يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لا يكف أذناب العثمانيين عن تشويه الثورة العربية الكبرى عام 1916، التي محت الطغيان التركي في بلاد العرب، فتراهم يتباكون ليل نهار على سقوط دولتهم، ويخونون الثوار العرب الذين قدموا دماءهم فداء لأوطانهم لتخليصها من نير الأتراك. 
يأسف المتباكون على دولة الخلافة المزعومة لقيام الثورة العربية، وزوال حكم السفاح العثماني جمال باشا، في تنكر ظاهر لدماء الشهداء الذين سقطوا في ميادين بيروت ودمشق وحلب على يد العثمانيين، وتبقى الثورة العربية الكبرى شاهدة على معاناة الشعوب العربية على أيدي الأتراك المحتلين، وصوتا حرا لرفض الاحتلال التركي البغيض.

شروق شمس العرب
حرص الأتراك على محو شخصية العرب وقتل روح الحرية فيهم بممارسات البطش والقمع والاستبداد التي أنهكت الروح العربية، فسكنت وقبلت مرغمة بالاحتلال التركي، الذي غره سكوتهم، فظن أنهم شعب خانع، وزاد في تحقيرهم، حتى صارت كلمة عربي مرادفة لمعنى الانحطاط في قاموسهم.
ترجم الأتراك احتقارهم للعرب إلى مصطلحات في لغتهم، فصار أهل الحجاز هم "ديلنجي عرب" أي العرب الشحاذين، وأهل مصر "كور فلاح" أي الفلاحين الأجلاف، وعبروا بكلمة "عرب" عن العبيد، وقصدوا بـ "بيس عرب" العرب القذرين، حسب جورج أنطونيوس في كتابه "يقظة العرب".
لم يعترف العثمانيون للعرب بأية حقوق، ولم ينظروا إليهم إلا عبيدا وفلاحين، فأيقن العرب أن الخلاص من ذلك الاحتلال الجاهل لا يكون إلا بالثورة، ورد المحتل بالبطش على مطالب العرب المشروعة، فقتل وعذب ونفى أحرار العرب ومثقفيهم، وجوع شعب الشام حتى قتل منهم 350 ألف عربي في مجاعة 1915.
انكشف الحقد التركي للعرب من خلال دعوى عنصرية العرق التركي التي نشطت مع الشباب الأتراك وحكومة الاتحاد والترقي، وذكر الكاتب التركي جلال نوري مقتطفا من الدعاية التركية ضد العرب في كتابه "تاريخ المستقبل" ويقول "يجب على الحكومة أن تكره السوريين على ترك أوطانهم، وأن تحول اليمن والحجاز إلى مستعمرات لنشر اللغة التركية، التي يجب أن تكون لغة الدين، ولا بد لنا من أجل الدفاع عن كياننا أن نحول جميع الأقطار العربية إلى أقطار تركية، لأن النشء العربي الحديث صار يشعر بعصبية جنسية، وهو يهددنا بنكبة عظيمة يجب أن نحتاط لها".
شهدت الفترة من 1908 إلى 1916 سياسة تركية شديدة العداء تجاه العرب، وشرع حزب الاتحاد والترقي الحاكم في تعيين ولاة أتراك يتصفون بالقسوة في البلدان العربية المحتلة مثل جمال باشا في الشام ووهيب باشا في الحجاز وفريد بك في البصرة، وصدر قرار بإلغاء امتيازات الحكم المحلي للحجاز، وبدأت حملات القمع ومطاردة الإصلاحيين العرب، وكانت ذروة القمع هي حالات الإعدام التي نفذها والي دمشق بحق المئات من وجهاء ومثقفي ومفكري العرب، حسب أمين سعيد في كتاب "الثورة العربية الكبرى".

