يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


حملات تعذيب وإساءة ممنهجة ضد نزلاء السجون، تنفذها عصابة رجب إردوغان، ضد خصومه ومعارضيه، موقع نورديك مونيتور السويدي رصد واقعة التنكيل بمعتقل مسن، تنهش جسده عدة أمراض، في القلب والرئتين، ويعاني من ضغط الدم ، ونزيفا في المخ.
الموقع السويدي المتخصص في الشؤون العسكرية والاستخباراتية، رصد معاناة رجل أعمال تركي، يدعى محمد أمين بيرم، يبلغ من العمر 71 عامًا، تم إلقاؤه في السجن بتهم ملفقة، ويعاني من سوء المعاملة في محبسه، وجمّدت السلطات حساباته المصرفية، حتى لا يتمكن من الإنفاق على زوجته المريضة، وأمه البالغة من العمر 98 عامًا.

تعذيب ممنهج
تكشف الانتهاكات، التي وثقتها أقواله في المحكمة، والتقارير الطبية التي حصل عليها "نورديك مونيتور"، عن تعذيب ممنهج، وإساءة معاملة، يتعرض لها الرجل السبعيني، وجميع المعتقلين في السجون ومراكز الاحتجاز.
يضيف الموقع السويدي، لم يكتفِ القاضي الذي عرض أمامه بيرم، بالسخرية منه ومن مرضه، ولكنه رفض السماع لأقواله، وتفنيد التهم الباطلة الموجهة له.
"نورديك" يعلق على ذلك بقوله: إن قضية بيرم واحدة من قضايا كثيرة، في حملة غير مسبوقة، ضد النقاد والمعارضين، من قِبل حكومة إردوغان.

اعتقال عشوائي
يروي الموقع السويدي في تقريره، أجواء الاعتقال العشوائي لرجل الأعمال المسن، وأنه مَثُل للمرة الأولى أمام المحكمة الجنائية الثالثة والثلاثين في إسطنبول، في 25 يونيو 2018 ، للإدلاء بشهادة دفاع، بعد أن أمضى عامًا رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة، في أعقاب مداهمة قامت بها الشرطة لمنزله، في الساعات الأولى من يوم 6 يونيو 2017، ثم اقتيد إلى معتقل في مقر الشرطة الرئيس في شارع فاتان في إسطنبول، وأمضى ثلاثة أيام رهن الاحتجاز، قبل أن يتم اعتقاله رسميًا، أثناء محاكمته أمام محكمة السلام الجنائية الخامسة في إسطنبول، بتهم ملفقة.
سلطات إردوغان، وجهت إليه التهمة المعلبة، وهي الانتماء إلى حركة جولن، وهي جماعة مدنية يقودها الداعية فتح الله جولن، المقيم في الولايات المتحدة، وتتهمه أنقرة بالوقوف وراء مسرحية الانقلاب الفاشلة، في صيف 2016.


بدون سجل جنائي
تم نقل بيرم أولًا إلى سجن متريس في بيرم باشا، بعدها تم ترحيله إلى سجن سيليفري سييء السمعة، بعد خمسة أيام من اعتقاله. 
لم يكن لدى الرجل السبعيني أي سجل جنائي، ولم يسبق له أن زار مقرا للشرطة في حياته. بعد تخرجه في أكاديمية فنون حكومية، عمل كمهندس معماري في جهة حكومية، لمدة 10 سنوات، قبل أن ينتقل إلى القطاع الخاص عام 1984.
 كان بيرم يدير العديد من مؤسسات الأعمال في إسطنبول، تعمل في البناء والبيع بالتجزئة، قال للمحكمة إن احتجازه لمدة 390 يومًا قبل المحاكمة تحول إلى عقوبة في حد ذاته، رغم أنه لم يدان بأية جريمة.
وصف بيرم أوضاعه المأساوية في مركز الاحتجاز، حيث كان يتقاسم زنزانة صغيرة مع شخصين آخرين، وقال إنه كان ينام على فراش على الأرض، وحُرم من الطعام الكافي والماء، ولم يُسمح له سوى بوقت قليل لاستخدام الحمام. وقال إنه عانى من مشاكل في القلب، وصعوبة في التنفس، واضطرت الشرطة إلى الاتصال بخدمات الطوارئ، بعد أن أبلغ زملاؤه بحالته، وتم نقله إلى غرفة الطوارئ في مستشفى إسطنبول التعليمي، ثم أعيد إلى مركز الاحتجاز.

