يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"قريش قبيلة تركية، والنبي محمد ﷺ يعود إلى أصول تركية، اسمه الحقيقي ماماد أوغلو، نجح في توحيد البدو في شبه الجزيرة العربية، وتأسيس ديانة انتشرت في العالم كله، وهذا دليل على أنه كان سليل أمة متحضرة عظيمة، هي تركيا"، هذا القول ليس هذيان مجنون عابر في أحد شوارع إسطنبول، لكنه للباحث الأمريكي، جين ميتلوك، أحد علماء "الطورانية الجديدة"، والتي تسعى لإثبات أن الأرض بأعراقها بأديانها، تعود إلى أصول تركية.
منذ أن أسس كمال أتاتورك الجمعية التاريخية ومعهد اللغة التركيين، في ثلاثينيات القرن الماضي، وكل منهما يؤدي دورا متكاملا في التأسيس لنظريات جديدة، تثبت تفوق العرق التركي على ما عداه. ونجحت خلال الوقت في استقطاب عدد من الباحثين من جنسيات مختلفة.
بعد تأسيس الجمهورية في أنقرة العام 1924، والزعم بأن للعرق التركي الفضل في تأسيس كل الحضارات التي عرفها الإنسان يوما شرقا وغربا، وبعد الادعاء بأن اللغة التركية هي أصل كل لغات العالم، كان الدور على العقائد والأديان الكتابية الكبرى، اليهودية والمسيحية والإسلام. وخرجت حولها نظريات مجنونة، كتبتها أقلام مريضة، تجعل تلك الأديان كلها تركية الأصل والمبتدأ، وتجعل أنبياءها المؤسسين، وعلى رأسهم خاتم النبيين محمد ﷺ أتراك الآباء والأجداد. 
 
الجمهورية وأزمة الدين
كان الدين يمثل المعضلة الأكبر أمام مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك. فمنذ اقتحم الأتراك الأوائل الأناضول في القرن الـ12 الميلادي، وحتى سقوط الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن الـ20، ظل "الإسلام" مكونا رئيسا في الثقافة التركية، حتى في ظل التوجهات التحررية التي اشتهرت بها سلالة آل عثمان. 
اعتبر أتاتورك الإسلام، بحضوره الثقيل في المجتمع التركي، وعلى الأخص في قواعده الشعبية، التهديد الأخطر للعلمانية التي أراد فرضها بالقوة على تركيا الحديثة. وراح يضغط على ضرورة الالتفاف بتطرف حول القومية التركية، واستبدال هوية الأتراك "الإسلامية" بأخرى "قومية"، يصبح فيها "الوطن" بديلا عن الدين. يزيحه بصورة كاملة عن الحياة، ولا يدع له فرصة للبقاء بجواره. 
أضفى مصطفى كمال على عملية "تبديل الهوية" تلك، طابعا مؤسساتيا، بإنشائه معاهد تقدم نظريات علمية زائفة، تخدم أغراضه السياسية بامتياز. وكان أهمها على الإطلاق، الجمعية التاريخية التركية، ومعهد اللغة التركي، وشكّلت النظريات التي قدمها القائمون عليهما الأساس التي تخلص به الأتراك من موروثهم التاريخي _ الديني، أي العثماني _ الإسلامي. 
   
