يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 نوفمبر 2018 الحاجة إلى الإصلاح الهيكلي للاقتصاد التركي في ميزانية 2019

أريد أن أحدثكم عن مشروع ميزانية عام 2019، الذي تقدمت به الحكومة التركية إلى البرلمان. أريد أن أتحدث مع القراء، عن مصطلح "القاعدة المالية" أو "الحكم المالي"، التي كانت السبب في أن يفقد وزير الاقتصاد السابق،علي باباجان، منصبه. وهو موضوع ربما حدثتكم عنه في السابق أيضاً.
سأبدأ في مناقشة هذه النقطة بعد عرض أجزاء اقتبستها من مشروع ميزانية عام 2019.
المصروفات
مادة 1: 
المادة 1 - (1) ملحق بقانون الإدارة والرقابة المالية العامة بتاريخ 10/12/2003 برقم 5018 كما هو مبين في الجدول (أ) المرفق بهذا القانون:
أ) تخصيص مبلغ قدره 949.025.615.000 ليرة تركية للإدارات العامة في نطاق الميزانية العامة الواردة في الجدول رقم (I)  
ب) تخصيص مبلغ قدره 73.771.848.000 ليرة تركية إلى إدارات الميزانية الخاصة المُدرجة في الجدول (II) 
ج) تخصص مبلغ قدره 00. 986. 536. 6 ليرة تركية للهيئات التنظيمية والرقابية المُشار إليها  في الجدول (III) 
الإيرادات والتمويل
المادة 2- (1) الدخل: ملحق بالقانون رقم 5018 كما هو مبين في الجدول (ب) المرفق بهذا القانون
أ) إيرادات الموازنة العامة كما هو موضح في الجدول (I) هي 867.296.403.000 ليرة تركية 
ب) يبلغ صافي إيراد الإدارات ذات الموازنة الخاصة المدرجة في الجدول (2) ما مجموعه 800.000 .179. 11 ليرة تركية، ويبلغ إجمالي إيرادها، مضافاً إليه مساعدات الخزانة البالغة 63.704.956.000 ليرة تركية، ما يعادل 74.884.756.000 ليرة تركية. 
ج) يُقدَّر (نسب تخمينية) صافي إيرادات المؤسسات والهيئات التنظيمية والرقابية الموضحة في الجدول (III) بمبلغ قدره 000. 319. 420. 6 ليرة تركية، ويبلغ إجمالي إيرادها، مضافاً إليه مساعدات الخزانة البالغة 000. 591. 116 ليرة تركية ما يعادل000. 982. 536. 6 ليرة تركية.
 (2) التمويل: يقدر صافي تمويل الإدارات ذات الموازنات الخاصة المدرجة في الجدول (II) المرفق بالقانون رقم 5018 مبلغ 80.250.000 ليرة تركية ، كما هو موضح في الجدول الذي يحمل العلامة (F) المرتبطة بهذا القانون.
الموازنة بين الإيرادات والمصروفات:
المادة 3- (1) يعادل الفرق بين مجموع النفقات المذكورة في البند (أ) من الفقرة الأولى في المادة 1 ومجموع الإيرادات المقدرة في البند (أ) من الفقرة الأولى في المادة 2 صافي المبالغ التي اقترضتها الدولة.
من الملاحظ أن أي قانون خاص بالميزانية يبدأ في الغالب على هذا الشكل. وبطبيعة الحال، بدأ أيضًا قانون الموازنة العامة لتركيا عن العام 2019 بالشكل نفسه، لم يتغير أي من بنوده سوى ما يتعلق بالنفقات والإيرادات ومقدار صافي الاقتراض الذي تنص عليه المادة الخاصة بالموازنة بين الإيرادات والمصروفات.
ولتوضيح الأمر دعوني أسوق لكم المثال التالي المكون من ثلاث نقاط:
المادة1: قُدِّرت الإيرادات بما يعادل مئة (100) ليرة تركية.
المادة2: قُدِّرت الإيرادات بما يعادل عشرين (20) ليرة تركية.
المادة3: يُقدَّر صافي الاقتراض بحساب الفرق بين معدل الإنفاق التقريبي و الإيرادات التقريبية كذلك، وفي هذه الحالة يبلغ صافي الاقتراض (80 ليرة تركية).
السؤال الآن: هل من المنطقي أن يتم حساب الميزانية بهذه الطريقة؟
تستخدم هذه الطريقة غالباً عند وضع الميزانية، حيث يقومون بحساب التوازن بين المصروفات والإيرادات، كما هو موضح في المادة (3)، ثم تليها كوارث أخرى كبيرة، ومعدلات تضخم مكونة من ثلاثة أرقام أو حتى أعلى من ذلك، ومعدلات ديون قد تتجاوز الدخل القومي نفسه.  في حين نلاحظ أنه في البرلمانات، التي لها صلاحيات المحاسبة المالية، لم تتعد نسبة الفارق بين الإيرادات والمصروفات، التي تنتهي بحساب مقدار الاقتراض، كما نصت عليه المادة 3 من مشروع الميزانية في تركيا، المعدلات المعقولة من الدخل القومي للدولة.
ويرجع السبب وراء تحديد هذه النسبة إلى محاولة السيطرة على نسبة التضخم والدين العام،  التي تورث الأجيال القادمة أعباء مالية إضافية لا دخل لهم بها. لهذا لا يريد البرلمان، في مثل هذه الدول، أن  يتحمل مسؤولية أخطاء كبيرة مثل هذه.