سخرية القاضي
بينما كان بيرم يقاوم السقوط على الأرض، من شدة الإعياء وتأثير المرض، وهو يشرح ما حدث في يومه الثاني من الاعتقال، أثناء الجلسة، قاطعه رئيس المحكمة محمد ظافر تيرزي، قائلًا:" عليك الرد على المزاعم التي أثيرت في لائحة الاتهام"، فأجابه أنه سيرد عليها لاحقًا، وأنه يريد تسجيل ما مرّ به من إهانة وتنكيل، وتابع:"إن هذه كانت فرصته الأولى للتحدث بعد 13 شهرًا من الاحتجاز، في خرق فاضح لإجراءات المحاكمة.. وهنا قاطعة القاضي، قائلًا إنه أرسله إلى مجلس الطب الشرعي لتوقيع الكشف عليه. 
قال المعتقل المريض إنه سيتحدث عن ذلك أيضًا، رغم ذلك، نهره القاضي، وحذره من الاستمرار في الحديث ذاته، بحجة أن ذلك تعدٍ على وقت باقي المدعى عليهم في المحاكمة. 
"نورديك مونتيور" قالت إن تدخل القاضي كان انتهاكًا واضحًا لحقوق المتهم، وأنه أدلى بتصريحات سياسية، وأظهر تحيزه ضد المدعى عليه.
واصل بيرم سرد ما مرّ به في يومه الثاني من الاحتجاز، حيث تولى الكشف عليه أحد أطباء الباطنة، بعد إحالته من فحص غرفة الطوارئ في اليوم السابق، أمر الطبيب بعمل أشعة سينية، فتبين أن رئتي بيرم تُعانيان من مشاكل خطيرة، وقام بإحالته لأخصائي أمراض الرئة.
 شكا بيرم من خداع رجال الشرطة له، قائلا:" لم يأخذوني إلى المختص، وأخبرني الضباط أنهم سيأخذون أقوالي، ثم يفرجون عني فورا".
في يوم الاحتجاز الثالث، كان مقررا إطلاق سراحه بعد الإدلاء بأقواله، لكن المدعي العام أمر بنقله إلى المحكمة، وحكم القاضي بسجنه. 

مشاكل صحية 
تدهورت الحالة الصحية للمعتقل المريض، وتم نقله إلى الطوارئ تسع مرات، وكان يعاني من صعوبة في التنفس في زنزانته المكتظة بالزلاء، كما أصيب بمرض في كبده، بالإضافة إلى حالة سوء رئتيه، علاوة على مشاكل في المسالك البولية وارتفاع ضغط الدم، وآلام الظهر والساق.
وفقًا للطلب المقدم من نسرين أوزتورك، محامية بيرم، كانت رئتيه تعملان بكفاءة 40%، لكنهما كانتا مستقرتين، وتحت مراقبة الأطباء، قدمت نحو 6 سجلات من المستشفى، لإثبات حالته الصحية قبل الاحتجاز. 
ساءت حالة رئتيه في السجن، لأنه وُضع مع 40 شخصًا في زنزانة تتسع لـ 10 أشخاص فقط.
قالت محاميته، إن صحة موكلها تدهورت بشدة، لدرجة أنه تعرض لخطر الإصابة بنوبة قلبية، ونزيف في الدماغ، وشلل تام، ومع ذلك رفضت إدارة السجن نقله إلى مستشفى سيليفري الحكومي القريب، رغم تحديد عدة مواعيد، لإجراء الفحص الطبي، وتلقي العلاج هناك.
أحاله السجن إلى مستشفى الطب الشرعي، تديره الدولة، حيث قام أحد الأطباء بفحصه على عجل، وأقر أنه لائق للسجن، دون أن يفحصه جيدا.
المحامية طعنت في القرار، وطالبت بمراجعة شاملة من قِبل أطباء في مستشفى حكومي، لكن مسؤولي السجن رفضوا اصطحابه إلى هناك، التمست أوزتورك وموكلها الحصول على سجلاته الطبية من مستشفى السجن، حيث عولج عدة مرات في الطوارئ، لكن طلبهما قوبل بالرفض.

