يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يكتسب السلطان العثماني عبدالحميد الثاني مكانة خاصة في سلسلة الحكام أصحاب الأيادي الملطخة بدماء الأبرياء، الرجل لم يكتف باضطهاد الأرمن بل ارتكب بحقهم مجازر مخزية ومروعة يشهد عليها تاريخ طويل من القتل والأرض المفروشة بالجثث.
واجه عبدالحميد الثاني انهيارا شاملا في مؤسسات الدولة إثر تطاير ممالكه في الخارج من بين يديه واحدة تلو الأخرى، وجد نفسه أمام مطالب الأرمن بالاستقلال على غرار القوميات المسيحية في البلقان، لكنه بدلا من الاستماع والتفاوض لجأ إلى حيلة أشد تأثيرا، اتهمهم بالعمالة لصالح روسيا القيصرية وقمع حركتهم في مهدها.
أسس السلطان الأحمر ميليشيات من الخيالة الأكراد لمواجهة الثورة الأرمنية المحتملة باسم "الفرسان الحميدية"، لم تفرق بين العزل والمسلحين في هجومها على القرى الجبلية بضراوة عام 1894 ونفذت مذبحة قرب "مرعش" وأخرى بجوار بحيرة "فان"، وفي العام التالي حدثت مجازر جديدة استمرت حتى 1896، وفي أيام عبد الحميد الأخيرة في السلطة شهد أبريل 1909 جرائم مروعة شملت الولايات الأرمنية خاصة أضنة، واستحق الرجل ألقابا منها "القاتل العظيم"، "السلطان الأحمر" و"عبدول اللعين".

البداية: تعهد بالأمان
شارك وفد أرمني برئاسة "نيرسس" بطريرك الأرمن في إسطنبول في معاهدة الصلح بـ"سان ستيفانو" مارس 1878 بين الدولة العثمانية وروسيا، وبمساعدة القيصر الروسي أُدرجت المادة الـ16 ونصت على تعهد العثمانيين بإدخال إصلاحات في الولايات الأرمنية وتأمينها من اعتداءات الأكراد والشراكسة.
تعلقت آمال الأرمن بمؤتمر برلين عام 1878 في تعديل وضعهم على نحو أفضل مما قررته سان ستيفانو وكونوا وفدا برئاسة الأسقف الأرمني في إسطنبول، وقدموا إلى "أوتو بسمارك" رئيس المؤتمر بالعاصمة الألمانية التماسا مطالبين بوضع نظام حكم ذاتي على غرار نظيره في لبنان على أن يكون رئيسهم مسيحيا من الأرمن.
نصت معاهدة برلين في المادة الـ61 على: تتعهد الدولة العثمانية بأن تجري دون تأخير في الولايات التي يسكنها الأرمن التحسينات والإصلاحات التي تحتاج إليها أمورها الداخلية، وأن تتعهد بتأمينهم من اعتداءات الشراكسة والأكراد، وعلى الدول الكبرى أن تراقب تطبيقها.
شعر الأرمن عقب مؤتمر برلين أن قرار المؤتمر حبر على ورق، لم ينفذ السلطان عبدالحميد الثاني تعهده وتمسك بسياسته المركزية وأقدم على عزل الأرمن من أغلب المناصب السياسية والإدارية بالحكومة.

خطة الشيطان: الميليشيات الحميدية
تبنى عبدالحميد نهج أجداده السفاحين تجاه الأرمن بتشكيل مجموعات إرهابية من الأكراد سماها "الفرسان الحميدية" عام 1891، وتكونت من مقاتلين أكراد وتركمان مهمتها مراقبة ولاء ولايات فان وبتليس وأرضروم الأرمنية، وبلغ عددها 80 ألفا وظلت قائمة حتى عُزل عبد الحميد عام 1909.
أمد "القاتل العظيم" ميليشيا "الفرسان الحميدية" بالأسلحة ومنحها امتيازات متنوعة وبإيعاز منه هاجمت قرى ومدن الأرمن ونهبت وسلبت الممتلكات وخطفت النساء، كما أمر السلطان الموظفين الأتراك بابتزاز الأرمن بفرض عليهم إتاوات.
كانت أشد مذابح الأرمن عام 1894 في ساسون ثم طرابزون والرها، وبيره جك في 1895، وفي خاربوت وتيكسار وفان 1896، فضلا عن مجازر واضطرابات إسطنبول 1895 و1896.

