يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


جنون العظمة يسكن عقله ووجدانه، لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع غير صوته، يستهين بخصومه، مهما بلغت قوتهم، حتى تحطم غروره وأوهامه على صخور القوة والحقيقة، ورغم ذلك نأى بنفسه عن الإحساس بالمسؤولية، ملقيا باللوم كله على الجميع.

رأسه معجون بأفكار طورانية خبيثة، جعلته بجدارة مهندس إبادة الأرمن، وعدو العرب اللدود، والذراع اليمنى للاستخبارات الألمانية، فتلقى الرشاوى من برلين للزج ببلاده في آتون الحرب العالمية الأولى، وخاض معاركها ضد الروس متوهما بقدرته على النصر.

أحلامه الكبيرة لم تقده إلى أي انتصار طيلة مشواره العسكري، خسر معاركه واحدة تلو الأخرى، وراح يفرق دماء جنوده بين الجميع، حتى قاد السلطنة إلى طريق مسدود انتهت بسقوطها، إنه الجنرال أنور باشا وزير الحربية التركي خلال الحرب العالمية الأولى.

أنور باشا المولود 22 نوفمبر 1881 أحد أشهر الخونة الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى، أصله من أتراك كاكاووز، وهم فرع تركي منتشر في آسيا الوسطى والبلقان بصفة خاصة، يدين بالمسيحية، لكن جده السابع أسلم واتخذ اسم عبدالله، قبل أن يهاجر من القرم إلى إسطنبول.

لم يكن متفوقا في دراسته العسكرية في إسطنبول، وتأثر بأفكار ضياء كوك ألب أستاذ علم الاجتماع الطوراني الذي أثار القوميين الأتراك، ومن أشهر مقولات أنور :"وطن الأتراك ليس تركيا، ليس تركستان، إنما إقليم هائل عظيم وخالد، إنه طوران، وهو كل مناطق الأتراك في العالم".

دخل في علاقات مشبوهة مع الاستخبارات الألمانية بعد لقاءات عديدة مع سفيرها في إسطنبول، وطلب نقله إلى برلين كملحق عسكري، وخلال عمله هناك حضر مؤتمرات جمعية الاتحاد والترقي، وعاد إلى إسطنبول ليشارك في أحداث الفوضى بعد صعود الاتحاديين عام 1908.

تحالف مع طلعت باشا وزير الداخلية وجمال باشا وزير البحرية للسيطرة على مقاليد الحكم في إسطنبول، وشكلوا ثلاثي الشر والدمار في السلطنة، وقرروا المشاركة في الحرب عام 1914 بجانب ألمانيا، بغية تطبيق الأفكار الطورانية ومزاعم "تفوق وسمو العرق التركي".

تجنيد العرب
أنور باشا استغل الحرب العالمية الأولى للتنكيل بالعرب بتجنيدهم وتقديمهم قربانا لجيوش الحلفاء، وطبق قانون "التكاليف الحربية" على العرب عام 1914، كما ألزمهم بتقديم المؤن الغذائية للجيوش العثمانية، واستولى على ممتلكاتهم ومؤنهم ودوابهم اللازمة لسير الحرب.

أوكل مهمة تجنيد العرب إلى السفاحين جمال وفخري، فراحا يتشددان وينكلان بالعرب، ويجندان كل قادر على حمل البندقية حتى إذا كان أصغر من السن القانونية أو غير لائق بدنيا، كما أجبراهم على حمل الأمتعة الثقيلة إلى مسافات طويلة بدل استخدام الحيوانات.

بلغ عدد المجندين العرب في جيوش السلطنة خلال الحرب الأولى أكثر من نصف مليون عربي، وأقر قانون في سورية يقضي بإبعاد عائلات المعترضين على التجنيد الإجباري إلى الصحراء ثم قتلهم، وأرسل الآلاف إلى ساحات القتال دون تدريب أو سلاح وذخيرة.

