يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


2 أكتوبر 2018 الحكومة التركية تواجه بالعنف آلام ومعاناة أمهات السبت

"الأمهات هن من يصنعن الرجال
هن أضواء تسطع على طريقنا
يا من تقتلون الأمهات بلا رحمة!
ألم تلدكم أيضاً أم مثلناً؟"
الشاعر ناظم حكمت* *

صارت مقاومة الأمهات، اللاتي فقدن أبناءهن مثل الصرخة المكتومة؛ صرخة اكتوت بنارها قلوب أصحاب الفراسة والضمير، وكل من شعر بمرارة فقدان الأم لابنها.

شاركتُ في اجتماعٍ لمجس النواب التركي، عُقِدَ في عام 2003 من أجل مناهضة الحرب في بانديرما، في ذات اليوم الذي تقدمت فيه الحكومة بطلب يتيح لها إرسال القوات المسلحة التركية إلى خارج البلاد، أو السماح بقوات أجنبية بالتمركز داخل الأراضي التركية. وبينما أن أنتظر نتيجة الاقتراع على طلب الحكومة، إذا بأحد الحضور، وقد بدت عليه علامات التقدم في السن، يبدأ في الحديث بقراءة أبيات طويلة من الشعر. كان العجوز يكرر المقطع التالي كلما انتهى من قراءة أربعة أبيات:
"لم تكن أمي تكف عن البكاء"

مر على هذا الأمر 15 عاماً؛ لم أنس خلالها يوماً تلك اللحظات، وذلك المقطع الذي كان يكرره العجوز.

اغرورقت عيناي بالدموع حينها، وأنا أستمع إلى كلماته، وقد جال بخاطري ذكرى أمي، ولحظات الألم والجراح والمعاناة التي عاشتها؛ تلك اللحظات التي أعِيَها جيداً؛ فقد مات عنها والدها، وهي لم تتخط العاشرة من عمرها، ثم ما لبثت أن فقدت إخوانها، وهم في سن الشباب، ولم يمهلها القدر طويلاً حتى فقدت أخي، الذي توفي-هو الآخر-في سن الشباب. من أجل هذا " لم تكن أمي تكف عن البكاء".

وفي الأسبوع الماضي فقط، تدخَّلت الشرطة التركية بعنف غير متكافئ وغير مبرر؛ كي تسكت الصرخة المكتومة المحملة بآلام، وآمال كادت تخبو مع مرور الزمن، تلك الصرخة التي ظلت تطلقها هؤلاء الأمهات، اللاتي فقدن أبناءهن قبل سنوات، ولم تشعر أي منهن بكلل أو ملل من الخروج كل يوم سبت للبوح بآلامهن. 

قامت الشرطة بالاعتداء على تلك الأمهات، وأغلبهن كبيرات السن، وقامت بسحلهِّن على الأرض، فيما تعرضت الباقيات لعنف ودفع شديدين من جانب قوات الأمن أثناء إلقاء القبض عليهن.

والأدهى من ذلك كله، تلك التصريحات التي صدرت عقب ذلك من قبل أحد المسؤولين السياسيين، الذي من المفترض أن يعمل، بدلاً من ذلك، على إنهاء آلام تلك السيدات، والتوصل لما حدث للمفقودين، وأن يعاقب الجاني، حيث راح يكيل لهن الاتهامات، كمن يضع المِلح على الجرح، بدلاً من أن يشاطرهن آلامهن، ويعبر عن أسفه لما تعرضن له من عنف من جانب الشرطة. 

كان يتحدث، وكأننا نعيش في بلد آخر لم يشهد انقلابات في 12 مارس و12 سبتمبر، كأنهم لم يتوعدوا الأكراد بالخراب والدمار في التسعينيات، كأن إدارة الاستخبارات العسكرية ومكافحة الإرهاب لم تتسبب في جراح من الصعب أن تندمل.