زكي باشا: القتل شريعة السفاح في ساسون
فرضت الدولة العثمانية على الأرمن ضرائب باهظة وتشدد الولاة في جمعها دون مراعاة للأوضاع السيئة للفلاحين، وشهد عام 1894 انخفاضا حادا في إيراد المحاصيل وصحبه ارتفاع في أسعار المواد الغذائية، فاجتمع الفلاحون وشكلوا وفدا للقاء الوالي العثماني وطالبوا بتخفيض الأموال أو تأجيلها للعام التالي، ما رفضه عبدالحميد الثاني وأمر بجباية الضرائب بالقوة وأرسل قوات عسكرية بقيادة المشير زكي باشا المعروف بكرهه للأرمن ورغبته الدموية في إبادتهم، وأسرعت ميليشيا الحميدية يعاونها أخرى كردية بالتنكيل بالأبرياء.
استطاع العثمانيون في ثلاثة أسابيع القضاء على قرى أرمنية كاملة، وتذكر المصادر التاريخية أن قوات زكي باشا ذبحت 20 ألف أرمني ودمرت 25 قرية، وتقديرا لجهود السفاح منحه عبدالحميد الثاني وسام شرف لأعماله البطولية.
لم تمر المذبحة سلاما على الدولة العثمانية، إذ عقدت اجتماعات في لندن لمطالبة الحكومة البريطانية بالتدخل لوقف المجازر، ما حدث بالفعل وطلب من إسطنبول تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق.
وفي 11 مايو 1895 قدم سفراء بريطانيا وفرنسا وروسيا في إسطنبول مشروع مصالحة، اشتمل على إدخال الإصلاحات في الولايات الأرمنية شرقي الأناضول، والعفو عن مسجوني الرأي الأرمن الذين صدرت عليهم أحكام بالنفي أو السجن والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإنشاء لجنة دولية لمراقبة تنفيذ الإصلاحات وعدم تجدد الاضطرابات والمذابح، وافق عبدالحميد على وقف المجازر ورفض إنشاء اللجنة الدولية.

مذابح إسطنبول: إدمان الدم
نظر الأرمن إلى وعود عبدالحميد عقب مذبحة ساسون على أنها مثل سابقاتها حبر على ورق، وأيقنوا أنه لا خير يأتي من الدولة العثمانية لهذا قرروا نقل نشاطهم إلى إسطنبول.
خرجت مظاهرات أرمنية سلمية بإسطنبول في 30 سبتمبر 1895، فيما أوعز السلطان إلى ميليشياته بالخروج في احتجاجات مناوئة ليتملص من الدماء المسفوكة. 
استمرت مذابح إسطنبول عدة أيام بعدها فر الأرمن إلى الأناضول، وتزعم شاكر باشا القوات العثمانية بالأناضول وأمر جنوده بالنهب والسلب وحرق العشرات من القرى، ثم هاجم الكاتدرائية الأرمنية في أورفا وأحرقها وأسفرت المذبحة عن 3 آلاف قتيل ماتوا حرقا، ثم انتقلت الاضطرابات وحوادث القتل إلى فان، وطرابزون والرها وبيره جك، وأسرف عبدالحميد في دمويته إذ خلفت المجزرة 200 ألف قتيل أرمني.
لم يكتف عبدالحميد من شرهه إلى الدم، عمدت السلطات إلى عمليات انتقام واسعة ضد الأرمن في إسطنبول، كان الجنود مسلحين بالهراوات يضربون كل أرمني يقابلونه ثم اتجهوا إلى مساكنهم وداهموا منازل الأجانب الذين يستخدمون الأرمن خدما، وكذلك المحلات التجارية الأرمنية، وكان ضباط الشرطة يرشدون المسلحين على أماكن التجمعات، وقدر عدد القتلى في 27 و 28 أغسطس عام 1896 بستة آلاف روح.
قدم الأرمن عقب أحداث أغسطس الدامي مذكرة إلى سفراء الدول الأوروبية في إسطنبول تضمنت المطالب المراد إبلاغها لحكوماتهم وللسلطان عبدالحميد الثاني، وكان مطلبهم الرئيس تعيين ولاة مسيحيين لحكم الولايات الأرمنية، والإعفاء من الضرائب خمس سنوات تعويضا عن الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال وإصدار عفو عام عن جميع الأرمن وإرجاع كل الممتلكات التي صادرتها الحكومة، لكن السلطان رفضها جميعا.

