يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ترك السوريون بيوتهم هربا من نيران الحرب ولهب البراميل المتفجرة، نزحوا إلى تركيا الجارة القريبة لحدودهم الشمالية،  بحثا عن حياة جديدة وسط شعب تجمعهم به علاقات راسخة، على رأسها الدين الواحد.
فاق الحقد والتعالي والعنصرية التركية آمال أبناء سورية في بلاد الأناضول، لم تقف المعاناة عند عبور الحدود التركية، ومراوغة عصابات التهريب والاتجار في البشر، ووجدوا معاملة سيئة من الشعب، وحتى حكومة إردوغان التي تتاجر بقضية اللاجئين لابتزاز الغرب والحصول على مليارات الدولارات لمنعهم من العبور إلى شواطئ أوروبا، تتفنن في التنكيل بهم.
يقول مركز التنمية الأمريكي، إن 83% من الأتراك ينظرون للسوريين نظرة سلبية، حسب استطلاع للرأي أجري في آواخر العام 2018، ووصفوهم بالحثالة والكسالى، وأنهم خطر على المجتمع، ولا يمكن الوثوق بهم. 
تلك هي نظرة المجتمع التركي العنصري للسوريين، وقال 28% إنهم سبب رئيس في بطالة الأتراك، كما حمل 13% من الذين أجري عليهم الاستطلاع السوريين المسؤولية بشكل مباشر عن الأحداث الإرهابية، و16% منهم أبدوا استياءهم من عدم دفعهم للضرائب، حسب وصفهم، فيما طالب 80% بطرد السوريين من تركيا فورا.
المركز الأمريكي عبر كذلك عن أسفه تجاه الصعوبات التي يواجهها السوريون في سبيل البقاء والعمل في تركيا، كذلك معاناتهم من عدم قبولهم في المدارس التركية، حيث ترفض إدارات البلديات التي يهيمن عليها حزب العدالة والتنمية منحهم فرصا تعليمية، أو أي نوع من التدريب المهني، إلا مقابل دفع رسوم مرتفعة، لا يقدر معظمهم على تحملها، ليصبح عشرات الآلاف من أطفال سورية مهددين بضياع مستقبلهم، بسبب عدم قدرتهم على استكمال تعليمهم.

 

 


 


البحر.. ممنوع
بلديات تركية عدة، من بينها بورصا وأنطاليا، اتخذت قراراً في يونيو الجاري، بمنع دخول السوريين الشواطئ لأي غرض، بحسب صحيفة يشيل جازيتي، تلك القرارات المتطرفة يقف خلفها متعصبون مثل خيري توركيلمز، رئيس بلدية مودانيا ببورصة، والذي أعلن عن رغبته في طرد السوريين خارج البلدية.
على الفور تم تطبيق القرار، حيث انتشر ضباط ومسؤولو البلدية على الشواطئ، لمنع السوريين من دخول البحر، بجانب الكلاب والحيوانات الأليفة الأخرى، التي يشملها قرار المنع كذلك، حسب الصحيفة، كان المبرر حسب المسؤولين هو الإزعاج الذي يسببه السوريون لأهالي المدينة. 
توركيلمز صرح قائلاً: "إما أن تلتزموا بالتعليمات أو تذهبوا من هنا"، وأضاف: "لن نسمح لكم بإزعاج أهالينا في المدينة".
رئيس جمعية فاتح شام للأيتام السوريين، مهدي خليل، أبدى اعتراضه على المعاملة المهينة لبني جلدته في تركيا، قائلا: "لم نؤذ أحدا، أجل سمحت لنا تركيا بالدخول، ونعيش هنا، لكن هذا لايمنع أن نروح عن أنفسنا ونتنزه، ونسبح في البحر، لكن ياللعجب هذا الأمر يزعج البعض"، واستطرد قائلا: "نحن مثلكم نشعر بالجو الحار ونريد السباحة بالبحر، ألسنا بشرا، هدفنا ليس إزعاج أحد، ولا تقلقوا بمجرد توفير الأمن وانتهاء الحرب في سورية سنعود".

