يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"يضع سره في أضعف خلقه"، قول مأثور يشير إلى دور المهمشين في صنع التاريخ، وهو ما جرى في الشام خلال سنوات الاحتلال العثماني، حيث انكشفت جرائمهم على يد حلاق فصيح وثق فظائع ولاتهم وجنودهم اليومية في دمشق بفضل دكانه المتواضع الكائن بالقرب من قصر والي دمشق أسعد باشا العظم، فكان بمثابة ترجمان ليوميات الخزي والفضائح العثمانية.

في دكانة الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير الشهير بـ الحلاق الفصيح، كان الزبائن يفيضون في سرد فظائع الحاكم العثماني، واستطاع البديري الحلاق خلال الفترة من 1741 إلى 1762 أن يوثق تلك الأهوال في مجلد يحمل عنوان "حوادث دمشق اليومية"، وكانت أشهر فصوله "الغلاء والظلم والبطش وانتهاك المحارم".
يوثق الحلاق الفصيح في كتابه يوميات الغلاء والفتن وحوادث السرقة والبغاء، وهي نقطة في بحر الفساد والانحلال العثماني في بلاد الشام، حيث عمت البلوى على السكان وضاق بهم الحال فتساوى في الظلم المسلم مع المسيحي والدرزي مع العلوي، لا فضل لأحدهم على الآخر أمام زبانية العثمانيين.
كشف الحلاق معاناة أهل الشام تحت حكم الطغاة العثمانيين، وتميزت روايته بحيويتها المدهشة، حيث تابع من دكانه الصغير تفاصيل الحياة اليومية في دمشق، ولكونه من مثقفي الهامش انحاز إلى نبض الشارع، وسجل بالعامية المطعمة بالفصحى الحوارات اليومية لأهل المدينة، لتخرج شهادته عن جرائم الاحتلال نابضة بالحياة.
 
 
"زلازل لتغيير الجنس"
انطفأ نور العلم في ظل الاحتلال التركي لبلاد العرب، حيث هدمت المدارس وظهرت على أنقاضها تكايا الدراويش لبث الخرافة بين الناس. يفضح البديري الحلاق دور العثمانيين في نشر الجهل والخرافة بقوله :"جرى على لسان العامة أنه سيحدث بدمشق الشام زلازل عظيمة تتهدم بسببها أماكن كثيرة، وأن الرجال ستقلب نساء".
يوثق الحلاق الفصيح حادثة تكشف مدى الجهل الذي حل بالشوام خلال منتصف القرن الـ 18 فيقول: "في تلك الأيام هلك مصطفى آغا كيخية الإنكشارية، وكان من الذين يدخرون القوت ويتمنون الغلاء لخلق الله، ولقد بلغني عنه أنه لما أرادوا دفنه حفروا له قبرا فوجدوا فيه ثعبانا عظيما، حتى حفروا عشرات القبور"، لجأ العامة في ذلك المناخ إلى الزار والتضرع بالقبور بدلا من مواجهة مشكلاتهم بالعقل، وشجع الولاة ذلك الجهل بإنفاق المال على التكايا والمشايخ حتى ينشغل الناس بالخرافات عن مواجهة فسادهم.
 
الدالاتية يثيرون الفزع
طبق العثمانيون سياسة "فرق تسد" في الشام، وتداخلت صلاحيات الوالي تتداخل مع قادة الإنكشارية، فيما تضاربت صلاحيات الفرق العسكرية فيما بينها، وفشل العثمانيون في إيجاد جهاز إداري مدني، وكان تصورهم عن الإدارة يتلخص في حكم الفتوات.
عاشت مدن الشام في صراع بين فئات عسكرية عديدة منها اليرلية وهم الإنكشارية المحلية والقبوقول (إنكشارية إسطنبول) والدالاتية وهم مرتزقة الوالي في بغداد والموصل وغيرهم من الفرق والميليشيات.
سجل الحلاق وقائع عديدة من تلك الفتن فيقول في كتابه: "ملكت الدالاتية القلعة فأغلقت البلد وزاد الفزع بين الناس، ولما بلغ الخبر الإنكشارية قاموا على قدم وساق، وقالوا (أخذت منا القلعة يا شباب)، واجتمعوا في باب الجابية بالسلاح الكامل ينتظرون القتال".
استمرت الفتنة بين الدالاتية والإنكشارية حتى تدخل الوالي أسعد باشا العظم واحتل القلعة وقصف أحياء دمشق بالمدافع، ويقول الحلاق الفصيح :"كان أغوات الإنكشارية يقيمون في الأحياء ويسيطرون على الأسواق، فأمر الوالي أن يوجهوا المدافع على سوق ساروجة وأمر بضرب الكل حتى احترقت الدور ودمرت البيوت ثم كانت السرقة، فنهبوا وقتلوا وذهب الصالح والطالح حتى صارت سوق ساروجة قاعا صفصفا".
يضيف الحلاق في سرده لتلك الفتنة "هجمت العساكر في دمشق على الميدان، ولم يتركوا كبيرا أو صغيرا إلا قتيلا أو أسيرا، واستعملوا النهب والسبي وهتك الأعراض، وغير ذلك مما يعمي الأبصار، وتمنوا الموت الدرار، ولم يروا هذه الفظائع المهولة الكبار، وانتكبت أهل الشام نكبة في ذلك العام ما عهدت من أيام التيمور، ولله عاقبة الأمور".
 