شرارة الثورة
"اعلموا أيها العرب أنه تأسست جمعية فدائية تقتل كل من يقاتل العرب، ويقاوم الإصلاح العربي، وتتبنى مبدأ الاستقلال التام، وتأليف دولة عربية لامركزية، تعيد سالف مجدنا الغابر"، بهذا النداء دعت المقاومة العربية في بلاد الشام إلى الثورة على الاحتلال التركي، حسب كتاب "الثورة العربية الكبرى".
غلت النفوس العربية من الغضب إزاء ذلك البطش التركي، وأيقن الجميع بحتمية الثورة، ويقول أمين سعيد في كتابه :"نفد صبر العالم العربي لما نزل بعرب الشام، ولجأ بعض رجالهم من الذين أفلتوا من قبضة الظلم والإرهاق إلى العراق ومصر والحجاز، وكان لهم يد كبيرة في إثارة الرأي العام على الترك، وفي إعداده للثورة".
تبنى الشريف حسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، دعوة القوميين العرب، وتحمس لها ولده فيصل، الذي كلفه أبوه بالاتصال بالثوار العرب في الشام من المدنيين والعاملين في الجيش. وكان الشريف حسين منذ عام 1898 قيد الإقامة الجبرية في الآستانة، بأمر من السلطان عبد الحميد، ضمن سياسته لتدمير الروح العربية، كما ذكر جورج أنطونيوس في كتابه.
تولى الشريف حسين حكم الحجاز عام 1908، وشرع على الفور في تدعيم استقلال العرب عن الأتراك، وتوطدت علاقاته بآل البكري من وجهاء دمشق، وزار أحمد فوزي بك البكري مكة 1914، وقص على مسامع الشريف الحسين وجود جمعيات عربية سرية منظمة في الشام والعراق تعمل على استقلال العرب، ومن هنا كان اتصال الحسين بالثوار.
تولى الأمير فيصل بن الحسين التنسيق مع الجمعيات العربية، وعمل على إصدار عفو عن المحكوم عليهم بالإعدام من معتقلي جبل عالية من العرب عام 1916، إلا أن البطش التركي لم يستجب لمطالبه الإنسانية.
اتجهت أنظار الثوار العرب إلى الحجاز، بعد أن فرق السفاح التركي جمال باشا شمل الضباط العرب في الشام بالقذف بهم إلى خطوط القتال، ولقي كثير منهم حتفهم، واستقدم فرقا عسكرية تركية ليعزز سلطة الترك، كما قبض على قادة الحركة القومية وأعدم معظمهم، كل ذلك أدى لصعوبة انطلاق شرارة الثورة في الشام، وهو ما أدركه الشريف حسين.
بدأت الاتصالات بين الشريف حسين وبريطانيا منذ عام 1914، عن طريق عبد الله بن الحسين، ويميل المؤرخون الأتراك وأذنابهم من المتباكين على البطش العثماني الزائل أن يصفوا هذا التواصل بـ "الخيانة"، ولم يكن أمام العرب من بديل، ولكنها عادة الخانعين من الإسلام السياسي لتشويه كل رموز الحركات الوطنية العربية إرضاء لسيدهم التركي.
الملام الأول عن تفتيت الدول العربية هم الأتراك، الذين حرموا العرب من التعليم والوظائف، ومنعوهم من حكم أنفسهم، وعاثوا فسادا وخرابا في ديارهم، حتى غدت بلدانا ضعيفة فقيرة، لا حيلة لديها لمواجهة أطماع الدول الكبرى، بل إن تركيا ذاتها كانت عاجزة أمام اليونان وبريطانيا، فبأي منطق يتهمون الثورة العربية بأنها السبب في تفتيت العرب.
دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914، دون أن يدرك كبارها واقع ضعفهم واستحالة تحقيق أية مكاسب، وحاول الأتراك توريط العرب والشعوب المسلمة بدعوى "الجهاد ضد الكفار"، ولكن الشريف حسين رفض دعوة العثمانيين وقرر قيادة الثورة العربية الكبرى، وجرى التنسيق مع الثوار في الشام، ولم يقبل بالتعاون مع بريطانيا إلا بعدما أخذ العهود والمواثيق بضمان استقلال العرب بعد انتهاء الحرب، حسب كتاب جورج أنطونيوس "يقظة العرب".

