يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فساد حكومة العدالة والتنمية، منذ وصولها السلطة في تركيا 2002، لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتد إلى التستر على المجرمين والسفاحين والإرهابيين من جهة، والضغط على القضاء والمحققين، لتبرئة "المجرمين" من أية تهم تدينهم، من جهة أخرى. 

وفي واحدة من كبرى الشبهات التي ترتبط بالنظام الحاكم في أنقرة، مساعدة مجرم عتيد من كبار ضباط الشرطة السابقين، على الهروب من الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. 

إبراهيم شاهين، شغل منصب رئيس وحدة العمليات الخاصة في إدارة الشرطة التركية في وقت سابق، وتورط في إرهاب الأكراد والأقليات الأخرى، وقام بعمليات قتل خارج نطاق القانون، غير أنه حصل على تصريح للخروج من السجن في تهم الإرهاب، بعدما أصدرت محكمة تركية قرارًا ببراءته، في قرار مشين يلطخ سمعة القضاء التركي ونظام إردوغان، حسب شبكة "نورديك مونيتور" السويدية.

المسؤول الأمني الكبير، أمر بتشكيل ما يسمى بـ "فرق الموت"، ذهب المحققون إلى أنها خططت لاغتيال عدد كبير من الأشخاص كجزء من أنشطة شبكة سرية متداخلة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية التركية في 2008، ووقتها كان إردوغان رئيسًَا للوزراء. 

تمت محاكمة شاهين وإدانته وحكم عليه بالسجن لفترات طويلة، لكن تم إلغاء القضية عندما تدخلت حكومة إردوغان، لتأمين الإفراج عن المسؤول الأمني ومعظم عناصر "القوميين الجدد" المدانين في قضية "أرجنكون"، وأجريت محاكمة جديدة للضابط السابق، غير أنها انتهت إلى براءته أيضًا من تهم الإرهاب، بعد أن عين النظام الحاكم قضاة ومدعي عموم للقضية يثق في ولائهم وطاعتهم لأوامر السلطة.

المحققون في القضية الأصلية، وجدوا أن شاهين، الذي كان لديه بالفعل سجل جنائي يعود لفترة التسعينيات، متورط في إنشاء وحدات لقتل أفراد من النخبة في تركيا، على أن تسمى هذه الوحدات بـ " S-1 " وتتشكل من ضباط عمليات خاصة اختارهم بنفسه، وتشبه طريقة عمل هذه الوحدات، الأسلوب الذي اتبعته عصابات نفذت عمليات اغتيال بين عامي 1991 - 1996، حيث كان شاهين أحد المشتبه بهم الرئيسيين في تلك القضية أيضًا.

أوراق التنصت المقدمة إلى المحكمة، تظهر أن شاهين كان على اتصال مع أشخاص آخرين في محاولة لتجنيد عملاء موالين من الشرطة والجيش والمخابرات التركية.

عصابة عسكرية
وفي محادثة هاتفية في 20 مارس 2008، أخبر شاهين شخصًا يدعى "تايلان أوزغور كيرميزي"، المشتبه به في قضية "أرجنكون" أن هيئة الأركان العامة التركية أنشأت وحدة خاصة سيقودها بنفسه ولن يبلغ بها أحدًا. شاهين، قال في إشارة واضحة إلى ما فعله في التسعينيات من عمليات قتل خارج نطاق القضاء، :"سنكون مسؤولين عن عمليات التطهير المحلي"، بينما تركزت مهمته على البحث عن رجال يحملون "الهوية التركية" فقط، يتلقون أوامر مباشرة منهم لتنفيذ الجرائم. 

شاهين التقى برئيس الأركان العامة الجنرال "إيلكر باشبو"، الذي عمل على توفير خط خاص للتواصل معه، بما يؤكد أن عملية شاهين كانت مدعومة من قبل القائد الأعلى للجيش التركي في ذلك الوقت.

في الأول من ديسمبر 2008، سأل شاهين في محادثة هاتفية عن اسم تاجر مجوهرات أرمني انتقل إلى مقاطعة قيصري، وشرع في وضع خطة لقتل هذا التاجر الذي يدعى "ميناس دورمازغلر"، ويقال إنه كان زعيما روحيا للجالية الأرمنية في مدينة سيفاس التركية. 