 
إتاوات الأغاوات
لم تخل يوميات الحلاق من ذكر اشتداد الغلاء في الشام بسبب سوء الحكام وانعدام الرقابة وتواطؤ التجار مع المسؤولين على نهب العامة، يقول الحلاق: "كانت هذه السنة سنة غلاء في الأقوات وغيرها حتى بلغت أوقية السمن خمس مصاري ونصف ورطل الأرز بستة عشر مصرية، ومد الشعير بثمان مصاري والخبز الأبيض باثنى عشر مصرية ورطل الكعك بأربعة عشر مصرية والخبز الأسمر رطله بخمسة مصاري".
يفسر الحلاق انتشار الغلاء على يد العثمانيين بقوله: "في تلك الأوقات اشتد الغلاء في سائر الأشياء سيما المأكولات مع وجود الأغلال وغيرها، فمن عدم تفتيش الحكام صار البياعون يبيعون بما أرادوا، وهذا الغلاء ما سمعنا بمثله أبدا وقد طال المطال، والناس منتظرة للفرج من الملك المتعال"، كما ساهمت الضرائب الباهظة في إرهاق الشاميين، حيث فرضها الوالي والإنكشارية وغيرهم من أتباع العثمانيين على الصناع والحارات والأنفس والبضائع والعقود، فضلا عن ضرائب الحماية وإتاوات الأغوات.
 
رشوة الدفتردار.. "قتيل" 
أطلق العثمانيون أيادي الولاة لسرقة أموال ومقدرات السكان، وإذا مات الوالي كانوا يسارعون بمصادرة أمواله لصالح السلاطين والوزراء وأرباب الدولة في إسطنبول، وكانت مصادرة أموال الولاة والموظفين المغضوب عليهم أو المتوفين تجارة رابحة عند آل عثمان، ويوثق الحلاق الفصيح في كتابه قدوم الدفتردار فتحي أفندي من إسطنبول لمصادرة أموال سليمان باشا العظم بعد وفاته.
عذب فتحي أفندي حاشية سليمان العظم لإرشاده إلى خزائن أمواله، ونجح في الانقضاض عليها، ثم أرسل بعضها إلى إسطنبول واحتفظ لنفسه بنصيب الأسد، ويقول الحلاق عن فساد ذمة الوالي سليمان باشا :"لما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوع النساء والرجال والبهائم والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال ولم يراقب الله ذا الجلال".
تسلم أسعد باشا العظم ابن شقيق سليمان باشا الولاية خلفا لعمه، وسعى للانتقام من الدفتردار فتحي أفندي، لكن الأخير افتدى نفسه بتقديم الرشاوى لرجال الدولة في إسطنبول، ولما استدعاه السلطان للامتثال أمامه بعد كثرة الشكاوى ضده، افتدوه برجل آخر وأدخلوه إلى السلطان الذي أمر بقتله غافلا عن حيل الحاشية وفسادهم.
يقول الحلاق في كتابه: "قيل إنه دخل إسطنبول سرا وفرق المال سرا وجهرا، وطلبه السلطان فزيوا رجلا بزيه، وأدخلوه على الملك، فقرعه بالكلام وبما وقع منه، وما أرسلت أهل الشام من الشكايات عليه، فكان كلما قال له حضرة الملك محمود خان كلاما يشير له برأسه أن نعم، وكان قد أمره بذلك من أدخله، فحالا أمر بقتله فقتل، وهو يظن أنه فتحي أفندي الدفتردار".
نجا فتحي أفندي من الموت بالرشاوى، لكن أسعد باشا العظم أصر على الثأر منه، وقدم رشاوى كبيرة للسلطان بلغت ألف سرة من الذهب إذا منحه فرمان عزله وقتله، فباع السلطان دم الدفتردار لأسعد أفندي، ليتمكن أخيرا من قتله ومصادرة أمواله وقتل أتباعه.
لم يسلم القضاء والإفتاء التركي من الفساد، وكان القضاة يقبلون الرشاوى، فيقول الحلاق عن فساد المفتين: "بلغني أن حامد أفندي بن العمادي مفتي الشام كان قد خزن القمح مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون الرحيم الرحمن، وأن الكيالة جاؤوا إليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة بخمسين قرشا، فقال لهم: مهلا فلعل الثمن يزيد. فإذا كان مفتي المسلمين ما عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره".
 
