يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دخلت الجنسية التركية في باب المزايدات التي أطلقها نظام رجب طيب إردوغان، إذ تحولت إلى وسيلة جديدة في يد النظام الديكتاتوري يحصل بها على المزيد من الأموال عبر منحها لمنع يدفع أكثر، في وقت يسعى لسحبها من معارضيه الذين يلقي بهم في غياهب المعتقلات التي تمتلئ بعشرات الآلاف من الرافضين لنظام القمع التركي، بالتوازي مع منحها للسوريين بهدف استخدامهم كورقة انتخابية.

"الأجنبي أصبح بإمكانه الحصول على الجنسية التركية في حال شراء عقار بقيمة تتجاوز 250 ألف دولار"، هذا هو نص القرار الذي أعلنت عنه الحكومة التركية مؤخرا في محاولة جديدة لإنقاذ الاقتصاد التركي المنهار، الذي يعاني من سياسات حكومة العدالة والتنمية، بعد أن أدخلت البلاد النفق المظلم بارتفاع قياسي في الديون الخارجية وانهيار غير مسبوق في قيمة الليرة.

الإعلام التركي نقل التعديلات التي أجرتها الحكومة التركية على شروط منح جنسيتها للأجانب، بحجة جذب المستثمرين، ونص قانون تعديل شروط منح الجنسية التركية للأجانب، لتتضمن الحصول عليها مقابل شراء العقار والتشغيل والاستثمار والإيداع في البنوك.

كساد جنسية
وبحسب القانون الجديد، فإن الأجنبي يمكنه الحصول على الجنسية التركية في حال شراء عقار بقيمة تتجاوز 250 ألف دولار، بدلا من القيمة السابقة التي كانت تقدر بمليون دولار، ولكن بشرط عدم بيع العقار خلال مدة 3 سنوات، ويدل خفض قيمة المقابل المادي على كساد سوق بيع الجنسية التركية، فمن هو الشخص الذي يدفع هذه المبالغ للحصول على جنسية دولة تعد من نماذج الدول القمعية في العالم؟

الدليل على كساد بيع الجنسية التركية، أن جميع التعديلات المدرجة على قانون الجنسية، نصت على خفض القيمة المالية، إذ تم تعديل شرط إيداع مبلغ مالي في البنوك التركية مقابل الحصول على الجنسية، حيث خفض الشرط مبلغ الإيداع إلى 500 ألف دولار، بدلا من 3 ملايين دولار، ونص أحد التعديلات على تخفيض مبلغ قيمة الاستثمار الثابت مقابل الحصول على الجنسية من مليوني دولار إلى 500 ألف دولار فقط.

وتمنح التعديلات الجديدة، صاحب المشروع الذي يؤمن فرص العمل تشغيله لـ50 مواطنا تركياً الحصول على الجنسية التركية، بعد أن كان في السابق يشترط عليه تشغيل 100 مواطن، وبحسب التعديلات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية، فإن كل أجنبي يستوفي الشروط المطلوبة يمكنه التقدم بطلب الحصول على الجنسية التركية.

أزمة اقتصادية
ورأت العديد من وسائل الإعلام التركية أن السبب في هذه الخطوات الجديدة هو حاجة النظام التركي إلى الأموال الأجنبية، عقب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد إذ فقدت الليرة حوالي 40% من قيمتها أمام الدولار الأميركي، كما وصل التضخم إلى نسبة غير مسبوقة بنحو 18%، ويشهد سوق العقارات في تركيا حالة ركود وترقب، فيما أقامت شركات عقارية عدة مؤخرا تخفيضات تصل إلى 20 % من ثمن العقار.

تلاعب رئاسي
رجب طيب إردوغان لم يكتف ببيع الجنسية للحصول على الأموال، إذ استخدمها كأداة لتحقيق أغراضه السياسية، إذ قرر منح الجنسية للسوريين مجانا، ولم يأت العرض الإردوغاني الكريم من باب الشعور الإنساني بأزمة اللاجئين، ولكنه وسيلة جديدة لتنفيذ مخططات الديكتاتور، إذ يطمح لاستغلال كتلتهم التصويتية لصالحه في أية انتخابات رئاسية كانت أو برلمانية.

ويبلغ عدد السوريين الحاصلين على الجنسية التركية حتى مارس 2018، حوالي 55 ألفا، وذلك بحسب تقرير لجنة حقوق الإنسان في البرلمان التركي، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 120 ألفا.

رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، قال إن الرئيس التركي لجأ لمنح الجنسية للسوريين، طمعا في أصواتهم في الانتخابات، ففي يوليو 2016 انتقد بهتشلي توجه الحكومة التركية لمنح الجنسية للاجئين السوريين، قائلا إن الجنسية التركية ليست صفة تمنح وفقا لأهواء رئيس الجمهورية أو مكرمة منه لمن يريد.

واعتبر بهتشلي أن قضية منح الجنسية للسوريين، جاءت بدافع سياسي ولكسب أصواتهم في الانتخابات المقبلة بعد تجنيسهم واصفا تلك الخطوة بـ "اللامسؤولة"، وأكد أن الجنسية التركية لها مكانة معتبرة، ولا يحق لأي رجل دولة أو سياسي أن يقلل من شأنها، مؤكدا أن منح الجنسية لملايين السوريين كمكرمة، يمثل تهديدا لمستقبل الأمة التركية وهويتها.

وفي مارس 2017 جدد زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو دعوته للحكومة التركية بإجراء استفتاء على منح السوريين الجنسية التركية، إلا أن حكومة العدالة والتنمية ألقت بالاعتراضات في المرحاض.

