يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


23 نوفمبر 2018 الجيش التركي تحت الأضواء مع زيادة حوادث التسمم

عندما أصدرت الحكومة التركية سلسلة من المراسيم التي تعيد تشكيل مؤسسات البلاد في أعقاب أحداث الانقلاب في يوليو 2016، لم تكن هناك هيئات تضع أعينها عليها أكثر أهمية من القوات المسلحة التركية.

التغييرات الجذرية التي نفذت في الجيش جاءت تحت دائرة الضوء الأسبوع الماضي عندما تم إدخال 21 متدرباً من القوات الخاصة في إقليم مانيسا بغرب البلاد إلى المستشفى نتيجة الإصابة بالتسمم الغذائي. جاء ذلك عقب حالات انتشار جماعي للتسمم الغذائي في شهري مايو ويونيو من العام الماضي، مرة أخرى في منشآت التدريب في مانيسا، حيث أصيب ما يربو على ألف جندي بالمرض ولقي أحدهم حتفه.

وقعت حالات تسمم غذائي جماعي مماثلة في ثكنات أخرى في مختلف أنحاء البلاد في نفس الوقت تقريباً. وفقدت بالفعل العديد من شركات التموين المرتبطة بالحكومة عقودها، وقرر وزير الدفاع في ذلك الحين، نور الدين جانيكلي، مراجعة مناقصات الطعام وإدخال إجراءات جديدة على المشتريات.

والآن، وبدافع من حالات التسمم التي وقعت هذا الشهر، قام أوزغور أوزيل، عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل المعارضة الرئيسة، بتوجيه سلسلة من الأسئلة في مجلس الأمة إلى وزير الدفاع خلوصي أكار.

وسأل عما إذا كان نظام المشتريات الجديد الذي وصفه جانيكلي في العام الماضي قد جرى تطبيقه، وطالب بالحصول على معلومات عن إمدادات الأغذية في ثكنات مانيسا والشركات المعنية بالتموين. كما طالب بردود على آخر موعد للتفتيش في الثكنات وعلى حقيقة مزاعم مفادها أن المفارز التي تتولى مهمة فحص الأغذية قد أغلقت.

لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم رفض مقترحات المعارضة إنشاء لجنة تحقيق خاصة وانعقاد لجنة الدفاع الوطني رداً على حالات التسمم الغذائي.

وبصرف النظر عن حوادث التسمم الغذائي، فقد ضربت سلسلة من المآسي الجيش في الأسابيع القليلة الماضية، مما أسفر عن مقتل جنود خارج القتال. ففي 27 أكتوبر، تجمد جنديان في إقليم تونجلي بشرق البلاد، في حين لقي ثمانية جنود حتفهم في انفجارين عرضيين، مما أدى أيضاً إلى إصابة 29 جندياً.

حان الوقت أن نتساءل، ما الذي يحدث للقوات المسلحة التركية؟
كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد وصف في البداية أحد الانفجارات في منطقة سيمدينلي في جنوب شرق البلاد بالهجوم الإرهابي. لكن أكار تناقض في وقت لاحق مع الرئيس وأعلن أن هيئة الأركان العامة ومكتب المدعي العام قد قاما بإجراء تحقيق في الانفجار وفقدان الأرواح.

وقد ألقت هذه الحوادث الضوء على المراسيم التي أحدثت تحولاً جذرياً في أنظمة التدريب والرعاية الصحية العسكرية ومستويات القيادة منذ محاولة الانقلاب في يوليو 2016، مما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت إعادة الهيكلة هذه قد حسنت الجيش أم أضعفته.

تستمر الاعتقالات الجماعية والمحاكمات للضباط النشطين، الذين تربطهم صلات مزعومة بحركة غولن الدينية، التي توجه لها أصابع الاتهام بتنفيذ محاولة الانقلاب. وفي الوقت نفسه، انخفض عدد القوات في الجيش، إذ تجاوز عدد الأتراك الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية المليون مقابل دفع 15 ألف ليرة (2800 دولار).

وقد أغلقت المراسيم، التي صدرت خلال فرض حالة الطوارئ المستمرة منذ عامين والتي أعقبت محاولة الانقلاب، جميع المدارس والأكاديميات العسكرية، واستبدلتها بجامعة الدفاع الوطني التي قالت الحكومة إنها ستقوم بتخريج ضباط مخلصين للديمقراطية.

