يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تختلف جنسية المحتل (إنجليز، فرنسيون، أسبان، بلجيك، عثمانيون،..)، دون اختلاف السياسات التي ينتهجها المحتل في كل زمان ومكان، للسيطرة على شعوب الدول المحتلة، أشهرها سياسة "فرق تسد"، التي انتهجها العثمانلي في حكم إمبراطورية مترامية الأطراف، تضم عشرات الأعراق، والأديان، والطوائف الدينية، حيث كان يضرب المسلم بالمسيحي، والأرثوذكس بالكاثوليك، والسني بالشيعي، والألباني بالصربي.

"الطائفية" كانت هي كنز العثمانلي، الذي ظل ينهل منه طوال قرون، ولم تكن السلطنة هي دولة الأتراك في المقام الأول، بل دولة السلطان وعائلته، لذلك كانت القومية التركية ذاتها خطراً على آل عثمان، الذين وظفوا الدين بشكل واسع في التعليم، من أجل تصنيف الناس دينياً بما يخدم السلطان، رأس الدين الإسلامي، كما روجت مؤسسته الدينية، وحارب العثمانلي التعليم الحديث لصالح "التعليم الطائفي"، الذي استغله الأجانب في التغلغل بين الأقليات، وتفتيت الشعوب القابعة تحت الحكم العثماني.

بعد استقلال البلقان عن الدولة العثمانية، دفع المسلمون ثمن جرائمه، دون أن يكون لهم ذنب، سوى أن العثمانلي لعب على وتر الطائفية خلال قرون احتلاله للبلقان، وربط بين الإسلام وبين جرائمه، حيث عزز "التعليم الطائفي"، الانقسام بين المكون الديمغرافي الكبير، وزاد من انقسام السكان في المناطق الجغرافية الواحدة، مما سمح للسلطان العثماني بتعزيز سلطته، وتقريب فئات على حساب أخرى.

المواطنة والطائفية
المواطنة، مفهوم حديث لم تعرفه الدولة العثمانية، بدلاً منه اعتمدت الطائفية، فنظرت للناس على أنهم أعضاء في جماعة طائفية، سواء كانت دينية أم عرقية، أم عرقية دينية، الفرد، وفقاً لطائفية العثمانلي، لم يكن له قيمة في حد ذاته، على عكس الدول القومية الحديثة، التي اعتمدت مبدأ المواطنة، القائم على الاشتراك في أرض محددة، وأهداف واحدة، تتعالى على التقسيم العرقي أو الديني.

التعليم الحديث، كان اللبنة الأولى في صرح القومية، فهو أداة الدولة الحديثة لتربية النشء على الوحدة القومية، والولاء للوطن، الإيمان بالقيم الحديثة التي تقوم على المساواة واحترام التنوع، لكن العثمانلي كان عدو التعليم الحديث الأول، ففيه نهايته، وقد كان محقاً في ذلك؛ إذ أن التعليم سيساهم في ظهور العقل النقدي، ويخضع أفعال الدولة للنقد، بما فيها نظام الحكم.

التعليم الطائفي، كان البديل المثالي أمام سلاطين آل عثمان، الذي يزيد من انغلاق كل طائفة، أو عرق على ذاته، وينمي مشاعر العداوة بينهم، وهو ما يجعل الجميع يلجأ للسلطان يطلب الحماية من الآخر، ليضمن العثمانلي عدم وجود "شعور قومي"، مما يضمن استمرار حكمه في البلاد العربية والبلقان، لكن القومية انتصرت في النهاية، وطردت العثمانلي من بلادها.

اليونانيون والبلغار
البلقان، كانت هي المسرح الأهم للعثمانلي في تطبيق التعليم الطائفي، حيث كان المسيحيون الأرثوذكس يتبعون الكنيسة اليونانية، التي كان مقرها في منطقة الفنار بالقسطنطينية، وخدمت الوحدة الأرثوذكسية العثمانيين لقرون، فقد كان البطريرك يعين برضا السلطان، ويُعتبر موظفاً ذا شأن هام في البلاط العثماني. 