مخاوف المعارضة التركية كانت في محلها، إذ ساعد السوريون المجنسون بالفعل الرئيس التركي في استفتاء 2017 وفي الانتخابات الرئاسية 2018، واعترض مواطنون أتراك على نقل السوريين الحاصلين على الجنسية التركية، في عربات الشرطة للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي شهدتها تركيا يوليو 2018، والتي ضمنت لإردوغان سلطات مطلقة بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي.

وأظهر مقطع فيديو جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي وصول 5 عربات شرطة بدون لوحات معدنية، في مدينة هاطاي جنوب تركيا تقل عددا من السوريين المجنسين للإدلاء بأصواتهم، واعترض مواطنون أتراك على الأمر مما أجبر عربات الشرطة على المغادرة.

الجنسية للفاسدين
تلاعب إردوغان بالجنسية التركية لم يتوقف عند ذلك الحد، بل إن للأمر وجها آخر، فعقب الكشف عن أكبر فضيحة فساد في تركيا، في ديسمبر 2014 نقل الإعلام التركي أخبارا حول منح أقارب رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب، الجنسية التركية ضمن الحالات الاستثنائية بموافقة من وزير الداخلية السابق معمر جولر، والمتهم كذلك في فضائح الفساد والرشوة، في 22 يوليو 2013، المدهش أن قرار التصديق على القرار خرج من مكتب رئيس الوزراء -وقتذاك- رجب طيب إردوغان.

وأوضحت وسائل إعلام المعارضة -قبل أن يتم قمعها وإغلاق معظمها- أن محمد ضراب، وحسين ضراب، وآهاد خبازتا ميمي، وهم أقارب رضا ضراب قد تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية التركية عن طريق الاستفادة من الشروط الاستثنائية.

وحصلت الطلبات المقدمة من قبل الشخصيات المذكورة على موافقة دون الدخول في تعقيدات بيروقراطية، بعدما تم تفعيل الفقرة الثانية في المادة 12 من قانون حصول الأجانب على الجنسية التركية، والتي تنص على أن الجنسية الاستثنائية تمنح لمن ترى السلطات التركية ضرورة حصوله عليها.

أداة قمع
عقلية إردوغان وعصابته الإجرامية تفتقت عن استخدام سلاح الجنسية كأداة جديدة يضمها الديكتاتور لترسانة ضخمة من وسائل قمع المعارضين، إذ تستخدم الحكومة التركية باعتبارها "سلاح معنوي" ضد المعارضين، ففي يونيو 2017  طالب مجلس الوزراء بإسقاط الجنسية عن 130 شخصًا في مقدمتهم رئيس حركة "الخدمة"، الداعية الإسلامي فتح الله جولن.

وأوضح نائب حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، محمود تانال، أن الهدف الفعلي للحكومة التركية، من وراء هذا القرار هو تطبيق أسلوب عقابي معنوي يستهدف المشاعر القومية للمواطنين، إلا أن نتائج هذه العملية ستكون وخيمة، متسائلا كيف سيتحمل إردوغان المسؤولية إن قضى إسقاط الجنسية عن جولن على كل فرص إعادته إلى تركيا.

وفي يوليو 2017 نقلت صحيفة "زمان" التركية أخبارا حول رفض السفارات التركية بالخارج منح أطفال الأسر التركية المعارضة، التي أعدت الحكومة التركية ملفا جنائيا ملفقا بحقهم، الجنسية التركية. وذكرت أن أكثر من مئة تركي اتهمتهم السلطات التركية بالتورط في المحاولة الانقلابية الفاشلة يواجهون خطر البقاء بلا وطن خارج البلاد.

وأفادت رئيسة معهد المواطنة والمشاركة، أمال دي تشيكرا، أن الخطوات التركية بشأن معارضيه تتنافى مع القوانين الدولية التي تحظر إسقاط الجنسية عن المواطنين بصورة تعسفية، وأشارت إلى تخوفها من أن تكون هذه الخطوة بداية لحملة إسقاط الجنسية بصورة جماعية وتعسفية عن المواطنين المعارضين للسلطات.

وأكدت تشيكرا أنه لم يسبق وأن قامت دولة بإسقاط الجنسية عن مواطنيها لرفضهم الإدلاء بإفادتهم في التحقيقات القائمة بحقهم، وكشفت الدراسة الحديثة التي أجراها المعهد أن السفارات التركية ترفض تجديد جوازات سفر مواطنيها الذين تتهمهم السلطات التركية بالتورط في المحاولة الانقلابية المزعومة.

كما تمتنع عن منح أطفالهم الذين يولدون في الخارج الجنسية التركية، حيث أشارت الدراسة إلى ميلاد 80 طفلا بلا وطن خلال الفترة بين شهري أبريل ويوليو العام 2016 بسبب هذا الوضع، وأضافت تشكيرا أنه سيحرم هؤلاء الأطفال من الكثير من حقوقهم، نظرا لعدم اعتبارهم مواطنين تابعين لأية دولة ويطلق عليهم في بعض الأحيان "الأشباح القانونية".

إسقاط الجنسية
الحكومة لم تكتف بهذا، بل  طالب رئيس حزب الاتحاد الكبير، مصطفى دستاكتشي، بضرورة إسقاط الجنسية التركية عن الشامتين في تراجع قيمة الليرة التركية أمام الدولار، ويمارسون حملة لتحريض الرأي العام ضد الحكومة.

وتقدم رئيس حزب الاتحاد الكبير، المتحالف مع إردوغان، بمقترح مثير بشأن المعلقين على ارتفاع العملات الأجنبية، حيث أوضح دستاكتشي أن تركيا تمر بمرحلة عصيبة وأن الموقف الأميركي العدائي الأحادي المخالف للقانون الدولي تحول إلى حرب اقتصادية، يستدعي التحرك ضد أي معلق على الأزمة ضد موقف الحكومة بسحب الجنسية.

Qatalah