طرد المحتل التركي
اندلعت الثورة العربية في 5 يونيو 1916، في وقت اشتد فيه القمع التركي بحق القوميين العرب، وزحفت فرقة عسكرية تركية قوامها 3500 جندي إلى الحجاز، ولم يأمن الحسين من غدر الأتراك، فصدرت الأوامر بالاشتباك معهم ومنعهم من التقدم، كما جاء في كتاب "يقظة العرب".
استطاع الحسين أن يوحد القبائل العربية خلف مطلب الاستقلال، ويقول جورج أنطونيوس :"عند شروق الشمس في اليوم الخامس من يونيو ركب الأميران فيصل وعلي وحشدا 1500 من الجنود، وأعلنا باسم الشريف حسين أمير مكة استقلال العرب عن الحكم التركي".
امتدت الثورة إلى مكة في 10 يونيو، وهاجم جنود الأمير حسين الثكنات التركية التي سرعان ما انهزمت أمام الهجمة العربية، ورفعت راية الاستسلام وانتصر العرب. وفي جدة هاجم الثوار الحامية التركية، وفي المدينة استعد فخري باشا لمواجهة الثوار، وعمد الترك إلى تفرقة العرب بعزل الشريف الحسين وتعيين الشريف علي حيدر مكانه.
تجمع 10 آلاف جندي تركي في المدينة يقودهم ضباط أكفاء بهدف سحق الثورة العربية، غير أن البطولات العربية أفشلت مخططات فخري باشا قائد الأتراك، وصمد الثوار بقليل من السلاح وانعدام التدريب أمام القوات التركية البالغة 20 ألف مقاتل.

تحرير الشام
تسلل الرعب إلى نفوس الأتراك أمام الثورة العربية، وكان السفاح جمال باشا أشدهم حسرة وتألما، لأنه أدرك أنه كان مخدوعاً من الحسين. وانضم الضباط العرب في الجيش التركي إلى الشريف حسين، ووصل عزيز بك المصري إلى مكة ثم سافر إلى رابغ لإنشاء جيش عربي نظامي لمواجهة الهجوم التركي هناك، وانضم إليه نوري السعيد وحلمي البغدادي وجميل الراوي، وتكون الجيش في البداية من فوجين من المشاة وفوج رشاش وبطارية مدفع، حسب أمين سعيد في كتابه "الثورة العربية الكبرى".
حقق العرب انتصارات باهرة على الأتراك، رغم الفقر الذي كانت تعانيه في التسليح، حيث أخذت 6 آلاف أسير تركي وحاصرت حامية تركية بالمدينة قوامها 14 ألف جندي وأخرى في تبوك قوامها 5 آلاف جندي، وانتهت المرحلة الأولى من الثورة باحتلال مدينة الوجه في الحجاز وطرد الأتراك من الجزيرة العربية لتبدأ المرحلة الثانية من الثورة باحتلال العقبة والتقدم نحو الشام.
انهزم الغرور التركي أمام شجاعة العرب، وقال بصري باشا محافظ المدينة :"لقد انتصر الذكاء العربي في هذه المعركة على الذكاء التركي وفاز عليه". وشكّل فتح العقبة نقطة تحول في الثورة العربية، فتحالف جيش الأمير فيصل مع قوات الحلفاء في الهجوم على الشام لطرد الأتراك، وانضم الفيلق العربي المكون من 600 ضابط وجندي عربي كانوا في الجيش العثماني سابقا إلى ساحة المعركة في الشام، وفر الجنود العرب من الجيش التركي وانضموا لإخوانهم في ثورة التحرير.
استبشر العرب في الشام بتقدم القوات العربية مع قوات التحالف، وسهلوا من مهمة تقدمهم وكانوا يحيون الجنود تحية حلفاء محررين، وتطوعوا بنقل أخبار العدو التركي لقوات الأمير فيصل. وحين دخلت قوات التحالف القدس رحب بهم السكان.
كبدت ثورة العرب الأتراك خسائر باهظة، وكان بينهم حسب تقديرات 4 آلاف و800 قتيل و1600 جريح و800 أسير. وبحلول 1918 انتظم للأمير فيصل جيش عربي قوامه 8 آلاف  مقاتل نظامي من سورية وفلسطين والحجاز والعراق، فضلا عن جيش كبير من القبائل العربية، وتقدم محققا سلسلة من الانتصارات في الأردن حتى وصل إلى دمشق.
حققت الثورة العربية أهدافها وطردت المحتل التركي، فتطلع العرب لإقامة أمة عربية موحدة تضم الشام والجزيرة العربية والعراق وفلسطين، غير أن المؤامرات الدولية حالت أمام وحدة العرب، فوقعت سورية تحت الاحتلال الفرنسي، والعراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني.

Qatalah