هذا الوضع ظل مناسباً للعثمانيين، حتى استقلال اليونان 1832، لتصبح الوحدة الأرثوذكسية خطراً على السلطنة، بعدما تحول ولاء الأرثوذكس من الصرب والبلغار والألبان وغيرهم إلى الأمة اليونانية، لذا لجأ العثمانلي إلى "الطائفية" للسيطرة على شعب البلغار، لأن نمو شخصية بلغارية مستقلة كان أكبر خطر يهدد الوجود العثماني، بعد تزايد أهمية بلغاريا، كمورد للجيش العثماني بالحبوب والملابس والتجهيزات، بعد استقلال إمارتي ولاشيا ومولدافيا، اللتين كانتا تقومان بهذا الدور لمدة قرون.

التعليم الطائفي الأرثوذكسي، الذي كانت تقدمه الكنيسة اليونانية كان الحل العثماني، فقد عمل على أن يظل ولاء الشعب البلغاري للكنيسة اليونانية، على أن يستقل في هوية قومية، حيث كان التعليم الذي فرضته الكنيسة مضاداً للقومية البلغارية، وخادماً للأهداف العثمانية، لذا أصبح التخلص من السيطرة اليونانية هدفا للبلغار، فكانت أهداف القوميين التخلص من التعليم والمذهب اليوناني، والتخلص من الهيمنة السياسية للعثمانيين.

البلغار، كان عليهم التخلص من الثقافة اليونانية، كخطوة أولى نحو إقامة مؤسسات تعليمية علمانية، متحررة، فيما كانت الطائفية اليونانية تقوم على نشر اللغة اليونانية، ومحاربة اللغات القومية في البلقان، وهو نفس الهدف الذي دعمه العثمانلي، فبالنسبة للسلطنة كان المسيحيون هم يونانيين، مجرد رعايا يونانيين، لا حق لهم في قوميات مستقلة.

نخب البلقان، رأوا أن الحياة القومية تختنق بسبب ضغط بطريركية إسطنبول على الكنائس المحلية في بلاد البلقان، ومن هنا كان تأسيس كنيسة محلية (قومية) خطوة ضرورية في بلاد الصرب واليونان ورومانيا، ففي بلغاريا بدأت النخبة في إعادة تأسيس كنيستهم المستقلة منذ عام 1767، وفي 1845 بدأت محاولة إنشاء كنيسة بلغارية مستقلة في إسطنبول، ونجحت الجهود بصدور فرمان عام 1849 بحق الأمة البلغارية بافتتاح كنيسة لهم، وفي 1866 طردت الكنيسة البلغارية الأساقفة اليونانيين، وتمت المصادقة على إنشاء كنيسة بلغارية عام 1870.

تفتيت ألبانيا
السلطنة العثمانية، تعاملت مع ألبانيا بصفتها درعاً أمامياً في مواجهة النمسا، وإيطاليا لاحقاً، وعملت على تحويلها إلى أغلبية مسلمة حتى تربطها بإسطنبول، وتذيب شخصيتها البلقانية، وبلغت نسبة المسلمين 70 % بحلول الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وبلغت نسبة الأرثوذكس 20%، والكاثوليك 10%.

ألبانيا، كانت بالنسبة للسلطنة، خليطاً من الأديان، وليست دولة واحدة متنوعة الأديان، الدولة العثمانية نظرت إلى المسلمين على أنهم عثمانيين، والأرثوذكس بصفتهم يونانيين، والكاثوليك بصفتهم أتباع روما.

ألبانيا، شهدت تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة نهاية القرن التاسع عشر، أدت إلى نمو الشعور القومي بين مكونات الشعب، وكان المسلمون في طليعة الحركة القومية، بسبب معاناتهم من الضرائب، وطول مدة التجنيد، بجانب رغبتهم في الاستقلال عن مستقبل السلطنة المظلم.

العثمانيون، عمدوا إلى اتباع سياسة "فرق تسد" لمواجهة النمو القومي الألباني، واستغلوا صعوبة التواصل الجغرافي، والانقسام الديني، في تعزيز الانقسام داخل المجتمع الألباني، وقاموا بالفصل بين الطوائف الدينية، والتعامل معها وفق أسس دينية - طائفية، فحاربوا الدمج العرقي بين المسلمين والمسيحيين. 

