يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تزداد المخاوف التركية، رسمياً وشعبياً، على نحوٍ متسارع من تسارع وتيرة العقوبات السعودية التي يتم فرضها تدريجياً على أنقرة سواء بشكل علني أو سرّي، والتي شملت حتى اليوم مجالات الاستثمار العقاري والسياحة فضلاً عن مقاطعة المسلسلات التركية التي تمثل ترويجاً لسياسة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، مرورًا بكل ما يعد غزوا ثقافيًا دخيلا على الثقافة والعادات السعودية.

لقد عمدت تركيا على غزو المجتمع العربي خاصة السعودي، طوال السنوات الماضية، ناشرة ثقافتها ومحاولة ترويج نفسها كنموذج مثالي للسعوديين لتحقيق مكاسب اقتصادية، لكن المملكة أعلنت الحرب الثقافية ضد أنقرة لقطع تواجدها المضلل على بعض البقاع العربية.
عنصران اعتمدت عليهما تركيا جيدا طوال السنوات الماضية لبث ثقافتها في المجتمع السعودي هما الدراما والسياحة، حيث صورت للسائحين أن تركيا بلدهم الثاني بحق وحرصت على صنع أجواء تشعر السائح السعودي بأن تركيا دولة عظيمة آمنة وهو ما اتضح عدم صحته بعد ذلك.
كما أن الدراما كانت العتبة الأولى لإدخال السعوديين إلى تركيا وهم في منزلهم، تركيا القوية الجميلة المسالمة ذات التاريخ ناصع البياض بلا نقطة دم واحدة ولكن سريعا ما اتضح كذب كل ذلك أيضاً.

وبعدما كانت تركيا تجني من توغلها الثقافي مليارات، لا تجد أنقرة الآن سوى حصد الخسائر، حيث فقدت السياحة والاستثمارات كنتيجة لفقدانها التأثير الناعم في الدول العربية؛ فسقطت في الديون ووضعت عملتها المحلية "الليرة" على مسار الانهيار الذي تسير عليه دون توقف، فضلا عن ارتفاع الأسعار ومعدلات الفقر والتضخم وتراجع الإنتاج.
في تصريح له العام الماضي، لخص الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية التواجد التركي في المنطقة الشرق الأوسط وفي الدول العربية عموما، قائلا: "يوجد ثالوث من الشر، ويضم تركيا وإيران والجماعات الإرهابية، تركيا تريد الخلافة وفرض نظامها على المنطقة، بينما تريد إيران تصدير الثورة، والجماعات الإرهابية التي تحاصرها الدول العربية".

حجم الخسائر التي جنتها تركيا نتيجة القطيعة السعودية من أبوابها المختلفة سواء السياحية أو الاستثمارية أو حتى الدراما، ألجمت نظام رجب إردوغان، الذي اعتبرها مقصودة ومستهدفة من الأنظمة العربية متناسيا الدعوات الشعبية للمقاطعة والحديث الدائر على السوشيال ميديا عن انتشار العنف في بلاده، بل وصل الأمر لحد اختطاف سياح عرب وأجانب، آخرهم سائحة سعودية دون تحديد مصيرهم لفترات طويلة.
خسائر تركيا من تقليل السياحة وانسحاب الاستثمارات لم يأت من فراغ، وإنما ما عملته أيدي النظام برئاسة إردوغان، من تدخلات سافرة ودعم للإرهاب في عدد من الدول العربية، ولم يتوقف الأمر عند خسائر السياحة والعقارات، وإنما أيضًا طالت العاملين الأتراك على الأراضي السعودية الذين يقدر عددهم بنحو 100 ألف، يعملون في مجالات الديكور والحلاقة والمطاعم وبعض الأعمال المهنية.