في مؤتمر التاريخ الثاني الذي عقدته الجمعية التاريخية العام 1932، ركزت بعض الأوراق البحثية المقدمة على تهميش دور الإسلام في تاريخ العرق التركي "المتفوق"، بل ووصل الأمر بمؤرخ تركي هو "شرف الدين يالتكايا" إلى الزعم باقتباس الإسلام من العقائد الخاصة بـ"الأتراك القدماء"، ودلل على ذلك مثلا بـ"صلاة الاستسقاء" وتشابهها مع عادة "حجر المطر" عند الرعاة الأتراك. هذا على الرغم من أن كلا من العادة العربية أو التركية، لا تربطان بصلب العقيدة الإسلامية، بقدر ما ترتبط بـ"طقس ابتهالي" عرفته كافة الشعوب التي عاشت في أقاليم مناخية جافة ونادرة المياه. 
وفي ورقة أخرى، عمد مفكر تركي آخر هو "صدري مقصودي أرسال" إلى إخراج النبي محمدﷺ من دائرة النبوة، إلى دائرة البطولة القومية، وقال صراحة إن الوقت قد حان ليحصل الأتراك على بطلهم القومي، ويقصد "مصطفى كمال"، مثلما حصل العرب على بطلهم القومي في القرن السابع للميلاد، ويقصد بالطبع النبي ﷺ.
كان أرسال نفسه هو الذي بدأ اتجاها جديدا في تعامل القوميين الأتراك مع الأديان الكتابية الثلاثة، اليهودية، والمسيحية، والإسلام. خرجت من مجرد الانتقاص من تلك الأديان، وبالأخص الإسلام، إلى الادعاء صراحة أن تلك الأديان كلها "تركية الأصل". 
المفكر ذو الأصول التترية قدم في نفس المؤتمر، نظرية زائفة جعلت من الأتراك بناة أصليين للحضارات الشرقية القديمة، السومرية، والمصرية، والحيثية. وكان اعتبار السومريين تحديدا، أتراكا في الأصل، هو الباب الذي انفتحت منه أكبر خرافات تركيا الحديثة. 
 
النبي نوح.. أصله تركي
في العام 1936، عقد معهد اللغة التركي مؤتمرا قدم خلاله حسن رشيد تانكوت وإبراهيم نجمي ديلمين نظرية لسانية أطلقا عليها اسم "نظرية لغة الشمس"، وادعيا عبرها أن اللغة التركية هي اللغة الأم التي انبثقت عنها كل اللغات العظيمة الأخرى.
سارت "لغة الشمس" وراء نظرية أرسال السابقة في الربط بين السومريين والأتراك. وادعت أن اللغة السومرية هي أقدم أشكال اللغة التركية على الإطلاق. ولما كانت أقدم نسخة لقصة الطوفان هي النسخة السومرية، فقد اعتبر القوميون الأتراك أن زيوسودرا، بطل ملحمة الطوفان السومرية هو نفسه النبي نوح بطل الطوفان في التراث التوراتي، ثم القرآني.
 وإذا كان زيوسودرا، أو نوح هو في الحقيقة نبي تركي، وقد اتفقت الأديان الكتابية أنه قد أنجب بعد النجاة من الطوفان ثلاثة أبناء هم سام وحام ويافث، قدر لكل واحد منهم أن يؤسس واحدا من الشعوب الكبرى التي تكون منها العالم، فإن ذلك يعني أن كل الشعوب التي سكنت العالم بعد الطوفان هي شعوب تركية. وأن كل الأنبياء الذين تعاقبوا من صلب نوح هم أنبياء أتراك. 
شرح تلك الخرافة فأوفى، الطوراني المهووس "صلاحي ديكير" في كتابه "والعالم بأسره كان لغة واحدة.. 10 آلاف عام من اللغة التركية"، وقد تابعه باحث آخر مصاب بلوثة الطورانية الجديدة هو الأمريكي "جين ميتلوك"، والذي أكمل تتريك الأديان الكتابية في كتابه العبثي "المسيحية.. ديانة البشر العالمية الأولى". 
 