التعليم، كان أداة العثمانلي في محاربة الهوية الألبانية، لكنه حاربوا التعليم المدني الحديث، الذي يجمع مكونات الشعب في مكان واحد، مقابل تشجيعهم كل طائفة على إنشاء مدارس خاصة، تعزز الولاء الديني، كما شن العثمانلي - بمساعدة الكنيسة الأرثوذكسية في الفنار - حرباً ضد اللغة الألبانية، وجعلوا التعليم باللغة العثمانية والعربية للمسلمين، وباللغة اليونانية للأرثوذكس، والإيطالية للكاثوليك. 

مرسوم التعليم لعام 1845 نص على قيام مدارس علمانية، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام التعليم الطوائفي، كما رفض الباب العالي إجازة المسلمين الألبان بإنشاء مؤسسات تعليم خاصة بهم، تدرس باللغة الألبانية، خوفاً من نمو ثقافة وطنية، كما فرض على الطوائف المسيحية اللغتين اليونانية والإيطالية، بمعنى إبقاء كل طائفة داخل ثقافتهم الدينية.

سياسة التعليم الطائفي، أدت إلى ظهور مدارس عدة جديدة في عصر التنظيمات، لم يكن من بينها مدرسة واحدة تدرس باللغة الألبانية، وفي عام 1878 ضمت سناجق فلورا وبيرات وجيروكاسترا 80 مدرسة عثمانية، و163 مدرسة يونانية، دون أية مدرسة ألبانية واحدة.

بطريركية الفنار اليونانية كانت تحارب ظهور لغة ألبانية مكتوبة، وعمدت منذ عام 1872 إلى نشر اللغة اليونانية بشكل واسع في ألبانيا، سياسة الحرب العثمانية على القومية الألبانية أدت إلى إيمان روادها بضرورة الاستقلال التام عن العثمانيين، وخاض الشعب الألباني "حرب كفاح" ضد الاحتلال العثماني، حتى نال استقلاله رغماً عن العثمانلي، بعد هزيمة الآخير في حرب البلقان عام 1912.

تغلغل أجنبي
قرون الطائفية العثمانية، كان لها آثر خطير، جعلت السكان لا يشعرون بالانتماء للدولة، بل لم يكن العثمانلي في نظرهم سوى محتل، تراضت الطائفة معه، من أجل البقاء فقط، ومن هذا الشعور تغلغلت الدول الأوروبية داخل السلطنة، فنصبت روسيا نفسها حامية للأرثوذكس، بينما تنافست النمسا وفرنسا على حماية الكاثوليك، وتدخل بريطانيا لحماية البروتستانت.

في لبنان، فرضت فرنسا رعايتها على الموارنة المسيحيين، بينما رعت إنجلترا الدروز، وأهملت السلطنة المسلمين، فوجدوا أنفسهم مهمشين بسبب الخضوع العثماني للأجانب.

العثمانلي، تورط في أحداث 1860 في لبنان وسوريا التي راح ضحيتها آلاف المسيحيين، في مذابح طائفية بين المسلمين والدروز من جانب والمسيحيين من جانب آخر، والتي كانت مثالاً على العاقبة الوخيمة التي تنتظر الدولة العثمانية، نتيجة تبنيها لسياسة "الطائفية" ومعاداتها للمواطنة.

روسيا، تدخلت في شؤون البلقان بحجة حماية الطوائف المسيحية، واتخذت من التعليم الطائفي وسيلة لنشر أفكار الثورة بين هذه الشعوب، وكان الروس موجودين في المؤسسات التعليمية الطائفية، يغذون مشاعر القومية، والعداء للعثمانيين.

العثمانلي، دفع ثمن عدم إنشاء مدارس قومية، تحترم المواطنة، يكون هدفها إنشاء مجتمع عثماني واحد، يتسع لجميع الاختلافات، وفي ذات الوقت يمنح هذه القوميات حق حكم بلادها، في إطار الدائرة العثمانية الأوسع، لأن ذلك كان يقطع الطريق على التدخل الروسي أو غيره.

كراهية المسلمين، كان ميراث العثمانلي في البلقان، وهو الأمر الذي عاد بالبلاء على المسلمين، حيث كانت البلقان بمثابة برميل بارود، انفجر مرات عدة خلال القرن العشرين، ونال المسلمون نصيباً من البلاء، بسبب الإرث التاريخي من الكراهية، تجاه كل ما هو مسلم، والمسؤول عن ذلك هو جرائم العثمانيين.

المصادر :


Qatalah