 

غزو ثقافي
الملابس والمأكولات والمشروبات ما كان للسعوديين أن يدخلوا بها عنصرا تركيا، فالسعودية مجتمع عربي أصيل يعتز بما لديه من كنوز ثقافية، لكن خلال السنوات الماضية ظهر تأثر بعض السعوديين بالغزو التركي الثقافي، الذي توقف مع توقف أدواته من دراما وسياحة وغيرهما.
الغزو الدرامي التركي للمجتمع السعودي كان له أثر واضح على حياة بعض السعوديين الذين ازداد تعلقهم وانبهارهم بتركيا التي يرونها غاية في الجمال داخل المسلسلات، ففي شهر أغسطس عام 2008 كانت البداية الفعلية للتوغل الدرامي التركي، حينها تحلق 85 مليون عربي حوّل أجهزة التلفاز ليتابعوا حلقات مسلسل "نور"، حيث بدأت محطات التلفزة العربية تتقدمها شبكة قنوات "إم بي سي" الأكبر عربيًا، بدبلجة المسلسلات التركية إلى اللغة العربية وبثها للجمهور العربي قبل أن يزيد عدد تلك المسلسلات بشكل لافت ويتنوع محتواها إلى السياسي والتاريخي.
ويظهر بوضوح مدى تأثير إردوغان في صناعة الدراما التي كانت تروج لأكاذيبه التاريخية والحديثة ويجني من وراء هذا الكذب داخلا طائلا، فبينما كانت الدراما التركية تجني في عام 2004 ما لا يزيد عن 10 آلاف دولار،  وصلت في 2014 إلى نحو 260 مليون دولار فيما بلغت في عام 2016  350 مليون دولار؛ لتأتي تركيا بهذا وراء الولايات المتحدة مباشرة وصارت ثاني أكثر بلد تصديرًا لمسلسلاته للخارج.
ولا يمكن غض الطرف عما تمتلئ به المسلسلات التركي والسينما من توجيها سياسية عثمانلية، واعترف الرئيس التركي، خلال حفل إفطار جماعي دعا إليه الفنانين والرياضيين، رمضان الماضي، بأن المسلسلات التركية باتت تحظى بمشاهدة 500 مليون شخص في 156 دولة بفضل تحكمهم بها ورعايتهم لها.
ورغم أنه هاجم مؤخرا الفنانين والرياضيين علنا لاعتراضهم على الظلم الواقع على أكرم إمام أوغلو (رئيس بلدية إسطنبول الحالي) عقب إلغاء نتائج رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى - والتي تمت إعادتها وفاز بها للمرة الثانية- حاول إردوغان كسب ودهم طمعًا في أصواتهم إلا أنه عاد بخفي حنين.
إردوغان اعترف بأن الدعم الذي قدّمه حزب العدالة والتنمية لهذا القطاع منذ وصوله للحكم كان وراء هذا الإنجاز، في إشارة إلى إنفاقه مليارات الليرات على هذه المسلسلات، رغم الانهيار الاقتصادي الذي يضرب تركيا منذ منتصف العام الماضي.

لا قهوة ولا مسلسلات
لكن قطع السعوديون أيدي الأتراك بمنعهم بث المسلسلات التركية على شاشتهم وفي المقابل زاد الإنتاج المحلي وازداد الإقبال الجماهيري على الإنتاج السعودي داخل المملكة وخارجها، وهو ما كشفته الأرقام ونسب المشاهدات.
في بداية عام 2018 كان القرار العربي من مؤسسات إعلامية كبرى بمقاطعة الدراما التركية، وقبل سنوات طويلة كانت ميزانية الإنتاج في التلفزيون السعودي 48 مليون ريال لكن الأمر تطور للغاية خلال السنوات الماضية، حيث  تنوعت الألوان والقوالب الفنية ورأى المشاهد السعودي طفرة في الإنتاج والإخراج والتمثيل حتى استطاع الإنتاج السعودي الفني أن تلفت أنظار السعوديين عن الدراما التركية.


وبعد الاهتمام بالمحتوى السعودي كانت النتيجة حصد 200  مليون مشاهدة في اليوم على "يوتيوب" سعوديا، حيث حلت المملكة في المرتبة الثالثة عالمياً في عدد المشاهدات في اليوم الواحد، بعد الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل على "يوتيوب" عام 2018، وهو ما يعد شهادة دولية قوية ليس على إنتعاش وتصدر الإنتاج السعودي الفني فقط بل على طرده للإنتاج التركي بكل مخططاته المسمومة من المنطقة العربية.
وفي شهر مايو الماضي، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى قنوات إعلامية عربية كثيرة، وبعض الصحف التركية، مقطع فيديو لأحد الأمراء البارزين في المملكة العربية السعودية، حيث يتم تقديم كوب من القهوة التركية له، لكنه يعيدها دون أن يشربها.
ويظهر الأمير السعودي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز، في هذا الفيديو، داخل سيارته وهو يسلّم على المواطنين خلال جولته، وهو يمتنع عن شرب القهوة بعد معرفته بأنها تركية.


