يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في وقت نطق فيه لسان الرئيس التركي، رجب إردوغان، كذبًا في كلمة الاحتفال بعيد الأضحى، أمس الأول، عن اهتمام حكومته بالمسلمين في مختلف دول العالم، كانت يده توقع على قرارات تسليم أقلية الإيغور المسلمة المقيمة في تركيا إلى الصين بالإكراه، ليقذف بهم إلى جحيم الاضطهاد الذي فروا منه، معتقدين أن أنقرة ستكون منقذًا لهم. 

عمليات ترحيل الإيغور من تركيا إلى الصين بالإكراه، لا تزال مستمرة، بعد استجابة حكومة إردوغان لمطالب غير قانونية من الحكومة الصينية التي نصبت مراكز اعتقال لهذه الأقلية التي يبلغ عددها نحو 35 ألف مسلم يقيمون في تركيا، منذ ستينيات القرن العشرين. 

عدد مسلمي الإيغور في شمالي غرب الصين يبلغ نحو مليون شخص يتعرضون لحملات قمع ويحتجزون في معسكرات اعتقال تطلق عليها الحكومة الصينية "مراكز التأهيل المهني"، وتضغط بكين على حكومات الدول الأخرى، لا سيما المسلمة، من أجل منع التعاطف معهم، فيما يلعب إردوغان بورقة استضافة بلاده للآلاف منهم لتحقيق مصالحة سياسية واقتصادية مع العملاق الاقتصادي الآسيوي. 

رعب لاجىء
لاجئ صيني ينتمي إلى هذه الأقلية أعرب في تصريحات لوكالة "فرانس برس" خلال الساعات القليلة الماضية عن شعور بالرعب يصيبه من احتمالية إعادته إلى الصين بعد احتجازه في مركز ترحيل بالقرب من مدينة إسطنبول التركية منذ أكثر من شهرين.

مخاوف اللاجئ البالغ من العمر 29 عامًا والذي يدعى "أيهيميتي شيان ميكسيدينج"، تأتي بعد ترحيل حكومة إردوغان عددًا من مسلمي الإيغور إلى الصين، ومنهم امرأة وطفلان كانوا يملكون جوازات سفر دولة طاجيكستان، تم نقلهم إلى هذا البلد ومن هناك تمت إعادتهم إلى الصين.

ميكسيدينج يحمل تصاريح إقامة وعمل تركية، ويدير مصنعًا في إسطنبول ينتج إكسسوارات السيارات وتم إلقاء القبض عليه في 30 مايو الماضي، ولا يزال حتى الآن قيد التحقيق بعد اتهامه بأنه "أحد الممولين الرئيسيين" لـ"منظمة إرهابية" غير معروفة تدعى "حركة الإيغور القومية الدولية"، وفقًا لوثائق المحكمة التي تنظر قضيته.

ميكسيدينج تحدث إلى وكالة "فرانس برس" عبر الهاتف من مركز ترحيل "بيليفانكوي" في شمالي غرب تركيا، نافيًا الاتهامات الموجهة إليه: "لم أسمع قط بهذه المنظمة من قبل"، كما أشار إلى أن أقاربه في الصين تم إجبارهم مؤخرًا على التوقيع على أوراق تطلب إعادته إلى الوطن، معتبرًا أن هذه التصرفات جزء من محاولة للضغط على حكومة إردوغان للموافقة على ترحيله.

اللاجئ الذي يخشى من عمليات ترحيله قسرًا، قال: "أنا قلق لأنني أعلم أن الصين تستطيع فعل ذلك. لقد سمعت عن الإيغور الذين تم ترحيلهم من تركيا إلى طاجيكستان ومن هناك إلى الصين. أخشى أن يحدث الشيء ذاته بالنسبة لي".

الشاب المعتقل أوضح أن العشرات من مسلمي الإيغور الآخرين كانوا محتجزين في مركز الترحيل الذي يقيم فيه، لكن تم إطلاق سراح معظمهم بعد اجتماع بين زعماء مجتمع الإيغور ووزير الداخلية التركي سليمان صويلو في 2 أغسطس الجاري.

مهتمون بأطفالنا فقط
بدورها، قالت زوجته، إيكيد، البالغة 25 عامًا، إنها لا تجد تفسيرًا لاحتجازه في مركز ترحيل بدلاً من سجن عادي.

وفي وصف وضع زوجها، دخلت إيكيد في نوبة بكاء، وقالت: "ميكسيدينج رجل يجتهد في عمله للغاية، لقد حرصنا على البقاء بعيدًا عن أي شيء يمكن أن يورطنا في مأزق، كل ما كان يهمنا أن يتمتع أطفالنا بمستقبل جيد، أخشى أن يرسلوه إلى طاجيكستان ثم إلى الصين".

ميكسينج نبه إلى أنه تلقى تهديدات من الصين عبر خدمة المراسلة "وي شات" WeChat منذ هروبه من البلاد في عام 2016، مضيفًا: "أخبرتني الشرطة الصينية بأنها ستعيدني.. وتوعدتني بأن عليّ الانتظار فقط لعملية إعادتي".

نفي تركي يكذبه الواقع 
وبالرغم من عمليات ترحيل الإيغور المستمرة من تركيا، فإن مسؤولي الهجرة في حكومة إردوغان ينفون إرسال الإيغور إلى الصين، مشيرين إلى إجراءات وزارة الداخلية ضد "اللاجئين المدانين بجرائم"، وأن هؤلاء قد يفقدون وضعية الإقامة الخاصة بهم في البلاد.

رمضان سشيلميش، المسؤول في وكالة الهجرة التركية تحدث عن ترحيله المرأة والطفلين الذين ينتمون إلى الإيغور من تركيا إلى طاجيكستان، قائلًا: "لم تدخل هذه السيدة تركيا بطريقة شرعية، ووجدنا مزاعم بأنها لم تكن مواطنة طاجيكية، لكن السفارة الطاجيكية أصرت على أنها مواطنة تابعة لهم، سنعرف ما حدث، لكننا لن نقوم أبداً بترحيل الإيغور من تركيا إلى الصين".

تصريحات المسؤول التركي تنفيها الأحداث الأخيرة، فموقف حكومة العدالة والتنمية من الإيغور تبدل بعد زيارة إردوغان الأخيرة إلى الصين في أوائل يوليو الماضي ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، إذ أشاد الرئيس التركي بتعامل بكين مع الإيغور وقال: "إنها لحقيقة أن شعوب منطقة شينجيانغ الصينية تعيش بسعادة في تنمية الصين وازدهارها"، وغض الطرف عن تصريحات سابقة له يدين فيها قمع بكين لهم وإقامتهم في معسكرات اعتقال منذ العام 2009، ووصفه لهذه التصرفات بأنها "عار على الإنسانية". 

إردوغان تعهد خلال هذه الزيارة بتعزيز "التعاون الأمني" مع الصين، ما يفسر حملة التضييق الأخيرة على مسلمي الإيغور، فضلًا عن تأكيده على توطيد العلاقات الثقافية والاقتصادية الوثيقة بين أنقرة وبكين، إذ إن الصين ثالث أكبر شريك تجاري للبلاد، وثاني أكبر مصدر للواردات إلى تركيا، كما تعمل أكثر من ألف شركة صينية في قطاعات الخدمات اللوجستية والإلكترونية والطاقة والسياحة والمالية والعقارية داخل تركيا.

Qatalah