مجزرة أضنة: "أحرق - دمر - اقتل"
وقع الانقلاب الدستوري عام 1908 وأصدر السلطان عبدالحميد فرمانا في 23 يوليو من السنة ذاتها بإعادة الحياة الدستورية، ولم يشترك الأرمن في الأحداث، بل نفذها الجيش العثماني في سالونيك ومناستير وفي مقدونيا وأيدهم الجيش الثاني في أدرنة، وابتهجت البلاد بإعادة العمل بالدستور وتقييد سلطات السلطان عبدالحميد.
شارك الأرمن في الحياة السياسية الجديدة، وأجريت الانتخابات العامة بمشاركة الأرمن وحصلوا على 14 مقعدا في البرلمان، واستغلوا الفرصة للمطالبة بالحصول على حقوق سياسية تحت مظلة الدولة العثمانية، لم تلق تلك المطالب أي ترحيب من السلطان عبدالحميد أو جمعية الاتحاد والترقي صاحبة الأغلبية البرلمانية.
شهدت الدولة العثمانية أبريل 1909 اضطرابات سياسية نتيجة انقلاب عبدالحميد على الدستور والحياة النيابية، وبعد تحقيق مراده توجه إلى قمع الأقليات التي ساندت الحياة الدستورية باعتبار أنها تنادي بتقليص صلاحياته، فأمر القوات بالولايات الأرمنية بمعاقبتهم كما أمر ميليشيات الأكراد الوحشية بالعبث بأراضيهم.
أصدر عبدالحميد الثاني منشورا في 15 أبريل 1909 إلى حكام ولايات الأرمن، يأمرهم بالمحافظة على الشريعة الإسلامية، وتضمن رسالة مشفرة للولاة لإطلاق آلة القتل الدموية ضد الأرمن المعارضين لحكم آل عثمان وحفزهم بعبارة "أحرق - دمر - اقتل"، وصدرت الأوامر بالذبح والترويع بحق سكان 6 ولايات وهاجمت القوات البربرية 200 قرية بولاية كيليكيا.
برز في الأحداث أقليم أضنة بوصفه الأكثر صمودا، وكان الأهالي قد شيدوا قوس نصر تذكاري ابتهاجا بإعلان عودة الدستور في عام 1908 فحطمته الميليشيات الحميدية، فيما ردت إسطنبول بحشد قواتها لاقتحام الإقليم واستباحته، وعاثت القوات خرابا في أضنة بأخلاق لا تمت للإسلام بصلة.
أحرقت الميليشيات الحميدية المنازل وأعدمت 3 آلاف رجل أمام كنيسة أضنة، وانتهكت الحرمات واغتصبت النساء وخطفت الأطفال، ثم نصبت أكمنة لاصطياد الفارين من هول المذبحة، ومع بشاعة المشاهد الدموية أرسلت فرنسا أسطولها إلى الإسكندرونة لإنقاذ المدنيين واللاجئين، لكن القوات العثمانية هاجمتهم وقتلت الآلاف على سواحل البحر، وقد خلفت دموية العثمانيين بأضنة 30 ألف قتيل وشردت الآلاف.
جرائم العثمانيين بحق الأرمن لم تنته مع السلطان عبدالحميد، حيث سفك جنود السلطنة دماء 1.5 مليون أرمني في المذبحة الكبرى 1915، ورغم اعتراف جميع المؤرخين بمجازر الأرمن على يد الأتراك، إلا أنهم مازالوا يشوهون الحقائق الموثقة ويتبجحون بإنكار هذا التاريخ الأسود.

Qatalah