بوابة اللغة التركية
أداة أخرى تستغلها تركيا في الكثير من الدول وهي "اللغة" الوسيلة الأسرع والاهم لنقل الثقافة الشعبية، حيث حرصت على افتتاح الكثير من المراكز لتعليم اللغة التركية بشكل رسمي أو عبر وسطاء يتبعون الحزب الحاكم في تركيا العدالة والتنمية.
ومن أبرز المراكز التي تعلم اللغة التركية في السعودية الملحقية الثقافية بالسفارة التركية بالرياض ومعهد بيرلتز لتعليم اللغات Berlitz والمعهد الدولي للغات في الرياض  ومركز ذي علم للغات لتعلم اللغة التركية بالرياض.


ليست اللغة فقط بل إن تركيا كانت تسعى وفق خطة محكمة لجذب النخب السعودية إليها، وفي مقال بعنوان "ماذا تريد تركيا من الإعلاميين السعوديين" منتصف العام الماضي ، سلط الكاتب السعودي هاني الظاهري،  الضوء على الدعوات التي يتلقاها الإعلاميون السعوديون من جهة رسمية في تركيا لزيارة أنقرة والاجتماع مع بعض الساسة والإعلاميين الأتراك في قاعات مغلقة باستمرار.
وأكد النظار أن هذه الدعوات صادرة في الغالب عن "المديرية العامة للصحافة التابعة لرئاسة الوزراء في تركيا وتركز بعدما فشلت في استقطاب كبار الإعلاميين على الصحافيين الصغار وقليل الخبرة وغير السعوديين العاملين في وسائل الإعلام السعودي ما يعطي انتباها بأنها عملية "بناء" محددة المعالم يجب الحذر منها.

بوصلة المصلحة
الخبير في الشؤون الدولية في لندن فادي حاكورة، في حوار مع شبكة "دويتش فيله" الألمانية حاول تفسير اهتمام تركيا الكبير والدائم بالسعودية ومحاولة التأثير عليها، قائلا إن "إردوغان منذ بداية حكم حزبه العدالة والتنمية (2002) كان يسعى للرجوع إلى هيمنة العثمانيين التي خسروها قبل مائة أو تسعين سنة في الشرق الأوسط، وهذه غاية سياسية كان سعى إليها أردوغان منذ أن تولى الحكم.
يضيف: "ويجب أن لا ننسى أن إردوغان تعاون مع الإخوان المسلمين في مصر بين عامي 2012 و2013، ومنذ بداية مسيرته السياسية كان يطمح بأن تكون تركيا هي المركز الرئيسي في العالم الإسلامي وهو ما لم تتفق معه السعودية فيه كما باقي الدول العربية الأخرى".
ويستشهد حاكورة بإنفاق الرئيس التركي مليارات الدولارات طوال السنوات الماضية من أجل تحقيق أهدافه والوصول إلى وجهته، حيث عمل على إقامة المساجد والمراكز الإسلامية داخل تركيا وخارجها،  ليس بسبب نشر الإسلام أو دور العبادة وإنما لخدمة أهدافه السياسية والانتشار قدر الإمكان خارج تركيا لبسط نفوذها الخارجي.
كما أشار الخبير في الشؤون الدولية إلى أن المصالح هي البوصلة الوحيد لتركيا، خاصة في الوقت الحالي، حيث "يوجد اليوم تشابك بين تركيا وإيران في سورية، لكن هذا يمكن أن يختلف بعد سنة أو في المستقبل، فالشرق الأوسط كله مبني على المصالح المؤقتة، ونأخذ مثلا إقليم كردستان العراق وتركيا إذ في 2007 كانت العلاقات بينهما جيدة جدا، ولكن بعد 25 سبتمبر 2017، أي بعد استفتاء الإقليم على الاستقلال اختلفت المصالح بينهما".
تابع: "وإذا أخذنا الاتحاد الأوروبي مثلا، نجد أن المصالح ممكن أن تختلف بين دولتين لكن توجد قواعد مشتركة بينهما، على عكس الشرق الأوسط".


Qatalah