يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مع دخول الدولة العثمانية النزع الأخير في نهاية القرن التاسع عشر، حاولت دعاية إسطنبول الترويج لأفكار الخلافة العثمانية من أجل حشد المسلمين والدفع بهم إلى ساحات المعارك للدفاع عن ملك العثمانيين المنهار، وهي الخطوة التي روج لها السلطان عبد الحميد، لكن محاولته تحطمت على صخرة مجموعة من المفكرين العرب الذين رفضوا استمرار الطغيان التركي بما يمثله من أداة لقمع شعوبهم على مدار قرون، وألفوا الكتب التي فندت وفضحت المزاعم العثمانلية، فأفشلوا المخطط التركي ومنحوا العرب قبلة الحياة لنيل استقلالهم.
شكلت الكتابات العربية صخرة تحطمت عليها دعوات ستر عورات الاحتلال العثماني بغطاء الخلافة الإسلامية، الأمر الذي أصاب محاولات إسطنبول بالفشل الذريع، فعلى الصعيد الفكري انتشرت آراء المفكرين العرب في العالم الإسلامي انتشار النار في الهشيم، لتسقط محاولات السلطان عبد الحميد في ادعاء الخلافة، وعلى الصعيد السياسي تكللت جهود شعوب المنطقة في صورة الاحتفاء بالثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين حاكم مكة الذي أصبح بطل العرب للحصول على الحرية من المحتل التركي.

طبائع الاستبداد
يمثل كتاب "أم القرى" لعبد الرحمن الكواكبي أحد أقدم وأهم الأطروحات العربية المناهضة لبدعة الخلافة العثمانية التي عمقها السلطان عبدالحميد الثاني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكانت بلاغة الكواكبي وقدرته على طرح مزاعم العثمانيين بأحقيتهم في الخلافة الإسلامية أرضا سببا في ملاحقته من قبل رجال السلطان عبدالحميد في الشام، ثم في مصر التي اغتيل مسموما على أرضها بأوامر سلطانية عام 1902.
قدم الكواكبي في كتابه ما يمكن وصفه بـ "المحاكمة التاريخية" للعثمانيين عبر عرض مكثف وبليغ لجرائمهم في حق الإسلام والمسلمين وسائر الأمة العربية، فيقول واصفا الدولة العثمانية إنها: "دولة ما توقفت لنفع الإسلامية بشيء في عز شبابها، بل أضرتها بمحو الخلافة العباسية المجمع عليها وتخريب ما بناه العرب".
شن الكواكبي هجوما ساحقا على العثمانيين، قائلا: "أليس الترك قد تركوا الأمة أربعة قرون ولا خليفة، وتركوا الدين تعبث به الأهواء ولا مرجع، وتركوا المسلمين صما بكما عميا ولا مرشد؟! أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة، وتركوا الهند مساهلة، وتركوا الممالك الجسيمة الآسيوية للروسيين، وتركوا قارة إفريقيا الإسلامية للطامعين، وتركوا المداخلة في الصين كأنهم الأبعدون؟! أليس الترك قد تركوا وفود الملتجئين يعودون خائبين، وتركوا المستنصرين بهم عرضة للمنتقمين، وتركوا ثلثي ملكهم طعمة للمتغلبين؟!".
في أسئلته الصاعقة تلك يؤكد الكواكبي أن العسكرية العثمانية لم تفد المشرق بقدر ما أضرته، وأن العثمانيين بصفتهم القوة الإسلامية الوحيدة خلال مطالع العصر الحديث في القرنين الرابع عشر والخامس عشر لم يسعوا لانتشال الإسلام من كبواته العسكرية الظاهرة في ذلك الوقت، حيث تركوا الأندلس طعمة في أيدي ملوك إسبانيا الكاثوليكية، وفي القرن التاسع عشر، حيث عاش الكواكبي، تخلى العثمانيون كذلك عن الدفاع عن الأقطار الإسلامية الكبرى التي وقعت فريسة في يد الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والروسي، سواء في شبه القارة الهندية أو في أفغانستان وأواسط آسيا أو في شمال إفريقيا.
تهكم الكواكبي من محاولات إحياء العثمانيين للخلافة، فكتب بمداد من السخرية المريرة: "فهل والحالة هذه ما آن لهم أن يستيقظوا ويصبحوا من النادمين على ما فرطوا في القرون الخالية فيتركون الخلافة لأهلها، والدين لحماته، وهم يحتفظون على بقية سلطنتهم ويكتفون بشرف خدمة نفس الحرمين وبذلك يتقون الله في الإسلام؟! أما الترك فإذا دقق الأوروبيون سياستهم يجدونهم لا يقصدون بالاستناد للدين غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم بسهولة".
عقب محاكمته التاريخية، يصل الكواكبي إلى الجانب الأهم في طرحه عندما يتعرض للقضية المعاصرة له، وهي محاولة السلطان عبدالحميد الثاني التسمي بالخلافة، ويدعوه صراحة للتخلي عن تلك الدعوة وتركها ليتم إحياؤها بيد العرب. وأمام قوة حجته وانتشار كتاباته بين العرب، أطلق السلطان العثماني كلابه المسعورة لملاحقة الكواكبي الذي هرب من الشام إلى مصر، لكن رجال الطاغية كانوا في أثره، فدسوا له السم بين صفحات الكتب، وكان كلما بلل أصبعه لتقليب الصفحات نقل السم إلى جسده ببطء ما أدى لوفاته في النهاية.