عندما أوشكت إسطنبول على السقوط في قبضة بريطانيا لم يجد الباشا سوى إرسال آلاف العرب للدفاع عن المدينة بصدورهم العارية، كان الطريق إلى إسطنبول يستتبع المرور عبر مضيق الدردنيل، وتولى مصطفى كمال أتاتورك حينها قيادة الجيوش العربية.

الباشا أصدر أوامره لأتاتورك بالصمود في شبه جزيرة غاليبولي مهما كلفه من ضحايا، ووعده بإرسال آلاف العرب إذا لزم الأمر، فصاح أتاتورك في جنوده قائلا :"إني لآمركم أن تقاتلوا، بل آمركم أن تموتوا هنا"، وسقط العرب قتلى بالآلاف ذودا عن غاليبولي.

لولا تضحية العرب بـ250 ألف شهيد وأكثر من 50 ألف مصاب لسقطت إسطنبول أبريل 1915، وكافأ الباشا الطوراني العرب بإعدام مثقفيهم المعترضين على التجنيد الإجباري في دمشق وبيروت، فيما ارتكب فخري باشا مذبحة سفر برلك في المدينة.

كوت العمارة
الباشا تفاخر بنجاحه في معركة كوت العمارة في العراق أمام البريطانيين عام 1915، والحقيقة أنه كان انتصارا مؤقتا تبعته هزيمة وانسحاب كامل، وأرسل الباشا إلى بغداد 11 ألف جندي بقيادة الوالي السبع باشا، لكن القيادة الفعلية كانت للجنرال الألماني بارون كولتسو.

لم تدور معارك حقيقية على أرض كوت العمارة، لكن أنور نجح في حصار أهاليها الذين ألزمتهم السلطنة بتحمل تبعات الحرب دون أي دعم، وعانى السكان شهورا من الحصار والجوع، فضلا عن قصف المدينة بالمدافع العثمانية بحجة الضغط على القوات الإنجليزية.

مأساة كوت العمارة انتهت بانسحاب مؤقت للإنجليز، لكن بعد أن خلف الحصار مئات القتلى العرب، وأرسل الباشا رسالة إلى الوالي يهنئه بالنصر قائلا :"مبارك علينا النصر، استمروا في حصار الإنجليز، ولا تنظروا لقتلى العرب، فمن مصلحتنا التخلص من الطرفين".

الباشا تلقى هزائم متتالية على يد البريطانيين، واضطرت قواته للانسحاب من العراق عام 1917، بعد أن خسر آلاف الجنود، وقدم للحلفاء فرصة ذهبية لاحتلال البلاد العربية، وكان استيلاء إنجلترا على العراق من أكبر أسباب هزيمة السلطنة في الحرب الأولى.

باع فلسطين
أنور باشا انبطح أمام رغبات الألمان في استقطاب اليهود في الحرب للفوز بدعمهم المالي والعسكري، خاصة بعد نبوغ علماء الأسلحة اليهود، وتسابقت دول الحلفاء والمحور لإغرائهم بإنشاء وطن قومي بعد الحرب، وكلفت برلين الباشا برعاية المشروع الصهيوني.

حكومة الاتحاد والترقي تلقت رشوة للاشتراك في الحرب، ولم يتورع أنور باشا عن قبول رشاوى اليهود لفتح أبواب فلسطين أمام الأفواج المهاجرة، وشهدت فلسطين خلال سنوات الحرب استقبال آلاف المهاجرين، بلغ عددهم نحو 20 ألفا كما أمر بطرد العرب من ديارهم.

بريطانيا استبقت الأحداث وأعلنت تأسيس وطن قومي لليهود فيما عرف باسم "وعد بلفور"، فأرسل أنور باشا إلى حاكم القدس عزت باشا يأمره بتسليم مفاتيح المدينة إلى الإنجليز ديسمبر 1917، وعاد الحاكم إلى إسطنبول ليجد الباشا في انتظاره لشكره على أداء المهمة.