هذا في حين أن إردوغان نفسه قد خرج في فبراير من عام 2011 وأدلى بتصريح قال فيه إنه التقى في مقر عمله في قصر دولمة بهجة مجموعة من "أمهات السبت" المكلومات، وذكر أنه استمع لشكواهن، وأنه يشاطرهن أحزانهن، وأكَّد أنه سيسعى لحل مشكلاتهن.

وكان من بين الأمهات اللاتي التقين إردوغان حينها السيدة بيرفو قيرباير، التي شارف عمرها على المائة عام، ولم تكل من البحث عن ابنها جميل قيرباير، الذي اختفى عقب أحداث 12 سبتمبر قبل 30 عاماً، بالإضافة إلى عدد آخر من الأمهات اللاتي لا يختلف حالهن كثيراً عن حال الأم بيرفو.

وفي الأسبوع نفسه تحدث إردوغان مرة أخرى في اجتماع للكتلة البرلمانية لحزبه في البرلمان عن آلام الأم بيرفو، ومن على شاكلتها من الأمهات، اللاتي يسعين للوصول إلى أي خبر عن أبنائهن، حتى لو كان هذا الخبر هو خبر وفاتهم، وأكَّد على ضرورة تقصي حقيقة الأمر فيما يخص من يقفون وراء هذه الحوادث المريعة، وتبرئة جبهة الدولة من ارتكاب عمل قبيح كهذا. كان حديثه مؤثراً للغاية حينها.

كانت دولتا شيلي والأرجنتين أول دول العالم التي شهدت هذا النوع من المقاومة الصامتة لأمهات فقدن أبناءهن أثناء فترات الانقلابات. فقدت الأرجنتين خلال فترة الحكم العسكري عقب الانقلاب بين 1976-1983 آلافاً من مواطنيها، اختفوا في ظروف غامضة دون إبداء أي أسباب لهذه الحوادث.

وبدأت أمهات المفقودين في مقاومة صامتة استمرت خلال فترة الانقلاب العسكري من أجل البحث عن أبنائهن. صمدت هؤلاء الأمهات أمام ما تعرضن له من عنف وهجمات ظالمة واتهامات بالخيانة، وبدأن في التجمع في كل يوم خميس، اعتباراً من عام 1977 في ميدان بلازا دي مايو (ميدان مايو) في العاصمة الأرجنتينية. 

استمرت تلك الأمهات المكلومات على هذا المنوال طوال 25 عاماً، دون أن تشعر أي منهن بكلل أو ملل؛ ليتمكنَّ في النهاية من إسماع أصواتهن للعالم. وكانت النتيجة أنهن نجحن في تقديم الفئة الحاكمة في تلك الفترة للمحاكمة؛ ليضربن بهذا نموذجاً يُحتذى أمام العالم أجمع.

ولعل ما يحدث في تركيا اليوم هو امتداد لما شهدناه في الأرجنتين؛ حيث بدأ أقارب الأشخاص، الذين فُقِدوا عقب انقلاب 12 سبتمبر وخلال فترة التسعينيات، وكذلك أمهاتهم في التجمع يوم السبت من كل أسبوع بميدان غلاطة سراي بمدينة إسطنبول اعتباراً من عام 1995.

استمر هؤلاء الأشخاص على تكاتفهم ما يقرب من 20 عاماً؛ ليتحول تكاتفهم هذا إلى صرخة مكتومة؛ صرخة اكتوت بها قلوب أصحاب الفراسة والضمير وكل من شعر بمرارة فقدان الأم لابنها.

وفي الأسبوع الماضي داهمت الشرطة التركية التجمع رقم 700 ﻟ "أمهات السبت"؛ زاد من آلام هؤلاء الأمهات ومعاناتهن.
لا يمكن لأية سلطة سياسية ذات بصيرة على مستوى العالم أن تستخدم القوة المفرطة ضد جماعة محقة في مطالبها، والأكثر من هذا أنها لم تسبب ضرراً لأي أحد طوال 700 أسبوع تجمعت فيها، ثم تعلل هذا التصرف بقولها "إن هؤلاء السيدات يتم استغلالهن من قبل أشخاص آخرين من سيئي النية"، مع أنه من الوارد للغاية أن يتسلل أناس، ممن لهم أهداف أخرى من المحرضين والمخربين، بين أي حشد من الناس. 