ترويج باطل
التيار المناصر لفكرة الخلافة العثمانية حاول الرد على الكواكبي في عدة كتب يغلب عليها الطرح الرومانسي القائم على تبرير الأخطاء، وربما كان الأبرز في ذلك المجال كتاب "تاريخ الدولة العلية العثمانية" لمحمد فريد بك الذي حاول تزوير الحقائق ولي أعناق النصوص في سبيل الانتصار لقضيته مهما كان الثمن، فهو يعد نموذجا مثاليا على الحال الذي تنتهي إليها كتابة التاريخ حين تحكمها الأيديولوجيا.
حاول محمد فريد إثبات صحة ادعاء العثمانيين للخلافة بكل السبل، فزعم أن التنازل العباسي عن الخلافة للعثمانيين في عهد سليم الأول واقعة تاريخية، وما أورده رواية خيالية ملفقة تمت صياغتها في القرن التاسع عشر من قبل العثمانيين، وهنا نجد الرد عند أحد ممثلي التيار الإسلامي ذاته، وهو محمد رشيد رضا الذي يرى شرعية خلافة العثمانيين، لكنه أكد في كتابه "الخلافة" أن الدولة العثمانية اكتسبت شرعيتها بـ "قوة التغلب لا بقوة الشرع"، وأن حكاية تنازل المتوكل العباسي لسليم الأول ساقطة من أساسها.

