يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


صفعة روسية هوت على وجه العثمانلي في معاهدة كيتشوك قينارجه، حيث نجحت الإمبراطورة الروسية، كاترين الثانية، في إذلال إسطنبول، وقضمت قطعة واسعة من أرضها، وتحصلت على امتيازات تجارية وسياسية، بالإضافة لحق المرور عبر المضايق بكل حرية.
العثمانلي لم يتعلم من الصفعة شيئا، وبعد 13 عاما قرر أن يجرب استعادة كرامته، وأعلن الحرب على روسيا عام 1787، ظنا أن بإمكان عامل المفاجأة كسب الحرب، لكن كاترين العظمى وقفت بالمرصاد وهزمت العثمانيين في مواقع عدة، ودخلت النمسا الحرب واحتلت صربيا وتوحدت قيادة الدولتين ضد العثمانيين، بينما كانت فرنسا حليفة السلطان منشغلة بمواجهة الاضطرابات الداخلية.
الزحف على القسطنطينية، والذي كان هدف الروس والنمساويين، أصبح حلما قريب المنال لولا اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، التي أجبرت النمسا على توقيع الصلح مع العثمانيين لمواجهة الخطر الفرنسي، بينما ظلت روسيا في الميدان تسحق العثمانيين، وتدخلت إنجلترا وهولندا وضغطتا على الروس لإنهاء الحرب، والالتفاف لمواجهة الخطر الفرنسي، واستجاب الروس بعدما حصلوا على امتيازات كبيرة.
الثورة الفرنسية شغلت أوروبا في عقود من الحرب التقطت خلالها السلطنة أنفاسها، وأجرت إصلاحات داخلية ساعدتها على البقاء قرنا آخر.
 
إنذار الحرب
معاهدة كيتشوك قينارجه كانت تقتضي بإنهاء الحرب بين العثمانيين والروس عام 1774، مقابل تنازل السلطان عبد الحميد الأول، عن القرم بيسارابيا (في رومانيا) ومنحهم الاستقلال، وحصول روسيا على عدد من الامتيازات التجارية والملاحية والسياسية.
مرارة الهزيمة وذل المعاهدة لم تبارح ذهن السلطان وعمل على تحين الفرصة لشن حرب ضد روسيا لاستعادة شرفه والأراضي المنزوعة منه، واستغل ضم روسيا للقرم وزيارة الإمبراطورة إليها وعدم استعداد جيشها للحرب، وقام ببعث إنذار إلى جولغاكوف السفير الروسي في القسطنطينية يطلب منه تسليم حاكم الفلاخ، مورو كرداتو، الذي لجأ إلى روسيا والتنازل عن الحماية على بلاد الكرج، وعن حق عدم تفتيش مراكب روسيا التجارية.
السفير طلب مهلة لإبلاغ دولته بالمطالب العثمانية، لكن الباب العالي لم ينتظر وقبض عليه، فقد كان يعرف مسبقا أن روسيا ترفض ذلك، والبلاغ لم يكن سوى حجة لإعلان الحرب.
مجلس الحرب العثماني أعلن الحرب على روسيا في أغسطس عام 1787، وصدرت فتوى من شيخ الإسلام مفتي زادة أحمد أفندي، بإعلان الجهاد ضد روسيا، وامتلأت المساجد بالخطب والمواعظ لحث الناس على الجهاد.
صدرت توجيهات السلطان بالاستعداد للحرب وتقوية القلاع ومصادرة السفن الروسية الموجودة في موانئ الدولة، الأسطول العثماني تحرك صوب البحر الأسود، وبدأت الحرب التي كان السلطان عبد الحميد الأول يعلق آمالا عظيمة على نتائجها.
 
هزائم منكرة
أول المعارك بدأت بتحرك والي أوزي، إسماعيل باشا، نحو قلعة قلبرون، مهاجما إياها بـ6000 آلاف جندي، إلا أن استماتة الروس في الدفاع عنها كبد العثمانيين خسائر كبيرة.
الجنرال بوتمكين كان قائد القوات الروسية أدرك عدم استعداد قواته للحرب، فكتب إلى كاترين العظمى يطلب إخلاء القرم، خصوصا أن جوستاف الثالث، ملك السويد، أعلن الحرب بدوره عليها، على أمل استعادة ما فقده من المقاطعات.
لم تكن كاترين بالحاكم الذي يستسلم بسهولة، فقد أذلت العثمانيين برا وبحرا منذ ثلاث سنوات، وعلى الرغم من عدم استعداد جيشها، فقد أمرت الجنرال بوتمكين بالتقدم لاحتلال مدينتي بندر وأوزي، فحاصرهما، ونجح في نوفمبر عام 1788 من دخول مدينة أوزي.
النصر الروسي كان له وقع سييء على العثمانيين الذين فقدوا آلاف الجند في الدفاع عنها، وانهارت روح الجنود المعنوية، بينما تقدم الروس واحتلوا قلعة خوجا باشا وأوديسا وقلعة خوتين.
النمسا من جانبها أعلنت الحرب على العثمانيين، وتقدمت بجيشها صوب بلغراد، مما سبب إرباكا للآمال العثمانية، لكن الثقة عادت إلى السلطان قليلا حينما وصل مندوب ملك السويد للتنسيق العسكري ضد روسيا وطلب مساعدة مالية، فقدم إليه السلطان مليار آقجة.
الصدر الأعظم قاد القوة الأساسية من الجيش، وتحرك صوب النمسا بهدف تنحيتها من الحرب، وهاجم النمساويين في منطقة "شيش"، وكان النصر من نصيبه لكن لم يتمتع طويلا به فقد أعاد النمساويون تجميع صفوفهم استعدادا لرد الهجوم.
 
23 ألف قتيل
ردا على التنسيق العثماني - السويدي، تحالفت النمسا مع الروس وتم دمج قيادة الجيشين، وتقدمت قوات الحليفين لمواجهة العثمانيين في موقعة "بوزو"، وأنزلت بهم هزيمة ساحقة، راح ضحيتها 23 ألف جندي عثماني، وفر الباقون يجرون أذيال الهزيمة، وعلى إثر النصر احتلت النمسا بوخارست عاصمة الأفلاق، واستولى الروس على ياش، عاصمة بغدان، وتبعها سقوط بلغراد بيد النمسا.
في جنوب بيسارابيا، قاد الجنرال بوتمكين هجوما كبيرا استولى خلاله على أهم أربع قلاع دفاعية في دلتا الطونة، بين بيسارابيا ودوبروجه، وهي كيلي وإسماعيل وأيساكجي، وتولسي.
سيل الانتصارات الروسية لم يتوقف، وتمكنوا من السيطرة على شمال وشرق البحر الأسود، وأنزل أسطول كاترينة العظمى هزيمة كبيرة بالأسطول العثماني الذي هرب إلى البوسفور، وأصبح البحر الأسود بحيرة روسية.
قوات روسية بقيادة الأمير ريبنين، سيطرت على مفتاح الممرات الجبلية الموازية للدانوب، بعد سحق الدفاعات العثمانية عام 1791. أمام هذا الوضع العثماني المتدهور والتفوق الروسي الكاسح، خشيت بروسيا من توسع النفوذ الروسي وحركت جيشها إلى الحدود معها، وضغطت لإجراء محادثات صلح ووقف الحرب في محاولة لإنقاذ العثمانيين.
 
الثورة الفرنسية
بينما الحرب مشتعلة وكاترين الثانية تداعبها أحلام انتزاع القسطنطينية من العثمانيين، وقع حادث كبير في أوروبا مهددا جميع دولها، حيث اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 ليتم خلع لويس السادس عشر، والقضاء على الملكية.
الثورة كانت زلزالا هدد عروش ملوك وأباطرة أوروبا، فسعوا إلى إيقاف الحرب مع العثمانيين، والتحالف سويا ضد الفرنسيين وضد انتقال عدوى الثورة إلى بلاد أخرى، وخشي إمبراطور النمسا ليوبولد الثاني من تفجر الثورة في بلاده نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية، فقبل بتوسط بروسيا وإنجلترا وهولندا ووقع معاهدة صلح ابتدائية عام 1790، صارت نهائية العام التالي وعُرفت باسم "معاهدة زشتوي"، وفيها تم إقرار السلام بين الطرفين وأعادت النمسا للسلطنة بلغراد وأراضي الصرب وغيرها من البلاد التي استولت عليها في الحرب.
روسيا لم تتبع النمسا في الصلح، وأصرت على استمرار الحرب لتحقيق أهدافها، لكن الخطر الفرنسي أجبر إنجلترا وبروسيا وهولندا على الضغط على الروس لإنهاء الحرب، والانتباه إلى الاضطرابات السياسية في فرنسا، وبالفعل استجابة للوساطة ووقعت معاهدة "ياش" عام 1792 بعدما حصلت على الاعتراف بضم القرم لها من السلطان، وضمت مدينة أوزي وردت إلى السلطنة جزءا من الأرض التي احتلتها.
هكذا أنقذت الثورة الفرنسية العثمانيين وأطالت عمر دولتهم قرنا آخر، فقد وأوقفت مشروع تقسيم السلطنة الذي اتفقت النمسا وروسيا على تنفيذه، والذي أوشك أن يصبح واقعا بفضل الانتصارات التي حققوها.

Qatalah