المسيح.. أصله تركي
يستخدم ميتلوك الأساطير الواردة في الكتب الهندية المقدسة بكثافة، للتدليل على أن العرق الآري، الذي ينتمي إليه الأتراك، قد أنشأ الدين لأول مرة في مساكنه الأصلية في آسيا الوسطى، ثم ما لبث أن نشره في العالم بتخريجات مختلفة، بعد أن أجبر على الخروج من موطنه. 
قال ميتلوك إن الآريين، أو الأتراك، كان يطلق عليهم في القديم اسم شعب "كريستايا"، وهو شعب بالغ التحضر، قامت عقيدته على عبادة الشمس التي اعتبروها خالقة كل شيء في العالم. وكان يرمز إلى تلك العقيدة بنسر مزدوج الرأس، يطلق عليه اسم "كريستا". له رأس تنظر إلى الغرب والأخرى إلى الشرق. 
نتيجة للجفاف الذي ضرب آسيا الوسطى، تحرك شعب "كريستايا" من آسيا الوسطى إلى الهند وغيرها من بقاع العالم، وبنوا كل الحضارات المعروفة في الهند، و"سومر"، ومصر، بل وحتى حضارات أمريكا الوسطى والجنوبية، والتي وصلوا إليها من خلال تقدمهم التقاني في ارتياد البحار، باعتبار أنهم هم أنفسهم "الفينيقيون" الذين سكنوا سواحل الليفانت (الساحل السوري).
ووفقا لـميتلوك، فإن الأتراك إضافة إلى بنائهم الحضارات سالفة الذكر، نقلوا كذلك إلى البلدان التي هاجروا إليها "عبادة الشمس التي كانوا يدينون بها. ومن خلال تلك العقيدة انبثقت الديانة الكتابية الأولى، اليهودية، والتي كان مؤسسها النبي موسى وبطبيعة الحال من الأتراك. وكانت فكرتهم عن الألوهة، قد تحولت عن التعبد للشمس، إلى ابتكار إله متعال غير مرئي، وإن كان يتجسد أحيانا، هو "يهوه".
واستكمالا للعبث، يؤكد ميتلوك أن "آل داوود" أو "بيت داوود" الذين قبضوا على السلطة في مملكة بني إسرائيل كانوا أتراكا. وبالتالي فإن السيد المسيح، مؤسس الديانة الكتابية الثانية، المسيحية، كان تركيا. وميتلوك يطلق عليه لقب "ديفيد كوريش" بمعنى "حفيد القرائين الأتراك".    
وفي رأي ميتلوك، فإن الأرمن، وهم في الأصل أتراك أيضا كما ذكر صلاحي ديكير، والذين كانوا أول الشعوب اعتناقا للمسيحية، قد استخدموا الاسم القديم للشعوب التركية، كريستايا، وحرفوه إلى كريستيان، بمعنى "مسيحي"، بعد أن كانت تعني ببساطة "تركي". 
 
النبي محمدﷺ.. "ماماد أوغلو"
تتريك "المسيحية" لم يكن النهاية بالنسبة لـ"جين ميتلوك" الذي طور نظريات الجمعية التاريخية التركية إلى مداها ووصل بها إلى ضفاف العقيدة الإسلامية هي الأخرى.
عرض ميتلوك تاريخ النبي محمدﷺ نفسه، وقبيلته قريش لنقده الجهنمي. واستنادا على "نظرية لغة الشمس" التي جعلت اللغة العربية فرعا من فروع اللغة التركية، قال إن شبه الجزيرة العربية كانت واحدة من المقاصد التي هاجر إليها الأتراك، أو شعب "كريستايا" وقت خروجهم من آسيا الوسطى، وأن القبائل العربية كلها التي مثلت القوة البشرية لتلك الصحراء القاحلة، كانت تنحدر من أجدادهم الأتراك. 
وبناء على ما سبق، قرأ ميتلوك اسم قبيلة "قريش" باعتباره دليلا على الأصل التركي للعرب، خاصة على مستوى المقطع الأول من الكلمة "قور"، الذي ينتمي إلى اللغة القديمة لشعب كريستايا. وذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم، اسمه في الأصل "ماماد أوغلو".
 
الناتج الأكبر للعبث
تعتبر نظريات الطورانيين الجدد حول الأصل التركي للأديان الكتابية، هي الناتج المنطقي للخرافات التي اكتست رداء العلم، وانتشرت على يد الطورانيين القدامى في ثلاثينيات القرن العشرين، من خلال الجمعية التاريخية التركية، ومعهد اللغة التركي.
فالمتتبع لكتابات "صلاحي ديكير"، أو "جين ميتلوك"، يجد أن كل المرتكزات التي بنيت عليها، كانت هي نفسها النظريات التي أذاعها صدري مقصودي أرسال، أو أصحاب نظرية لغة الشمس قبل نحو 9 عقود من الزمان. وكانت العبثية المطلقة التي كتبت بها تلك النظريات هي من سمحت للجنون الذي أتى بها ديكير، أو ميتلوك. 

المصادر :


Qatalah