صاري قاميش
الباشا سجل بيديه شهادة وفاة آلاف الجنود في جيوش السلطنة، حيث زج بالدولة إلى ساحات القتال في الحرب بسبب تحالفه القوي مع ألمانيا، وتولى مهمة قتال روسيا القيصرية التي تكبد الأتراك على يديها عشرات الهزائم الساحقة، لصرف انتباه الروس عن جيوش الألمان.

جرى تعيينه قائدا للقوات العثمانية في الحرب ضد الروس على الجبهة القوقازية، وكان يرغب في طرد الروس من المناطق الشرقية واستعادة سيطرة السلطنة على مناطق كارس وباتومي التي تنازلت عنها للإمبراطورية بعد الحرب التي جرت بين عامي 1877 و1878.

برلين قدمت 5 ملايين ليرة كرشوة لحكومة الاتحاد والترقي بفضل علاقات الباشا مع القيصر الألماني فيلهلم الثاني، وفي المقابل وضع البحرية التركية في البحر الأسود تحت تصرف الأميرال الألماني سوشون لمهاجمة الروس، ثم عين نفسه قائدا عاما للجبهة الروسية.

شكل هيئة أركان رفيعة المستوى من الضباط الألمان والأتراك، وقاد 150 ألف جندي إلى أرضوم، وتولى قيادة المعارك، وعين الضابط الألماني برونزار شيلندورف رئيسا لهيئة الأركان، لكنه مني بالهزيمة في معركة صاري قاميش بـ90 ألف قتيل و20 ألف أسير.

المستشار العسكري الألماني ليمان فون ساندرز ذكر في مذكراته أن الباشا "كان يعتقد نفسه قائدا عسكريا كبيرا وفذا، ويملك خططا تمكنه من استعادة أراضي السلطنة من الروس، لكنه غير كفء لإدارة أي معركة، وهزم بالفعل في معركته ضد الروس بسبب استهتاره".

الباشا لم يقر بمسؤوليته عن الهزيمة أمام الروس، بل اتهم قائد القوات التركية في الدردنيل عزت باشا بالتقصير، وحمله مسؤولية الهزيمة، وعين اللواء حقي حافظ باشا مكانه، وفر وزير الحربية المنكسر إلى إسطنبول التي باتت مهددة من قبل القوات الإنجليزية والفرنسية.

سفاح الأرمن
تلوثت يداه بدماء آلاف الأرمن الأبرياء، وتعاون مع طلعت باشا وزير الداخلية في مجازر الإبادة التي شهدتها الولايات الأرمنية الست عام 1915، وأسفرت مذابحه عن قتل أكثر من 1.5 شخص وتشريد آلاف الأطفال والنساء.

الباشا اتخذ من هزائمه المتتالية على يد الجيوش الروسية ذريعة للتخلص من الأرمن وإبادتهم، وألقى باللوم عليهم مستغلا تحالفهم مع الجيوش القيصرية، بل واتهمهم بالخيانة العظمى لامتناعهم عن التطوع في جيوش العثمانلي.

موقفه لم يكن غريبا على عقيدته الطورانية، لا سيما بعد التفوق الحضاري الذي حققه الأرمن في القرن الـ19، في زمن أطلق عليه تاريخيا "عصر النهضة الأرمنية"، حيث كان العثمانيون يتحدثون التركية ويفكرون بالأرمنية.

الباشا عقد اجتماعا للتشاور في مستقبل الأرمن، وبعد أن استقروا على إبادتهم، تكفل هو بتلك المهمة، بعد أن تعهد وزير الداخلية بمساندة القوات في مجازرها، واختتم أنور اللقاء قائلا: "أصبحت البلاد تحت سيطرتنا المطلقة، يمكننا الثأر من أي صوت ثوري، لدينا الآن فرصة ذهبية للتخلص من الأرمن، لنكتب بأيدينا نهاية لذلك الشعب العنيد".

