يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أكبر سجن للصحافيين" و"الدولة الوحيدة التي تمتلك ثلث الصحافيين المسجونين حول العالم".. لا يدور الحديث بالعبارات السابقة عن دولة في أزمنة الهمجية حيث غياب الحضارة، ولا العصور الحجرية حيث لا قانون ولا مؤسسات مدنية، بل عن تركيا العام 2018 تحت حكم رجب إردوغان.

سجلت تركيا على يد نظام إردوغان تجاوزات كبيرة في حق الصحافيين، حتى أن منظمات المجتمع المدني لا تنفك تتحدث عن الجرائم التركية في هذا الشأن، وأرسل نحو 50 كاتباً ومفكرًا برسالة لإردوغان، يطالبونه بالإفراج عن سجناء الرأي وترك نهج القمع والاستبداد.

ولا يكتفي إردوغان بحبس الصحافيين داخل تركيا، بل يبحث في زياراته عمن فروا من قمعه للتعبير عن رأيهم وممارسة مهنتهم بحرية، ليعيدهم إلى سجونه، وهو ما طلبه من السلطات الألمانية في آخر زيارة له هناك، بحسب "واشنطن بوست".

 محاكمة 110 صحافيين
وكشف مركز ستوكهولم للحريات، عن فاجعة كبرى ورقم مخيف، مفاده أن 110صحافيين خضعوا لمحاكمات في تركيا، في شهر سبتمبر الماضي فقط، وكأن الصحافة أصبحت جريمة في تركيا، كما اعتقلت السلطات 4 آخرين، بتهم جاهزة ومعدة مسبقا.

أكد تقرير صادر عن مبادرة الصحافيين الأحرار في تركيا، أن 5 صحافيين حصلوا على أحكام بالسجن لمدة تصل إلى 21 عاما و 3 أشهر، فيما تم إطلاق سراح 11 آخرين.

ولا يتوقف الأمر عند المحاسبة على النشر بتهم غريبة، بل تم توسيع سلطة المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي على البث عبر الإنترنت، ما يضفي مزيدا من السيطرة على وسائل الإعلام، وأصبح الحصول على إذن من المجلس ووكالة الاستخبارات التركية  شرطا من أجل البث الإذاعي والتلفزيوني عبر الإنترنت، ما يذهب بالبلاد إلى فقدان تام لحرية الصحافة والرأي.

ويسمح القانون الجديد، الذي أصدره المجلس خلال الفترة الماضية، بمراقبة وتغريم وإيقاف عمل قنوات البث عبر الإنترنت بما في ذلك موقع "نتفليكس الأميركي" على الشبكة العنكبوتية داخل تركيا، بشكل لا يتوافق مع القوانين واللوائح التجارية الدولية.

أوضح التقرير أن الأوضاع تزداد سوءا يوما بعد يوما في تركيا، فقد احتلت أنقرة المرتبة 157 بين 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2018 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود".

في حال تراجعت تركيا مركزين إضافيين، فإنها تقترب من دخول القائمة السوداء للدول التي لديها أسوأ سجل في حرية الصحافة، نتيجة سياسات القمع وسجن كل من يعبر عن رأيه.

السجن بسبب شجرة
وفي اتجاه لتكميم الأفواه، تتدخل السلطة فور أقل درجة من الانتقاد، ولو تم توجيهه إلى مسؤول صغير، إذ أشارت "مبادرة الصحافيين الأحرار" بتركيا إلى احتجاز محررين اثنين لقيامهما بكتابة تقارير، أحدهما كان عن إزالة شجرة عمرها مئة عام في مدينة ريزه، والآخر عن انتحار رب أسرة يبلغ من العمر 45 عاما بسبب المشاكل الاقتصادية.

تُظهر غالبية الأرقام الأخيرة والتي وثقها مركز ستوكهولم للحريات أن 236 صحافيا وعاملا في المجال الإعلامي يقبعون في السجون التركية وغالبيتهم محبوسون احتياطيا، ومن بين هؤلاء 168 قيد الاحتجاز في انتظار المحاكمة، في حين أدين فقط 68 صحافيا ويقومون بقضاء عقوبتهم، كما صدرت أوامر اعتقال بحق 147 صحافيا يعيشون في المنفى أو هاربين داخل تركيا.

كما يتم اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص بزعم صلاتهم بحركة غولن، التهمة التي أصبحت توجهه لأي أحد أيا كانت جنسيته أو خلفيته المعرفية، وباستخدام هذا الاتهام أغلقت الحكومة التركية 200 منفذ إعلامي، بما في ذلك وكالات أنباء وصحف كردية، بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو عام 2016.

بالحديد والنار
ووصفت مجلة "نيوز ويك" الأميركية، بعبارات تكشف عن كيفية إدارة إردوغان للبلاد بالحديد والنار، إذ قالت إن أنقرة أصبحت أكبر سجن للصحافيين، وأن الأمر أصبح كما لو أن الصحافة في حد ذاتها جريمة.

طالبت المجلة بالإفراج الفوري عن المعتقلين، حيث تم احتجازهم دون سند قانوني حقيقي، وتوجيه تهم جاهزة إليهم مثل ارتكاب جرائم إرهاب، والحض عبر مقالاتهم على الانقلاب على السلطة، وممارسة العنف، إلى غير ذلك، كما تلقى العديد منهم أمثال أحمد ألتان أحكامًا بالسجن مدى الحياة، وقالت المجلة إن أكثر من 180 وسيلة إعلامية أغلقت، فيما يجري تخويف ومحاربة باقي الوسائل الموجودة حاليا، ما تسبب في وضع سيء للصحافة والصحافيين في تركيا.

إغلاق 300 صحيفة
صناعة الصحافة في تركيا يواجهها تحدٍ من نوع آخر، وهو مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على طباعة الصحف، ويقول النائب بحزب الشعب الجمهوري عن ولاية تكير داغ التركية، أوزجان أيجون، إن 300 صحيفة ومطبعة تركية أغلقت بسبب ارتفاع أسعار الورق إلى أعلى مستوياتها نتيجة ارتفاع أسعار صرف العملات. 

وبحسب صحيفة "سوزجو" التركية، تسبب ارتفاع سعر الصرف في رفع سعر طن الورق من 750 يورو إلى 900 يورو مقارنة بالعام الماضي، ورفع سعر طن ورق الصحف من 450 دولارا إلى 800 دولار، وأغلقت ما يقرب من 300 صحيفة ومطبعة محلية بسبب عدم امتلاكها لميزانية تسد أسعار الورق، كما أوقفت 11 دار نشر فعالياتها.

Qatalah