 

طرد اللاجئين
السلطات التركية قامت بتهجير وطرد أسر وتجمعات سورية كاملة، كانت مستقرة في أحياء بأنقرة وغازي عنتاب، بسبب الحشود الغاضبة الرافضة لتواجدهم، في ظل غياب وعجز الشرطة وتخاذلها عن الدفاع عنهم، نتيجة الخطاب العنصري الذي يتبناه نظام إردوغان ضد غير الأتراك، بحسب صحيفة "آيرش تايمز".
وبدأت السلطات التركية في آواخر مايو الماضي بإخلاء معسكر تابع لمنظمة آفاد في منطقة سوروتش بمحافظة شانلى أورفا الحدودية، حيث يتوقع أن تكتمل عملية طرد وإخلاء اللاجئين السوريين من المعسكر نهاية هذا الشهر، بحسب صحيفة "إن سون هابير".
المعسكر كان يستضيف لاجئين سوريين قادمين من منطقة كوباني، التي هاجمها تنظيم "داعش"، ومن المتوقع أن يتم طرد أكثر من 10 آلاف لاجئ، في عملية تشرف عليها السلطات التركية.
الصحيفة ذكرت أن السلطات زعمت أنها ستعوض اللاجئين بعد طردهم، لكن هذا المال طبقا للصحيفة لن يمكنهم من البقاء في تركيا، إذ أفاد بعضهم أنه مجبر الآن على العودة إلى سورية، حيث تدور رحى الحرب، خاصة في المناطق الشمالية، بسبب عدم تحملهم نفقات إيجار السكن، في ظل ارتفاع الأسعار بشكل كبير في تركيا، على وقع الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد.


تحدثت عائشة محمد، وهي أم لستة أطفال، تعليقاً على القرار، قائلة: "كان البقاء في المعسكر أفضل بالنسبة لنا رغم كل شيء، فقد كان مراقبا بواسطة منظمات دولية، ويقومون بمساعدتنا ماديا بشكل شهري، كانوا يعطوننا 100 ليرة شهريا، أتمنى لو يتراجعون عن فكرة إغلاق المعسكر، إيجار البيت في تركيا يصل إلى 3 آلاف ليرة، والآن نحن مجبرون على دفع فواتير الماء والكهرباء والمرافق الأخرى، لا خيار لنا إلا العودة إلى سورية رغم خطر الحرب". 


منع المساعدات الإنسانية 
بدأت السلطات التركية سحب تصريحات العمل لبعض المنظمات الإنسانية التي تعمل في مجال رعاية اللاجئين السوريين على أراضيها، تحت حجج أمنية واهية، وذلك على إثر اتهام الوسائل الإعلامية الموالية للنظام لهذه المنظمات بمساعدة المتمردين الأكراد الذين تحاربهم أنقرة،  حسب مركز أتلانتك كونسل.
الشرطة التركية شنت حملة اعتقالات بحق موظفين يعملون في المنظمة الطبية الدولية (IMC) كذلك إغلاق مكاتب المنظمة الدولية في محافظة غازي نتاب.
منظمة ميركي كورب الطبية، نفت كل الاتهامات التي وجهتها لها أنقرة، ودانت سحب تراخيص عملها، باعتبارها من أكبر المنظمات التي تساعد السوريين في كل من سورية وتركيا منذ العام  2012، وتقدم المساعدات لأكثر من نصف مليون سوري كل شهر، كما أنها تقدم مساعدات مالية يستفيد منها 100 ألف لاجىء سوري في تركيا. 
المنظمة ذكرت أيضا أن المنظمات الأخرى، وعلى إثر ذلك، أوقفت كافة خططها بشأن البرامج المستقبلية التي كانت تعتزم تقديمها إلى لاجئين سوريين، خوفا من الإغلاق التركي المتوقع، ومنها منظمات أوروبية اضطرت حتى لتقليل حجم أعمالها في محافظة هاتاي.
طبقا لـ"أتلانتك" أخطرت السلطات التركية كذلك عددا من المنظمات منها منظمة الإنقاذ الدولية (IRC)، ووكالة سيف ذا تشلدرين الدولية، وغيرهما، بمجموعة من القواعد القانونية الجديدة، وعلى رأسها استبدال الموظفين الأجانب بآخرين أتراك، وإلا واجهوا خطر سحب التراخيص، وإنهاء عملها في الحال. 
مجموعة الأزمات الدولية (تجمع لمنظمات غير هادفة للربح تهدف لرعاية اللاجئين) قالت إنه رغم معاناة 370 ألف طفل سوري من عدم تقديم خدمات التعليم والالتحاق بالمدارس، فإن السلطات التركية عاجزة عن التعامل مع غضب الأتراك الذين يلومون السوريين، ويتهمون أطفالهم بالتسبب في اكتظاظ فصول المدارس التركية. 


