يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانت أشبه ما تكون بحديقة حيوان عالمية، أو سيرك مملوكي يمارس فيه كل عابر سبيل ما يهوى من الألعاب، لكنها لم تكن ألعابا مسلية على الإطلاق، ولم تكن ساحة للمتعة، بل كانت أرضا خصبة لموجات من الدجل نشرها أشخاص غامضون وجواسيس في أنحاء العالم الإسلامي تمهيدا لإحكام السيطرة عليها.
هذا ما كانت عليه المدن والأراضي العثمانية قبل 600 عام، حين عبر إليها رجل إيراني مريب مبشرا بدين جديد، أطلق على أصحابه فيما بعد اسم "الحروفية".
لم تكن أفكار المبشر الجديد "فضل الله الأسترابادي" القادمة من إيران الصفوية، متسللة إلى الأراضي العثمانية، في ذروة الحروب الدامية بين الجانبين، يتوقع لها كل هذا النجاح لأفكاره المتطرفة التي كانت تهدف لتحويل الإسلام إلى مسخ، ونزعه من القلوب، وإغراق المسلمين في دوامة من نشوة الجهل والشعوذة، ثم تجريد الخلافة التي يستولى حكامها على نصف العالم الإسلامي من شرعيتهم في الحكم باسم  الدين، وتقويض أركان دولتهم للأبد. 

خليط من أفكار الوثنيين
ولد فضل الله في مقاطعة أستراباد الإيرانية في العام 1339، وهو مؤسس مذهب الحروفية، الذي يقوم على إضفاء معانٍ غيبية على الحروف والأرقام، وجعل مذهبه أشبه بخليط من الأديان الوثنية القديمة إضافة للمذاهب الإسلامية والفلسفية السائدة في عصره، وجرت تلك العقيدة أتباعها إلى اعتناق "المهدية" الشيعية، واستلهموا التناسخ والحلول من الديانات الوضعية والفرق المارقة، ثم احترفوا أعمال السحر والشعوذة، خلال نشرهم لأفكارهم في أرجاء الأناضول بعد إعدام مؤسسها فضل الله، وملاحقة حكومة تيمورلنك لهم.
يعتقد الحروفية أن الله تجلى وحل في جسد "فضل الله"، وادعوا أن رؤيته هي بمثابة رؤية الله وجها لوجه، وآمنوا بأن فضل الله لم يمت بل رفع إلى السماء، وأنه سوف يعود إليهم، فيما يعرف بـ "الرجعة" لمناصرة المهدي المنتظر (المخلص)، الذي سيأتي ليعد العدة لغزو بلاد الكفار.
نادى الحروفيون بتعطيل الشريعة الإسلامية، وإسقاط التكاليف عمن عرف "الحقيقة"، وأعفوا مريديهم من ممارسة أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام، بل وكل العبادات، ورفضوا التحريم تماما وأباحوا لأنفسهم كل شيء محرم.
آمن الحروفية بأفكار كانت شائعة لدى فلاسفة اليونان الوثنيين، منها أن العدد أربعة يعبر عن عناصر الوجود (النار والماء والأرض والهواء)، كما انحرفوا عن أبسط مبادئ المسلمين، فآمنوا بفكرة "الحلول، وادعوا أن الله عز وجل حل في جسد مشايخهم، وأن عبادة الشيخ فرض على المؤمنين، إلى جانب أفكار متطرفة أخرى، حيث شبهوا سور القرآن بأعضاء الإنسان، وراحوا يرسمون خريطة قرآنية للجسد، يصبح فيها رأس الإنسان سورة الفاتحة، وعينه سورة ص، وقلبه سورة طه.

