثمانية الوحيدة التي يمكن لألمانيا أن تستخدمها لتنفيذ المخطط، حيث ستلعب الأيديولوجية الإسلامية المعلنة لها دورا بارزا في دفع ملايين المسلمين -حوالي 60 مليونا في الهند- للثورة ضد الاحتلال البريطاني في الهند وأفغانستان وإيران. 
في رؤية رورباخ احتلت مصر مكانة مركزية في الاستراتيجية الألمانية تجاه الشرق، حيث أكد أن نزع الوجود البريطاني من القاهرة لن يعني فقدان الإنجليز قناة السويس وطرق الاتصال بالمستعمرات في الهند فحسب إنما خسارة المستعمرات البريطانية في شرق ووسط إفريقيا، ما يفسر السبب الذي جعل مصر ملعبا رئيسا لضباط "التشكيلات المخصوصة" خلال أحداث الحرب العالمية الأولى (1914-1918).
 
 
في 30 نوفمبر عام 1913، أمر وزير الحرب أنور باشا بتأسيس فرقة التشكيلات المخصوصة من ضباط أتراك مختارين بعناية ووضعها تحت إشرافه الشخصي، وانحصرت مهمتها في البداية في تنفيذ عمليات فردية ضد القوات الإنجليزية في مصر ثم توسعت في أقاليم عربية ودول البلقان، وعلى الرغم من ذلك التقسيم الجديد فقد ظلت القاهرة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى المكان الأكثر نشاطا للتشكيلات خاصة مع شروع الأتراك وألمانيا في تنفيذ خطة عسكرية كبرى هدفها غزو مصر وطرد الإنجليز منها واستبدالهم بقوات ألمانية عثمانية، وكان التعويل في تنفيذ الخطة على العمل المخابراتي كبيرا للغاية.
ولما اندلعت الحرب في نوفمبر عام 1914، وبعد أن دخل العثمانيون في صف ألمانيا، أعلنت بريطانيا حمايتها على مصر في ديسمبر عام 1914 ما يعني خروجها رسميا من التبعية للدولة العثمانية والخضوع للاحتلال الإنجليزي المباشر. 
 
جواسيس تركيا يدعون لـ"الجهاد المقدس"
وضعت خطة الهجوم على مصر من قبل القائد الألماني كريس فون كريسينستاين وأبلغ بها أنور باشا في 10 أغسطس عام 1914، وكانت مهمة التشكيلات المخصوصة جمع المعلومات عن القوات البريطانية في مصر وتهيئة الأجواء في ليبيا والسودان تمهيدا للهجوم.
في سبيل ذلك عمل ضباط التشكيلات على تجنيد مجموعات كبيرة من العملاء وتدريبهم على تنفيذ عمليات في مصر وسورية وليبيا، مثل تجنيد العرب في سورية وسيناء في الجيش الرابع التركي الذي كانت تنقصه الأعداد اللازمة، وتدبير هجمات فردية ضد الإنجليز والطليان وقطع السكك الحديدية التي تستخدمها بريطانيا، وقطع خطوط التلغراف وخطوط الإمداد من مصر إلى سورية وليبيا. 
استخدم ضباط التشكيلات أسلوب "الحرب النفسية" ضد البريطانيين في مصر، حيث روج عملاء التشكيلات في القاهرة الأنباء حول تمركز القوات التركية في العريش بأعداد من 150 إلى 300 ألف جندي استعدادا للهجوم، وحاولوا جذب الجنود المسلمين في الجيش البريطاني للقتال إلى جانب الدولة العثمانية. 
أعمال التجسس تلك رافقتها دعاية أيديولوجية من عملاء التشكيلات لصالح العثمانيين، حيث تم تجنيد مجموعة من المشتغلين بالدين عبر المال لدعوة المسلمين إلى القتال مع "الخليفة العثماني محمد رشاد الخامس والجهاد ضد الكفار من الإنجليز والطليان"، وهي حيلة خبيثة إذ لم يكن العثمانيون يهتمون بأمور الدين بأكثر من شعارات يرفعونها من أجل تحقيق مكاسب دنيوية.
 
 
كان الجاسوس الألماني "ماكس فون أوبنهايم" المهندس الرئيس في الدعاية، وأصدر جريدة "الجهاد" لنشر مقالات تحرض على ما سماه "الجهاد الإسلامي" ضد بريطانيا، وداوم على دخول المساجد في زي رجل دين مسلم وإلقاء الخطب باللغة العربية التي أتقنها.
لم تؤت كل تلك الخطوات والدعاية ثمارها، وفشلت الحملة التركية الألمانية ضد قناة السويس ولم تقم الجماهير بالثورة في مصر، فيما فقدت حكومة الاتحاد والترقي السيطرة على الأمور بالدولة العثمانية ولم تنجح خطة القمع الممنهجة في التغطية على الهزائم الكارثية التي منيت بها جيوش إسطنبول في الحرب العظمى لتخسر وتطوي الأيام التشكيلات المخصوصة.
 
 
القصة لم تنته مع إلغاء "التشكيلات المخصوصة"، فقد تلقف مصطفى كمال أتاتورك الجهاز وأسس ما عرف باسم جهاز كاراكول (قوات اليد السوداء)، وورث نفس النهج القمعي للتشكيلات مع التوسع في عمليات الاغتيال، وظل الجهاز يعمل تحت مسميات عديدة حتى أصبح اسمه رسميا ميلي استخبارات تشكيلاتي أي جهاز الاستخبارات القومية عام 1965، ثم خضع للإشراف المباشر من رجب إردوغان عام 2017 ليكون أداة تنكيل واستبداد خاصة أن تركيا تشهد حملة قمع غير مسبوقة.
 
المصادر:
فيليب ستودارد، الحكومة العثمانية والعرب من 1911 إلى 1918
 

Qatalah