مشاعر كراهية 
في تقرير نُشر أبريل الماضي، وقفت مجلة إيكونوميست على الوضع المتردي الذي يعيشه نحو 3.6 مليون لاجئ سوري، استقروا في تركيا منذ بداية الحرب الأهلية في بلادهم، لافتة إلى أن تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عام تزيد الإحباط من سياسة حكومة العدالة والتنمية تجاه اللاجئين.
إيكونوميست قالت إن الموقف الوحيد الذي يتفق فيه إردوغان ومعارضوه هو طرد السوريين من تركيا، لافتة إلى أن النظام والمعارضة كل منهما يحمل اللاجئين أسباب تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.
مرشحو المعارضة اعتادوا اللعب بورقة اللاجئين في دعايتهم الانتخابية، مثل زعيمة حزب الخير، ميرال أكشينار، والتي وعدت بإرسال السوريين إلى بلادهم، فيما راجت شعارات تحمل اللاجئين تبعات الأزمة الاقتصادية، في دعاية مرشحي العدالة والتنمية.
حسب المجلة، احتفل عمدة مُنتخب حديثا عن حزب الشعب الجمهوري، في إحدى البلديات الشمالية، بقطع المساعدات عن السوريين في اليوم الأول له في منصبه، بينما أكد رجب إردوغان أن اللاجئين السوريين لم يُعد مرحبا بهم في البلاد، مقترحًا إعادة توطينهم فيما سماه بالمنطقة الآمنة، التي يسعى حثيثًا لإنشائها شمال البلد العربي.
على النهج نفسه سار رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، بتأكيده خلال حملته الانتخابية على ضرورة ترحيل السوريين الذين يشكلون تهديدا على الأمن والنظام العام في البلاد. 
إيكونومست قالت إن التهديدات ممكنة من الناحية القانونية، حيث إن السوريين داخل تركيا لا يتمتعون بصفة لجوء رسمية، والتي تحميهم من الترحيل، بل يحظون بحماية مؤقتة، لافتة إلى أن السياسيين يستمدون مواقفهم تجاه اللاجئين السوريين من الامتعاض الشعبي، وفق إيكونوميست. 
تابعت المجلة: "تلك المسألة من الأمور التي سيتوحد حولها الرأي العام داخل تركيا"، فيما خلصت دراسة أُجريت العام الماضي إلى أن 86% من الأتراك يرغبون في إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.
حكومة العدالة والتنمية تزعم أنها أنفقت 37 مليار دولار من أجل توفير المأوى الصحي والتعليم للنازحين من سورية منذ عام 2011، فيما تؤكد إيكونوميست أن هذه المزاعم حتى ولو صدقت فإنها لن تستمر في ضوء دخول تركيا مرحلة ركود اقتصادي.
مع استمرار التباطؤ الاقتصادي الذي يلوح في الأفق، ستكون تركيا في حاجة لمساعدات خارجية، ما يزيد من صدامها مستقبلًا مع دول الاتحاد الأوروبي، التي تدفع بالفعل مليارات الدولارات لأنقرة، لإبعاد اللاجئين عن شواطئها.
وقعت تركيا اتفاقا تاريخيا مع الاتحاد الأوروبي، في 18 مارس 2016، للحد من تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز، مقابل مليارات الدولارات لدعم اللاجئين، ومنع موجات الهجرة، بيد أن مزاج إردوغان تغير منذ ذلك الحين، ويسعى لإعادة اللاجئين لبلدهم، حتى يستفيد بمليارات الاتحاد الأوروبي، في معالجة أزماته الاقتصادية.

Qatalah