بدأ مخطط الإبادة بتجريد الجنود الأرمن من أسلحتهم ورتبهم العسكرية فبراير 1915، وكون منهم فرق السخرة بالجيش، وأجبرهم على تجهيز الطرق وبناء الجسور ومد الخطوط الحديدية، وعندما قاموا بتأدية واجبهم كانت مكافأتهم هي القتل.

قرر تهجير سكان الولايات الأرمنية الست إلى صحراء سورية والعراق مايو 1915، وأمر جنوده المرافقين للمهاجرين العزل بقتلهم متى انفردوا بهم في الصحراء، وبعد شهرين أمر قوات الجيش الثالث بالهجوم على القرى والمدن وحرقها وقتل سكانها.

لم يكتف بفرق الموت التي أرسلها لإبادة الأرمن، بل أمر الطبيبين ناظم وبهاء شاكر بتشكيل فرق طبية لقتل الأرمن، وأمدهم بمئات الجزارين، وأرسل خطابا لقائد الجيش الثالث وهيب باشا يأمره بجمع سكان القرى بدعوى تهجيرهم ثم تسليمهم للأطباء لحقنهم بمواد سامة، كما يتولى الجزارون قتلهم وتقطيع أجسادهم.

حاكم إقليم أرضروم حسن تحسين باشا قال: "أنور باشا كان يستخدم شفرة خاصة في رسائله السرية للولاة تأمرهم بإبادة الأرمن"، وكشف عن خطاب أرسله الباشا إلى بهاء شاكر يتساءل فيها "هل تمت تصفية الأرمن؟ لقد أمرتكم بذبحهم، لكن التقارير الواردة من طلعت باشا تفيد بتواجد بعضهم أحياء، هذا تخاذل، إنني مصمم على محو الأرمن، وسأرسل لكم 250 طبيبا من إسطنبول، وسأنتظر بفارغ الصبر نبأ الانتهاء من هذا الكابوس".

السفير الأمريكي هنري مورغنطاو قال في مذكراته "قتل أمة": "أنور باشا أخبرني أنه يتلذذ بقراءة تقارير القتل الواردة من طلعت باشا وحكام الولايات يوميا"، وطلب السفير من الباشا السماح للجمعيات الخيرية الأمريكية بدعم المهاجرين الأرمن.

الباشا رد على السفير قائلا: "لن نسمح بتقديم يد المساعدة لهؤلاء المجرمين، إذا أردتم تقديم العون للفقراء والجوعى فعليكم تقديمها لحكومة إسطنبول وهي ستنفقها على من يستحق"، ويعلق السفير الأمريكي قائلا: "علمت يومها أن الأرمن إلى الفناء قريبا".

ميليشيات الباشا نجحت في مهمتها الدموية، ذبحوا 1.5 مليون أرمني أعزل، وأخلوا الحدود الشرقية المجاورة لروسيا من سكانها الأرمن، وخلصوا حكومة الاتحاد والترقي من منافس حضاري كبير، لكن الباشا ارتكب جريمته وخسر الحرب، وتجرع هزائم مروعة من روسيا، لم ينقذه منها إلا قيام الثورة الروسية عام 1917، وإحلال السلام بين البلدين.

نهاية مخزية
خطط الباشا العسكرية فشلت في تحقيق أي انتصار، وسقطت كل البلاد العربية بيد الحلفاء، وباتت إسطنبول مهددة بالاحتلال، واجتمع طلعت باشا رئيس الوزراء ووزير الحربية وقررا الهروب وترك السلطنة لمصيرها المحتوم.

سافرا في جنح الليل متخفين في زي تجار ألبان إلى ألمانيا أكتوبر 1918، وبعد عامين عاد الباشا للمشهد السياسي كقائد قوات مرتزقة يحارب على الحدود الروسية، وفي خريف 1921 انضم إلى ثورة إقليم بخارى ضد الروس، وبدأ يشن ضدها حرب عصابات انتهت بقتله 4 أغسطس 1922.

Qatalah