ومع ذلك، فقد تمر الدول بفترات عصيبة، من قبيل حدوث تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي، فتلجأ الدولة، كوسيلة للحل، إلى إضافة بنود جديدة خاصة بخدمة الدين، قد يمتد تأثيرها لعدد من السنوات.
وانطلاقاً من هذا، فإن الحل الاقتصادي الأمثل والفعال لهذه المشكلة يقتضي، في رأيي، وضع سقف لنسبة الاقتراض، مقارنة بإجمالي الدخل القومي للدولة. تبقى المشكلة هنا في تحديد النسبة المئوية لهذا الحد الأقصى، أي تحديد نسبة لمتطلبات الاقتراض بالنسبة إلى الدخل القومي تحظى بتوافق مجتمعي.  
وهذا المعدل قد يختلف من بلد لآخر، فقد يكون متدنياً للغاية لا يتعدى الصفر في المئة، وقد يرتفع هذا المعدل في بلد آخر، ليبلغ نسباً أعلى مثل 3 % أو 4 %. من أجل هذا، لجأت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تسوية هذه القضية، وهي تنتقل إلى استخدام عملة موحدة (اليورو)، بعقد معاهدة دولية فيما بينهم، أُطلق عليها اسم "معاهدة ماستريخت"، واستقر الرأي بين الدول الأعضاء، وفق هذه المعاهدة، على تحديد هذه النسبة في 3%. 
ومع ذلك، فقد عانت الدول الأعضاء، بعد أزمة عام 2008، في الالتزام بهذه النسبة، بسبب ارتفاع نسبة الدين العام بشكل كبير للغاية، وليس من الواضح، حتى الآن، كيف سيتم حل هذه المشكلة.
وكان إصرار الحكومة الإيطالية على تخطي السقف الذي حددته المفوضية الأوروبية بميزانية 2019 سبب الخلاف الكبير، الذي نشب بين إيطاليا وبروكسل مؤخراً، وقرأنا عنه جميعاً في الصحافة.
هذا الموضوع معقد للغاية، ولكن ما يهم كاتب هذه السطور هنا هو ما يخص تحديد نسبة عجز الموازنة لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي ومكافحة النزعة الشعبوية، أو بعبارة أخرى، تحديد متطلبات الاقتراض بالنسبة إلى الدخل القومي في شكل قانوني ملزم.
كان وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، هو أول من تحدث عن مصطلح 'القاعدة المالية"، وكان على تواصل مستمر مع الرأي العام، بما قدمه من عمل واسع النطاق في هذا الشأن، ولكن بن علي يلدريم قام بإيقاف العمل به، عندما كان إردوغان يشغل منصب رئيس الوزراء، على الرغم من أنه كان سيحد من انزلاق الحكومات في المستقبل إلى الشعوبية. 
وإذا صدقت الشائعات السياسية، التي تتردد بهذا الخصوص، فإن السبب الحقيقي وراء تهاوي جسور الثقة بين السيد باباجان وإردوغان كان بسبب إصرار الأول على تطبيق "القاعدة المالية". من الجدير بالذكر أن القاعدة المالية، التي أراد باباجان تطبيقها، كانت مجرد تقييد قانوني بسيط. أو بعبارة أخرى، كانت القاعدة المالية عبارة عن تقييد قانوني بسيط لتحديد نسبة عجز الموازنة بالنسبة للدخل القومي للدولة.
من أجل هذا، وعى الجميع الدرس، وتحاشوا تقديم الاقتراحات إلى حكومة حزب العدالة والتنمية، حتى لو كانت تصب في النهاية في صالح الاقتصاد. 
أعتقد أنه يتعين على تركيا، إذا أرادت أن تستعيد الاستقرار الاقتصادي، وتجتذب استثمارات عالمية، أن تعيد العمل مرة أخرى بنظام القاعدة المالية، الذي أتى به علي باباجان بوصفه النظام الأمثل للإصلاح الهيكلي، الذي كثر الحديث عنه دون جدوى. ومن ناحية أخرى، سيبعث تطبيق نظام القاعدة المالية برسالة قوية إلى أسواق رأس المال العالمية تؤكد عودة دولة القانون في تركيا.
كما أن وضع قيود قانونية تحدد نسبة الاقتراض، التي ستتسبب، بالتأكيد، في حدوث عجز في الميزانية بالنسبة إلى الدخل القومي، هو أكبر عدو للشعوبية، كما كان تمسك النظام العالمي بتطبيق القاعدة المالية هو أساس مهم للغاية لديهم من أجل مكافحة الشعوبية كذلك. 
وعلى الجانب الآخر، استطاعت هذه الدول، التي طبقت نظام القاعدة المالية، أو على الأقل وضعت قيوداً برلمانية لتحديد نسبة العجز في الموازنة العامة للدولة، أن تجتذب إليها الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية، وأن تحد، في الوقت نفسه، ولو بنسبة صغيرة، من تأثير عشاق الشعوبية. 
وعلى الرغم من أن موضوع القاعدة المالية يخضع لنقاشات مكثفة، منذ سنوات، بين علماء الاقتصاد حول العالم، إلا أن التطبيق الفعلي له كان محدوداً خارج الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفقاً لمعاهدة ماستريخت.
ومع هذا يتعين على البلدان النامية، التي ترغب في جذب الاستثمار الأجنبي في أوقات المحن والأزمات الاقتصادية، ألا تتوانى عن وضع هذا النظام في مقدمة حزم الإصلاح الهيكلي.
نقلا عن صحيفة "أحوال"

Qatalah