مآسي الحجاج
كان موكب الحج يتجمع في دمشق وينطلق بقيادة الوالي الذي يعينه السلطان أميرا للحج، وعانى الحجاج من سوء الإدارة العثمانية التي فشلت في تمهيد وتأمين طرق الحج، وكثيرا ما تعرضوا للمجاعات وغارات البدو والموت عطشا والغرق في الأمطار.
فشل الاحتلال العثماني للشام على مدى 4 قرون في تأمين طريق الحج وتجهيزها للقوافل والمواكب، ويقول الحلاق: "جاء خبر إلى الشام بأن الحج قد شلحه العرب ونهبوه، وسلبوا النساء والرجال أموالهم وحوائجهم، فضجت العالم وتباكت الخلق وأظلمت الشام. ثم أقام الحجاج 4 أيام جوعا وعطشا لا ماء ولا زاد، ومنهم من مات جوعا وعطشا وبردا وحرا، وذلك بعد ما شرب بعضهم بول بعض".
 
 
الإعدام بالكلاب والشنكل
جمع آل عثمان أراذل الخلق حولهم واستعانوا بالفاسدين والأشرار لتعميم الخوف بين الناس، وكان من بين هؤلاء مصطفى باشا متولي الذي يقول عنه الحلاق :"كان سفاكا للدماء ظلوما غشوما أسال دماء كثيرة حينما كان في طرابلس، وكان غالب قتله بالكلاب والشنكل، يترك الرجل حتى يموت جوعا وعطشا، فهرب غالب أهالي طرابلس من ظلمه وتفرقوا في البلاد، وأرسل أعوانه في طلب الهاربين، والذي قبض عليه كان من الهالكين". 
لم يتميز السفاح مصطفى باشا عن صديقه إبراهيم متسلم دمشق الذي كان مملوكا لسليمان باشا العظم، ويقول عنه الحلاق: "كان له ظلم وعدوان وجرأة على الخاص والعام، وكان يأمر بالقبض على كل من رأه بعد العشاء، ويأمر بتقييده في الحال بالحديد، إلى أن يأخذ منه مالا كثيرا، وإذا أذنب أحد ذنبا ولم يقدر على قبضه يقبض من يقدر عليه من أهله وقرابته، ويلزمه بمال عظيم".
 
 300 فتاة في بستان الاغتصاب
ذاقت القبائل العربية الويل على يد الإنكشارية، ولم يصن العثمانيون حرمة النساء وظلوا على عاداتهم الوحشية في السلب والنهب والاغتصاب، ويسرد البديري الحلاق في كتابه حادثة غدر الوالي أسعد باشا بسكان قرية درزية بقوله: "بلغني عن أسعد باشا وهو نازل إلى جبل الدروز أنه أمر عسكره بنهب ضيعة من ضياع البقاع، فلما وصلوا إليهم تلقتهم أهلها بالبشر والفرح والسكون، وهم عما يراد بهم غافلون، ثم أنزلوهم وذبحوا لهم وضيفوهم، فنزلوا فأكلوا واكتفوا، ثم قاموا وجردوا عليهم السيوف، فصاحوا عليهم لا تفعلوا أنتم أصدقاؤنا ونعم الضيوف. فلم يسمعوا بل قتلوا منهم جماعة وجرحوا، فطلبوا الهزيمة حالاً وفروا من وجوههم".
يضيف الحلاق الفصيح في كتابه "نهبوا متاعهم ومصاغهم وأموالهم، ثم طلبوا النساء فهربن من بين أيديهم، ودخلوا بعض البساتين هناك، وكانوا يزيدون على 300 امرأة وبنات أبكار، فهجم عليهم كذا ذلك العسكر الإنكشاري، ومسك كل واحد منهم واحدة، وهم يصطرخون بالبكاء والعويل، فلم يجدن مساعدا حتى فعلوا بهن المنكر. وهذا نقله لي من اطلع على حقيقة هذا الخبر. وحرقوا القرية بعدما نهبوا جميع ما فيها وترك أهلها بالويل والتنكيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وكان ذلك سبب فتنة الدروز مع والي دمشق".
 
ثورات المظلومين
لم يستسلم أهل دمشق أمام ظلم العثمانيين، بل ثاروا عليهم عدة مرات، وهاجموا سرايا الوالي والمحكمة، ويقول الحلاق: "قامت العامة وهجمت على المحكمة، وطردوا القاضي ونهبوا الأفران. وسبب ذلك كثرة الغلاء والازدحام على الأفران، وقلة التفتيش على صاحب القمح والطحان والخزان".
ويسرد وقائع ثورة أخرى لأهالي الشام فيقول: "قامت العامة من قلة الخبز وغلو الأسعار وهجموا على السرايا، رافعين أعلى أصواتهم بالبكاء والتضرع، قائلين ما يحل من الله قلة الشفقة على العباد الذين تضرروا بالغلاء، وأنت حاكم الشام ومسؤول عند الله عنا وعن هذه الأحوال". 
انتشرت حوادث الانتحار بين الشاميين لانعدام الأمل في صلاح الحال تحت سطوة العثمانيين، ويقول الحلاق :"وضع رجل يقال له المجري طبنجة في بطنه وقتل نفسه، فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا هذا رجل عليه دين، فقتل نفسه من شدة كربه وقهره".

Qatalah