وبموجب أحد المراسيم جرى تسليم ما يربو على 33 مستشفى عسكرياً كامل التجهيز وثمانية مستوصفات عسكرية وعدد من مراكز إعادة التأهيل ودور رعاية كبار السن إلى وزارة الصحة.

وقد تم إرسال ما يقارب ستة آلاف من الأطباء والجراحين والأطباء النفسيين والممرضات وعمال المختبرات وغيرهم من العاملين العسكريين في قطاع الصحة إلى مستشفيات وزارة الصحة وجرى فتح العديد من المستشفيات العسكرية للاستخدام المدني.

وبررت وزارة الدفاع المراسيم وعمليات التطهير بالقول إن 95 في المئة من العاملين في المؤسسات التعليمية والصحية العسكرية، بمن فيم جميع الأفراد من الأكاديميات العسكرية إلى مدارس الموسيقى العسكرية، كانوا على صلة بمنظمة غولن.

إلكر باشبوغ، رئيس الأركان السابق، رفض هذا الادعاء بشدة وقال إن المراسيم هددت 200 سنة من التاريخ والتقاليد التي بنتها المدارس والمستشفيات العسكرية، واتهم الحكومة "بقطع شرايين الجيش التركي".

بعد حالات التسمم الغذائي، أصدرت الجمعية الطبية التركية بياناً لفت الانتباه إلى الفراغ الذي حدث عندما تم تسليم المؤسسات الطبية العسكرية إلى وزارة الصحة. ودعت الجمعية إلى إعادة فتح هذه المؤسسات وإعادتها إلى القوات المسلحة التركية.

أصدرت جمعية ضباط الصف المتقاعدين التركية بيانها الخاص في هذا الشأن، مشددة على أن الأطباء العسكريين كانوا جنوداً وفي الوقت نفسه أطباء وأن المراسيم جعلت من القوات المسلحة التركية الجيش الوحيد في العالم الذي لا يوجد لديه مستشفيات خاصة به وأطباء. وطالبت الرابطة أيضاً بمعرفة ما إذا كانت الشركات الخاصة ستكون مسؤولة عن تقديم الطعام إلى القوات التركية في زمن الحرب.

تتضح النقاط التي أثارها باشبوغ والجمعيتان بشكل جيد من خلال الاستجابة لحالات التسمم الغذائي الجماعي في شهري مايو ويونيو من العام الماضي. وبما أنه لم يكن هناك أماكن كافية في منشآت وزارة الصحة لعلاج الآلاف من الجنود المصابين بالتسمم، أجبر المئات على تلقي العلاج على نقالات خارج المستشفيات.

تم تكرار مشاهد مماثلة بعد حالات التسمم الغذائي هذا الشهر. وقد أدى تسليم صنع القرار العسكري للبيروقراطية المدنية وحل المؤسسات التعليمية والطبية العسكرية إلى زيادة الإصابات.

هذه الحالات من التسمم الغذائي، بالإضافة إلى الجنديين اللذين تجمدا حتى الموت في تونجلي والذين ماتوا أو أصيبوا في الانفجارات، قد أثارت انتقادات حتى من زعيم حزب الحركة القومية اليميني دولت بهجلي، الذي عادة ما يؤيد الحزب الحاكم.

وذهب زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو إلى ما هو أبعد من ذلك، وأدان عدم الاحترام الذي تم التعبير عنه إزاء الجنديين اللذين سقطا في تونجلي، وقد تم تفتيش أسرتيهما عند دخول المقبرة من أجل الجنازة. وقال إن العائلتين لم تتلقيا أي اتصالات حتى الآن من القوات المسلحة التركية بعد أن فقدتا أبنيهما.

وقد برزت التغييرات الهائلة التي طرأت على الجيش التركي منذ تسليمه إلى السلطات المدنية، بما في ذلك تدمير مؤسساته الطبية والتعليمية، كمسألة بالغة الأهمية. دعونا نأمل في أن المآسي الأخيرة التي تحملها الجنود الأتراك وعائلاتهم ستضمن أن تخضع هذه المشاكل للتدقيق الذي تستحقه في الأشهر القادمة.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية".

Qatalah