إن الطبيعي -في مثل تلك الأحوال -أن يقوم المسؤولون عن الأمن في هذه المنطقة بمنع هؤلاء المحرضين وأصحاب النوايا السيئة من الاندساس بين هذا الحشد؛ كي نفوت عليهم فرصة إفساد هذا الحشد، لا أن نلقي القبض على هؤلاء الأمهات المكلومات وسحلهن على الأرض في مشهد يدمي القلوب؛ لأن قوة الدولة إنما جُعلت لحماية الحقوق ومنع الظلم وليس لقهر المظلومين والأبرياء.

ومع هذا، فالواضح هو أن المسؤولين عن هذه الموضوعات في السلطة التنفيذية لا يفهمون هذا الحديث، وبالتالي فهم لن يتألموا لأجل هؤلاء؛ فهم يسعون جاهدين لنشر فكرة المؤامرة بين أفراد الشعب؛ لتغذية مفهوم العدو الداخلي لديهم، وإخفاء الحقيقة عن أعينهم. ولم يبق من التجربة الأرجنتينية سوى أن يعلنوا هؤلاء الأمهات "خائنات للوطن".

لا يكفي منع هذه التجمعات لحل المشكلة، والتصرف بلا مبالاة، كأن شيئاً لم يكن؛ للتخلص من آلام هؤلاء الأمهات والتملص من وعود قطعوها على أنفسهم في الماضي.

يبدو أن الذين حوَّلوا هذا التجمُّع البريء، الذي تكرر 700 مرة من قبل، دون أن تُحدث أي من تلك الأمهات أي نوع من المشكلات، لبركة من الدماء قد نسوا أو تناسوا أن رئيس الجمهورية قد فتح بابه بالأمس القريب لتلك السيدات، وشاطرهن أحزانهن، وأعطى الوعود حينها بأنه سيعمل على رفع سبب مشكلاتهن.

ربما يعرفون هذا الأمر جيداً، ولكنهم يحاولون الآن التهرب من موقف السابق لهم ربما لم يستوعبوه في حينه. وقد رأينا في الماضي القريب الكثير من النماذج المشابهة.

ذكر إردوغان في حديثه عن الأم بيرفو في عام 2011 أنها لم تغلق باب بيتها طيلة 30 عاماً، ونقل عنها قولها "تركته مفتوحاً، حتى إذا عاد ابني لا يضطر للانتظار خارج المنزل". كان الكثيرون يستمعون لحديثه عن رقة فؤاد هذه الأم المكلومة، وأعينهم تفيض بالدمع، وكنت أنا أيضاً من بين هؤلاء الذين استمعوا لهذا الحديث. لقد عاصرت أحداث 12 مارس و12 سبتمبر، وتعرضت لظلم تلك الفترات، وكنت شاهداً على النفاق وحالة الضبابية والظلم خلال فترة التسعينيات. لهذا السبب، وقفت ضد عملية 28 فبراير أو ما تسمى ثورة ما بعد الحداثة وأحداث 27 إبريل.

كنت أعرف أكثر مما كان يتحدث به إردوغان؛ فقد شعرتُ وسمعتُ وعشتُ ورأيتُ بنفسي. لقد عانى المواطنون والأمهات لفترات طويلة في هذا البلد.

حزنت كثيراً، وفاضت عيناي حزناً عندما علمت بما حدث في الأسبوع الماضي. عشت من جديد نفس الحزن الممزوج بخيبة الأمل.

لن ينجح القائمون على حكم تركيا اليوم في تخفيف آلام تلك الأمهات ما لم يستمعوا إليهن ويحاولوا فهمهن. وإلا سيظل الحزن رفيقهم في المستقبل. 

وا أسفاه، وا حسرتاه!

هل ينتظرنا ما هو أسوأ من هذا؟

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah