يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


26 نوفمبر 2018 الجغرافيا السياسية تخذل تركيا فى ليبيا والسودان

تسببت سلسلة من التطورات الإقليمية والدولية فى إزالة الكثير من العقبات الجغرافية، ولم تعد المسافات البعيدة حاجزا أمام انخراط، أو عدم انخراط، بعض القوى فى أزمات وفى صراعات مختلفة، للبحث عن النفوذ أو للحفاظ على المصالح الاستراتيجية.

الدول الكبرى انتبهت مبكرا لهذه المسألة، وعبرت بحارا ومحيطات وجبالا ووديانا وتخطت الكثير من الممانعات، ونجحت فى الوصول إلى مناطق تبعد عن بلدانها الآلاف من الكيلومترات، وعندما تراجع نفوذها مباشرة، حرصت على الاحتفاظ بأدوات متباينة للنفوذ غير المباشر، لتتمكن من عدم تعرض مصالحها للخطر.

كانت هذه التوجهات مقصورة على قوى كبرى، وتبلورت ملامحها بوضوح خلال الفترة الاستعمارية، ثم القوى التى ورثتها. ومن السهولة الوصول إلى نماذج وحالات خرقت فيها بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا الجغرافيا السياسية فى مناطق متعددة. ومن السهولة أيضا تأكيد ذلك فى الفترة التى تلت خروج الاستعمار بمعناه التقليدى، خاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى.

الجديد أن القواعد السابقة جرى كسر مجموعة كبيرة من ثوابتها، واشتبكت قوى متباينة للتدخل فى بعض النزاعات، وعدم الاعتداد بفكرة الجغرافيا المتعارف عليها فى الأدبيات السياسية، وأضافت إلى أرصدتها بلدانا تتجاوز حدود دول الجوار، التى تمثل أهمية كبيرة لمصالحها وأمنها القومى، وذهبت إلى مناطق نائية لتوفير ذلك ولو بصورة غير مباشرة.

الجديد أيضا أن دولا عديدة، أقل وزنا عسكريا وشأنا سياسيا، دخلت الحلبة العالمية، وباتت تناطح قوى كبرى فى خرق حدود الجغرافيا، مستفيدة من التشابكات المتعاظمة فى المصالح، والتطورات المتلاحقة فى فضاء العولمة الذى جلب لها قدرة على التوسع والانتشار.

هناك دول تتحرك على هذا المستوى بالتنسيق والتعاون مع قوى كبرى، تمنحها إشارات وتمهد لها الطرق وتدعمها بوسائل عديدة، لتتقدم وتقفز على الحواجز والمصدات، ما يمكنها من تحقيق نجاحات، وتثبيت أركان وجـودها بصورة سلسة، تجعل من فكرة الحديث عن تجاوز حدود الجغرافيا السياسية عملية هامشية، لأنها تمت بطريقة تتماشى مع الكثير من التوازنات العالمية.

المشكلة فى نوع آخر من الدول على قناعة تامة أن أمنها يبدأ من خارج الحدود، ويتزايد كلما انطلق من مسافات بعيدة، وقامت إيران باتباع هذه السياسة، ولم تكتف بدول الجوار القريبة منها، مثل العراق وسورية ولبنان، بل مدت بصرها إلى ما هو أبعد، مثل اليمن والسودان، ودول أخرى فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

التطلعات المتزايدة لطهران استفادت من السيولة الطاغية فى مناطق كثيرة مليئة بالصراعات، ومن التغيرات فى معادلة القوى على المسرح العالمى، ما مكّن دولة كإيران أن تحلم ليكون لها موطئ قدم فى دول كثيرة، لكنه جعل بعض القوى تتيقن أن تنامى نفوذها خارج نطاق الجغرافيا يمثل خطرا داهما، وبدأت طهران تعانى من ويلات جموحها الزائد.

ظلال الجغرافيا السياسية لم تكن بعيدة عن تركيا، وخرقتها بالفعل منذ أيام الدولة العثمانية عبر طموحاتها الكبيرة فى الهيمنة، وعادت الفكرة تطل برأسها فى السنوات العشر الماضية، وعندما وجدت أنقرة حلمها الآسيوى القريب يصطدم بمعوقات استراتيجية، تراجعت واهتمت بترسيخ أقدامها فى الفضاء الجغرافى المباشر، فذهبت إلى العراق وسورية وقبرص واليونان.

تركيا الجامحة فى عهد الرئيس رجب طيب إردوغان، تضع نصب أعينها عملية التمدد على أساس يتجاوز حدود الجغرافيا، باعتبارها وسيلة للدفاع عن الأمن، وأداة للاحتفاظ بأوراق بعيدة يمكن أن تتحول إلى منغص لدول تعتقد أنها تناكفها فى محيطها القريب.