نسف الأوهام
أمام قوة حجة الكواكبي انهار مشروع عبدالحميد العثمانلي قبل أن يجبره انهيار الجبهة الداخلية على التنحي عن الحكم عام 1909، ومع تداعي السلطنة العثمانية وزوال قدرتها على البقاء أعلن مصطفى كمال أتاتورك إلغاء السلطنة عام 1922، مع الإبقاء على السلطان محمد السادس في منصب الخليفة الشرفي دون أية سلطات، ثم ألغى أتاتورك الخلافة ذاتها عام 1924 في بيان باللغتين العربية والتركية أكد فيه أن المنصب "يعتمد على شروط معينة من الصعب توافرها".
السقوط الكامل للدولة العثمانية سبب صدمة للأوساط الدينية العربية وخاصة السلفية منها، التي نصبت سرادق العزاء في "الخلافة" المقبورة، وبدأت في الدعوة لإحياء "الخلافة العثمانية"، بل استضافة الخليفة العثماني في بلاد العرب، مثلما جاء في كتاب "الخلافة أو الإمامة الكبرى"، في وقت دخل حكام العرب المزاد وطالب البعض منهم بمنحه لقب الخلافة، وعلى رأسهم ملك مصر فؤاد الأول، وفي ظل هذا المناخ المشحون بشجون الخلافة ظهر الشيخ المصري علي عبدالرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي فند مزاعم شرعية الخلافة من جذورها فأصاب حملات إحياء الخلافة العثمانية في مقتل.
ألف عبدالرازق كتابه الصغير عام 1926، مؤكدا أنه منصب لا علاقة له بالدين وأنه أفسد الإسلام ولم يفده، وأكد أن الحديث عن الخلافة باعتبارها من الأمور المنصوص عليها في الإسلام، مقولة غير صحيحة، وهو يرى أن نظام الخلافة الذي نسب للإسلام ليس من الإسلام في شيء، إنما هو من وضع المسلمين، ولهم أن يغيروا النظام طالما تغيرت ظروفهم السياسية والاجتماعية، وأن الأفضل للمجتمعات الإسلامية في العصر الحديث هو إقامة دولة مدنية تحترم الحقوق وتفرض الواجبات على الجميع في مساواة تامة.
ألقى عبدالرازق بحجر ضخم في ماء راكد، فهاج دعاة الخلافة العثمانية في المشرق العربي ضده، طاردوه ومنعوه من العمل، ورفعوا ضده الدعاوى القضائية، وكتبوا في الصحف لتشويهه والنيل من عرضه، لكن الحملة المسعورة لم تنل من قوة أطروحته، واستطاع بكتبه أن يحبط المحاولات الساذجة لإحياء حكم العثمانيين.
سار على نهج الشيخ علي عبدالرازق المؤرخ اللبناني الكبير أسد رستم الذي أكد في مقال بعنوان "السلطان سليم والخلافة" نشره في حوليات الجامعة الأميركية في بيروت عام 1925، أن الدولة العثمانية تاريخيا لم تكن أبدا دولة "خلافة" إنما "سلطنة" و"ما بينهما بين شاسع في المدلولات الدينية والدنيوية".

تفنيد أكاديمي
عمد رستم لإثبات طرحه إلى دراسة قصة التنازل الشهيرة التي تشير إلى أن الخليفة العباسي المتوكل تنازل عن الخلافة لسليم الأول عقب غزو الأخير لمصر عام 1517، وبالاطلاع على المصدر الأقدم لحادث الغزو العثماني للمشرق العربي وهو ابن إياس، اكتشف رستم أن القصة لم ترد بأية صورة عند المؤرخ المصري، كما أن المؤرخين الأتراك أنفسهم من المعاصرين لتلك الفترة من أمثال سعد الدين خوج لم يرد لديهم لقب الخلافة من بين 16 لقبا للسلطان سليم، وإضافة إلى القراءة في المصادر لجأ العلامة اللبناني إلى علم المسكوكات للتأكيد على طرحه، إذ اطلع على النقود المضروبة في عهد كل من سليم الأول وابنه سليمان القانوني ووجد أن لقب خليفة رسول الله لم يتواجد على أي منها.
لم تجد دراسة أسد رستم آذانا صاغية في ظل رفض العقلية الإسلامية لأي طرح أكاديمي مهما كانت جديته وصرامته وسطوع الحقائق التي يعرضها، بل إنه حتى في المجال الأكاديمي نفسه فإن الكثير من الكتابات التاريخية التي تعرضت لتاريخ السلطنة العثمانية ظلت تخلط عن قصد وغير قصد بين العثمانيين والخلافة، ولم ينج من ذلك التخبط سوى ثلة قليلة من المؤرخين من أمثال وجيه كوثراني وسيار الجميل، ويعزى إلى الأخير تحديدا تعميق معالجة أسد رستم وتوسيع أهدافها.
في كتابه "العثمانيون وتكوين العرب الحديث" نشر المؤرخ العراقي سيار الجميل مقالا بعنوان "الخلافة العثمانية" ضمن سلسلة الإشكالات التاريخية التي تعرض لها في الكتاب، وبعد أن لخص نتائج أسد رستم، عمد الجميل إلى شرح الأسباب التاريخية التي أنتجت مصطلح "الخلافة العثمانية"، فأكد أولا أن سليم الأول ألغى الخلافة العباسية فعليا بعد غزو مصر، وأنه لم يتلقب بألقاب الخلافة لعدم توافر الشروط الشرعية فيه، وأن الخلافة لم تصح لهم البتة طوال العصر العثماني.

Qatalah