محمد الثاني يعتنق الدين الجديد
نشط الحروفيون وقادتهم في نشر مبادئهم، إذ كان الشاعر الأذربيجاني عماد الدين نسيمي من أهم أسباب انتشار خرافاتهم في الأناضول، لأنه كان يتولى تربية العديد من قيادات المذهب، وحدث أن أرسل أحد تلاميذه للاتصال بالسلطان محمد الثاني، فنجح في إقناعه بالمذهب الجديد، واستقر إلى جواره في قصور مدينة أدرنة.
تمنى السلطان محمد الثاني النجاح في فتح القسطنطينية، عاصمة جارته المزعجة الدولة البيزنطية في ذلك الوقت، بعدما فشل أجداده مرات عديدة في اقتحامها، فأخذ يحشد جنوده وقواده لتحقيق حلم آبائه، لكن دون أن يلمس فيهم حماسة تؤهلهم للنصر، وتحميهم من الفشل الذي باء به أسلافهم. 
كان محمد الثاني في حاجة إلى دعاية دينية تؤجج مشاعر جنوده، لذلك قرر تبني معتقدات أكثر مغالاة في شخص الحاكم، تمنحه سلطة أكبر من كونه سلطانا تركيا، فقد طمع في لقب المهدي المنتظر، ووجد ضالته في "الحروفية"، التي اتخذت شكل طريقة صوفية للتمويه هربا من انتقادات علماء الدين السنة.
بادر محمد الفاتح لحماية ودعم زعيم الطريقة، وفتح قصور العثمانيين أمام المنحرفين والجهلاء من أتباعها، واستغل معرفته باللغة الفارسية ودرس كتاب جاويدان (الخالد)، الذي يشتمل على تعاليم ومعتقدات فضل الله الأسترابادي، بل وأطلق لسانه بقصائد شعر تعبر عن مذهبه الجديد، تناولت الحب والعشق الإلهي والتثليث وآل العباءة وألوهية فضل الله.
أمر السلطان بترجمة كتاب جاويدان، فخرجت النسخة السلطانية تحت عنوان "عشق نامه" باللغة التركية، وأمر بعقد "مجالس الحكمة" لتدريسها وشرحها بين رجال الدولة وزعماء القبائل التركية، فأصبح هؤلاء بدورهم دعاة لتلك الأفكار في كل البلدان التي يسيطر عليها العثمانيون، حيث روجوا أن محمد الثاني هو المهدي المنتظر والمخلص وظل الله على الأرض.

مناظرة سرية في بيت الصدر الأعظم
تسبب انتشار الحروفية في اندلاع موجة غضب عارمة في العاصمة، إذ انتشرت أخبار تبني الدولة للعقائد الباطنية، ما أثار قلق الصدر الأعظم محمود باشا الذي خشي من تداعيات ذلك على الاستعدادات لمعركة فتح القسطنطينية، فاستدعى الفقيه الملا فخر الدين عجمي  إلى بيته، وكان أحد أشهر علماء الدين في السلطنة، وطلب منه إجراء مناظرة مع شيوخ الحروفية.
تحدث داعية الحروفيين في ذلك اللقاء بكل جرأة عن فكرة ألوهية الإنسان، ثم شرع يعرض الأسانيد على ألوهية محمد الثاني وعِصمة آل عثمان، وهنا ثار الفقيه عجمي الذي لم يستطع تمالك أعصابه، وسب زعيم الحروفية وأتباعه.
خرج عجمي غاضبا وأسرع إلى المسجد الجديد في أدرنة، وصعد المنبر وخطب في الناس، وأعلن كفر أتباع فضل الله الأسترآبادي وقال إنهم زنادقة، واتهم السلطان محمد الثاني بالردة عن الإسلام، إذا استمر في مساندة هؤلاء ودعمهم، ثم أفتى بجواز قتلهم لتشديد الخناق على السلطان.

إعدام العشرات حرقا وفرار الدعاة
أدرك الصدر الأعظم خطورة الموقف فأمر بعقد محاكمة علنية لأقطاب الحروفية، الذين واجهوا اتهامات بالكفر، وحكم عليهم بالإعدام حرقا، ثم صدرت أوامر بإعداد نيران هائلة، وألقي فيها شيخ الحروفيين وبعض تلاميذه، ليدخل أتباع فضل الله الأسترآبادي في مرحلة الشتات، وتوارى بعضهم عن الأنظار نهائيا.
غضب السلطان لمقتل شيخه بهذه الطريقة الفاضحة، فبادر لإجراء اتصالات مع باقي مريدي المذهب، وعرض عليهم الانضمام للطريقة الصوفية الرسمية للدولة، حتى يتجنبوا انتقادات معارضيهم، وبالفعل وجدوا مأوى لهم داخل الطريقة البكتاشية، وابتداء من عام 1452 دخلت البكتاشية تحت تأثير مذهب الحروفية، حتى ذابت فيها تماما.
شهدت الدولة مرحلة جديدة بعد فتح القسطنطينية، حيث أمر محمد الثاني دعاة المذهب بنشر معتقداتهم داخل صفوف الجيش، وأصبح لكل فرقة من الإنكشارية شيخ من الحروفية يتوارى تحت ستار البكتاشية، مع التسلح بـ "التقية" التي يعتنقها الشيعة تجاه خصومهم، محققين نجاحات هائلة في إشاعة الخرافة والضعف والجهل بالدين في أرجاء البلدان العربية التي كانت على وشك السقوط واحدة تلو الأخرى في  قبضة آل عثمان.

Qatalah