تهم ملفقة
واصل الموقع السويدي فضح سلطات إردوغان، وكشف أن أحد الأدلة التي قُدمت ضد المتهم، هو إيداع يعود إلى عام 2014 في حسابه ببنك آسيا، المملوك لمساهمين مقربين من حركة جولن. 
زعم المدعي العام أن الوديعة تمت بناءً على أوامر من فتح الله جولن، بعد اتهامات علنية من قبل إردوغان على المصرف.
نفى بيرم التهمة، وقال إنه يستخدم خدمات بنك آسيا منذ عام 1998، بسبب أسعاره التنافسية، وشروطه تناسب معاملاته التجارية، وأضاف أنه تلقى معاشه الحكومي على هذا الحساب المصرفي، وكذلك دفع الفواتير على نفس البنك.
أمين بيرم رجل أعمال معروف، في حي أسكودار في إسطنبول، بينما قالت المحكمة، إنه لا يستطيع حتى دفع ضرائب الممتلكات والبلديات، لأول مرة في حياته، لأن السلطات جمدت حساباته المصرفية، ووضعت رهنًا عليها، حتى لا يتمكن من تصفية أصوله، أو جمع الدخل من الممتلكات المؤجرة. 
وقال أمام القاضي: "لديّ زوجة مريضة تحتاج إلى رعاية مستمرة، وأم تبلغ من العمر 98 عامًا، وتحتاج أيضًا إلى رعاية ،ولا تعرف حتى أنني في السجن".
وأضاف أن المحكمة بحاجة إلى تحرير أصوله وممتلكاته، حتى يتمكن من جمع الدخل لدعم أسرته وتسوية ديونه، وأكد أنه لم يواجه مشاكل قانونية مع أي من شركائه التجاريين، ولم يكن لديه دين غير مدفوع، ما يعني أن سمعته ومصالحه التجارية دمرت، بعد اعتقاله غير القانوني.

جبل الجليد
حوكم بيرم في قضية شملت مجموعة كيناك القابضة، وهي شركة كبرى، وأكبر دار نشر في تركيا، استولت عليها حكومة إردوغان، بشكل غير قانوني، بتهم ملفقة تتعلق بالإرهاب، في نوفمبر 2015.
كانت كيناك، وهي مجموعة تدير 22 شركة كبرى، تحت مظلتها، مملوكة وتُدار من قِبل رجال أعمال تابعين لحركة جولن، اتهم المدعي العام بيرم في ملف القضية بالقيام بأعمال تجارية مع كيناك والشركات التابعة لها، رغم ذلك، قدم الدفاع مستندات تُظهر أنه لا علاقة له بأي من تلك الشركات، لكنه تبرع لمنظمة تابعة لحركة جولن، عندما كانت علاقاتها جيدة مع الحكومة.
إساءة معاملة المعتقل المسن، والتنكيل به في السجن، وثقتها شهادته، وبيان الدفاع في قائمة المحكمة رقم 2018/82، ليست سوى قمة لجبل الجليد، تخفي تحتها جرائم التعذيب الممنهج في سجون تركيا، رصدتها تقارير الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، في السنوات الأخيرة.

Qatalah