وفي رسالة نصية أُرسلت إلى شخصية تُدعى فاطمة جنكيز، المشتبه بها في قضية "أرجنكون"، في 28 ديسمبر 2008 ، قال شاهين :"إن هناك أمرا لتنفيذ المهمة وأنه يجب قتل هذا الأرمني".

ممثلو الادعاء العام، قالوا أثناء عمليات التحقيق، إن قاتلًا تم التعرف عليه يدعى غريب عرفان تورون قد حصل على سلاح ناري من طراز Glock من قِبل شاهين لقتل  التاجر الأرمني، كما ألقت الشرطة القبض على رجلين تابعين لقائد العصابة، هما بكير سيليك وإرهان غونينسي.

سيليك وغونينسي، كانا جزءاً من عملية مؤامرة قتل التاجر الأرمني، بحسب ما توصلت إليه التحقيقات، ووجدت الشرطة أن غونينسي جمع معلومات استخباراتية حول الضحية المحتملة بموجب تعليمات من شاهين.

استهداف الأقليات
نسخة مخبأة من الوثائق التي تم الاستيلاء عليها من منزل شاهين أثناء تنفيذ أمر التفتيش، تشير إلى أن الضابط الكبير بوحدة العمليات الخاصة، كان يقوم برسم صور للأرمن والأكراد واليهود والمسيحيين والأشخاص الذين اعتقد أنهم يدعمون هذه الجماعات، بغرض استهدافهم. 

وكان من بين الأشخاص الذين ذكرهم شاهين في رسوماته، الروائي الحائز على جائزة نوبل، أورهان باموك، والأديبة أليف شفق، والصحافيان إيس تملكوران وبوراك بكديل، والصحافي الأرمني التركي هرانت دينك، الذي اغتيل في عملية غامضة يناير 2007، كما ضمت القائمة عددا من الكتاب والصحافيين الآخرين. 

وفي مذكرات شاهين، تم وصف الأكاديمي الأمريكي هنري باركي بأنه عميل لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهو الذي حاولت حكومة إردوغان اعتقاله في 2017 بتهمة التورط في التخطيط لمسرحية انقلاب يوليو 2016.

الضابط المجرم وصف الاتحاد الأوروبي باعتباره ناديًا مسيحيًا، وتطرقت إحدى ملاحظاته المكتوبة إلى أسماء الصحافيين الذين طلبوا حماية الشرطة بسبب تعرضهم للتهديدات. وتم العثور على خريطة مرسومة باليد في منزل شاهين، التي بدورها قادت الشرطة إلى العثور على أسلحة مضادة للدبابات ومتفجرات وذخيرة وقنابل يدوية كانت مدفونة تحت الأرض في حي "غولباشي" بأنقرة.

اعتقال واعترافات
في 7 يناير 2009، اعتقلت السلطات شاهين في عملية مريبة، لم يكن الغرض منها منذ البداية إلا ذر الرماد في العيون، إذ إنه أُدين في أغسطس 2013 وحُكم عليه بالسجن لمدة 49 عامًا، وأربعة أشهر. ومع ذلك، أطلق سراحه في مارس 2014 بمساعدة حكومة إردوغان.

آهان تشاركين، ضابط العمليات الخاصة السابق الذي عمل مع شاهين، اعترف في أقواله إلى ممثلي الادعاء والصحافة، بمشاركته في عمليات القتل التي تقوم بها جماعات تعمل تحت ظل وحدات المخابرات العامة والعمليات الخاصة التركية.

تشاركين، قال :"إن كل شخص في وحدة العمليات الخاصة التابعة لإدارة الشرطة التركية كان على علم بوقوع جرائم قتل خارج نطاق القانون"، منبهًا إلى أن فريقًا مكونًا من 150 شخصًا اختص بعمليات الإعدام بالإضافة إلى "أعمال قذرة" أخرى، بحسب توصيفه.

"لقد كنا وحوشًا"، هكذا يصف تشاركين فريق الموت الذي كان جزءًا منه، مؤكدًا أن الضابط إبراهيم شاهين "كان معبودًا في نظر معظم ضباط العمليات الخاصة". تشاركين اعترف بتفاصيل العديد من عمليات القتل التي شارك فيها، بما في ذلك مقتل ثلاثة شبان كانوا أعضاء في منظمة "جيش تحرير العمال والفلاحين الأتراك اليساريين" (TİKKO)، وأشخاص آخرين كانوا أعضاء في حركة "المسار الثوري الماركسي" (DEV-YOL)، كما أقر بمقتل اثنين من الطلاب - وهما حسام الدين يمان وسونر غول - وكانا ناشطين سياسيين محتجزين.