العلاقة المتصاعدة بين أنقرة، وكل من ليبيا والسودان، تتخطى حدود المشهد الأيديولوجى، فالقاعدة الإسلامية التى تربط حزب العدالة والتنمية فى تركيا وجماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامى عموما فى ليبيا، ليست الدافع الوحيد للاقتراب من طرابلس، أو دعم بعض القـوى المتقاتلة هناك.

أنقرة لديها شبكة كبيرة من المصالح الاقتصادية والسياسية، تدفعها نحو امتلاك مقاربة للتدخل فى الأزمة الراهنة، فليبيا ساحة واعدة للاستثمار، وأداة يمكن أن تكون وسيلة لمناكفة مصر، التى تتصور تركيا أنها خرقت المجال الحيوى لجغرافيتها عندما اقتربت من اليونان وقبرص، وعقدت معهما تحالفات اقتصادية للاستفادة من غاز شرق البحر المتوسط، ووقعّت اتفاقيات عسكرية للدفاع عنه.

التصور التركى حيال ليبيا لم يلتفت جيدا إلى مصالح قوى كبرى معقدة هناك، وأن أحلام أنقرة التى تبدو قريبة قد تصطدم بها، لأن قوى مثل إيطاليا وفرنسا ترى ليبيا مجالا حيويا، وكان تمادى تركيا فى إشعال الموقف العسكرى فى طرابلس مؤخرا تطورا خطيرا، يؤدى السكوت عليه إلى المزيد من خلط الأوراق، وجرى توجيه إشارة حادة إلى أنقرة، تتمثل فى استهداف قادة الكتائب المسلحة المنحازة لها، لقطع إحدى أذرعها العسكرية.

يبدو أن الرسالة التى وصلت إلى أنقرة خلال مؤتمر باليرمو الخاص بالأزمـة الليبية، حيث جـرى تهميشها، ثم فى طرابلس عبر استهداف ميليشيا تابعة لها، لم يتم استيعاب معانيه جيدا، وبدلا من أن تتيقن أن هناك قوى لن تسمح لها بالتلاعب خارج جغرافيتها القريبة، راحت تستعيد زمام مناكفتها من خلال قناة السودان مرة أخرى.

الهدوء الذى خيّم على علاقات الخرطوم بأنقرة فى الأشهر الماضية، لا يعنى لكثيرين أن فتورا سياسيا وقع بينهما، لكنه مجرد انحناء لملامح عواصف هبت على النظام السودانى من قبل مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث رأت هذه الدول أن تكريس أقدام تركيا فى البحر الأحمر يعدّ تهديدا لها، ولذلك فضلت الخرطوم التمهل فى توظيف الورقة التركية المهمة، معتقدة أن النأى بنفسها، مؤقتا، ربما يجلب لهـا مكاسب إقليمية كبيرة.

الرئيس السودانى عمر حسن البشير، تمكن من أن يعيد تحسين علاقات بلاده مع دول عديدة، وكان يطمح إلى تحقيق المزيد من تطويرها مع الولايات المتحدة الأميركية فى ملف الإرهاب، وجنى مكاسب أخرى من دول عربية تعول على الاستثمار فى السودان، وعندما وجد تباطؤا، قام بتنشيط علاقاته مع أنقرة، التى وجدت فيها فرصة لتجديد طموحها وترسيخ فكرة القفز على الحواجز الجغرافية.

ربما تكون الخرطوم راغبة فى تجديد دماء علاقتها مع أنقرة للحصول على مزايا اقتصادية، أو حض الدول التى تراهن على جذب السودان إلى معسكرها ومساعدته بسخاء.

لكن المؤكد أن تركيا تنتهز الفرصة لتعزيز وجودها فى حوض البحر الأحمر وما حوله، لأنها ترى أن هذه المنطقة مجال لمصالحها، وقد يؤدى زيادة نفوذها إلى ردع دول أخرى، مثل مصر، وإبعادها عن غاز شرق المتوسط وإجبارها على تفكيك تحالفها مع قبرص واليونان.

التصورات التركية فى كل من ليبيا والسودان، يمكن أن تسبب منغصات للقاهرة، وتضطرها إلى الدخول فى تفاهمات مع أنقرة، غير أن المشكلة أن التحركات خارج نطاق الجغرافيا السياسية المباشرة، تتماس سلبا مع مصالح قوى كبرى، ما يجعلها لا تتردد فى كبح طموحات تركيا، والضغط عليها بحسم للعودة والانكفاء على نفسها، فى ظل علاقاتها المتوترة مع دول كثيرة، والقلق الاستراتيجى الذى تنطوى عليه هذه الخطوات.

Qatalah