وتشاركين، أضاف عن أيهان إيفيو أوغلو، وهو طالب آخر أعدمه "ابني الآن في سن أيهان وقت مقتله، :"أبكي حزنًا عليه كلما فكرت به، لقد علقت صورة له فوق سريري في السجن، وأقدم إلى صاحبها اعتذارًا كل يوم"، مبررًا جرائمه هذه بالقول :"لقد أخبرونا أنهم قتلوا أفرادا من الشرطة". 

تقرير مزور
الضابط إبراهيم شاهين، زعم أثناء الدفاع عن نفسه أنه تعرض للخداع لتشكيل وحدات "S-1 "، فيما رفض الإفصاح بشكل واضح عن هوية الأشخاص الذين أعطوه الضوء الأخضر لبدء تنفيذ عملياته الإجرامية، معتبرًا أنه تم استخدامه بسبب "وضعه الصحي".

شاهين، ادعى أنه يعاني من فقدان جزئي للذاكرة ومشاكل أخرى متعلقة بالذاكرة، ولمواصلة هذه الحبكة الفاشلة قامت الشبكة المشبوهة التي دعمت هذا المجرم بتزوير تقرير لدى الطب الشرعي (ATK) لمساعدته على التهرب من المسؤولية الجنائية. 

التقرير المزور جاء فيه أن شاهين عانى من فقدان الذاكرة على المدى القصير والبعيد، وأنه بحاجة إلى المراقبة المستمرة، كما ورد فيه أن "توجهات المريض والوعي العام بمحيطه وشعوره بالوقت جميعها مشوهة"، مشيرًا إلى أنه لم يكن على علم بالزمن، الموسم أو الشهر أو التاريخ.

في ديسمبر 2010، تم الكشف عن أن شركاء شاهين استخدموا سجل مريض آخر لكتابة تقرير طبي مزيف من أجل إقناع المحكمة للإفراج عنه، واعترف الطب الشرعي لاحقًا بأنه ارتكب خطأ وأصدر تقريراً جديداً يشهد بأن شاهين لائق للمحاكمة.

فرق الموت
بعد ذلك، اعترف شاهين خلال الإدلاء بشهادته أنه من بدأ الأعمال التمهيدية لتشكيل مجموعة "S-1"، والتي قال الادعاء إنها ستشكل فرق الموت التي تنفذ عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات أخرى، مضيفًا :"أعتقد أن هذه المجموعة والفرق التابعة لها كانت رسمية". وأشار إلى استدعائه إلى هيئة الأركان العامة، حيث تم اطلاعه على أن الجيش كان يشكل فريقًا جديدًا كجزء من جهود مكافحة الإرهاب وأنه كان مرشحًا محتملاً لرئاسة هذا الكيان الجديد، قبل شهر واحد من اعتقاله في تحقيقات قضية "أرجنكون".

في 30 نوفمبر 2018، أسقط المدعي العام الجديد في القضية تهم الإرهاب ضد شاهين، في إعادة المحاكمة بقضية "أرجنكون"، وبدلاً من ذلك سعى إلى إدانته بتهم أخرى غير ذات صلة، مما يعني أنه لن يقضي أي وقت في السجن، بحسب "نورديك مونيتور". 

القضاة المحققون في القضية، وافقوا على قبول التقرير الطبي المزيف، وهو ما فعله أيضًا المدعي العام، فيما يبدو أن هذا الموقف جاء بأوامر عليا من نظام إردوغان، الذي تربطه علاقات مشبوهة برجال الجيش والمخابرات المتورطين في تنظيم "أرجنكون". 

بداية يوليو الماضي، أدين الضابط إبراهيم شاهين بتهمة حيازة مواد خطرة دون ترخيص، وانتهاك استخدام الأسلحة النارية وحكمت عليه المحكمة بالسجن 11 سنة، وثلاثة أشهر، ووفق شبكة "نورديك مونيتور" فإنه "بالنظر إلى الوقت الذي أمضاه في المحاكمة الأصلية التي تلقى فيها عقوبة بما يقرب من 50 عامًا، فمن المحتمل ألا يقضي شاهين يومًا آخر في السجن. ومن الممكن أيضًا أن يتم إلغاء الإدانة في مرحلة الاستئناف".

Qatalah