يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أربعة قرون، من الاحتلال وسفك الدماء، خلفت آثارها على جسد ليبيا المنهك بسياط المحتل التركي، قبل أن يسلمها فريسة لغزاة جدد قدموا على متن البوارج الحربية من إيطاليا، ويفر هاربا، فيسحقون ما تبقى من حياة على سواحل سرت وطرابلس وبني غازي ومصراتة، ليشنق عمر المختار ويذبح جنوده، بخيانة عثمانية يعيد رجب إردوغان تمثيلها حرفيا منذ 2011، بدفع جماعات الإرهاب لحرق أرض الرجال والصحراء والذهب الأسود، انتقاما من أحفاد شيخ المقاومة العربية.

ما إن قصف الأسطول الإيطالي ليبيا بدايات العام 1911، حتى لاذ العثمانيون بالفرار، لتقف القبائل الليبية بقيادة السنوسيين وحيدة، في وجه المحتل المدجج بأسلحة عصرية، فيما طعنهم الأتراك في الظهر بتوقيع الصلح في العام التالي مع روما، وبموجبه انسحبوا نهائيا من كل المناطق الليبية، وتركوا أهلها لمصيرهم.

تخريب ليبيا
احتل العثمانيون ليبيا عام 1551، ومنحوا امتيازات كبيرة لتجار المدن الإيطالية في ليبيا، من البداية، وبعد توحيد روما في دولة واحدة عام 1871 بات نفوذها ضخما على طول الساحل الليبي، في وقت بدأت مرحلتها الاستعمارية أسوة بفرنسا وبريطانيا، حين رأت في طرابلس رأس السهم لاختراق إفريقيا واستعادة مجد الرومان البائد بالهيمنة على البحر المتوسط.
كشف الطليان أطماعهم، وكان رد العثمانيين جاهزا: سحب القوات من ليبيا لدعم عمليات قمع ثورة اليمن، ونزع أسلحة القبائل الليبية قبل المغادرة، لتصبح ساحة مفتوحة لاجتياح الغزاة الجدد.
وقالت جريدة طنين، لسان جماعة الاتحاد والترقي، في مقال لها عام 1908 عن ليبيا :"إن ولاية طرابلس الغرب لا تفيد الدولة فائدة مالية يعتد بها فيجب على الحكومة العثمانية الاقتصاد في الإنفاق عليها بسبب عدم اندماج أهلها لليوم في سلك الجندية".

الغدر العثماني
عام 1911 أصدرت إيطاليا إنذارا إلى العثمانيين بإخلاء ليبيا، وجاء الرد متخاذلا بمحاولة تقديم المزيد من الامتيازات، فيما لم تقبل إيطاليا سوى بالاحتلال الكامل.
ضرب الأسطول الإيطالي شواطئ ليبيا واحتل طرابلس، وصدرت أوامر الحكومة التركية للجيش بالانسحاب من المدن والتحصن في الصحراء، كانت ليبيا بلا استحكامات عسكرية، وقدر عدد الجنود الأتراك بما لا يزيد على 2500، بتسليح سييء وبلا دفاعات نتيجة قرون من الإهمال.
هب أهل ليبيا يقاومون العدوان وتدفق المتطوعون من مصر والعالم الإسلامي، وبلغ عددهم 16 ألف مقاتل، وتولى أتباع الدعوة السنوسية ومركزهم شرق ليبيا القيادة، وتطوع عدد من الضباط العرب منهم عزيز علي المصري، وحققت المقاومة عدة انتصارات أدت إلى تعزيز الروح المعنوية، وشد الدعم الشعبي المصري عزيمتها، لكن جاءت ضربة الغدر من الأتراك بمفاوضات سرية مع إيطاليا انتهت بالتنازل عن ليبيا وسحب الفرقة العسكرية من البلاد في معاهدة لوزان أو أوشي عام 1912.
رفض الأتراك أثناء انسحابهم المهين تزويد المقاومة بالأسلحة والذخائر، وحين أصر الليبيون على طلب الأسلحة فتح الضباط الأتراك النار غدرا عليهم، وقتلوا 60 شهيدا.
 
دسائس تركية
تذكر الأتراك ليبيا مرة أخرى عام 1914 حين اندلعت الحرب العالمية الأولى، أرادت إسطنبول استغلال السنوسيين في إثارة القلائل على حدود مصر الغربية، بالتزامن مع حملة جمال باشا السفاح على القاهرة من الناحية الشرقية، وفق كتاب محمد شكري، كان الهدف مضايقة الإنجليز وليس تحرير ليبيا.
أنزلت غواصة ألمانية عددا من الضباط والجنود الأتراك وضابطا ألمانيا، مزودين بالأموال والأسلحة لتنفيذ المخطط، ولم يكن من مصلحة السنوسيين استعداء الإنجليز فقد كانت الحكومة المصرية تتعامل بود معهم وفتحت أسواقها أمامهم، وساهمت في تسليحهم وتسهيل عبور السلاح إليهم.
 
كان التورط في مؤامرة تركيا يعني فقد كل هذه المزايا واستعداء الإنجليز ومصر، وحين لمس الأتراك بزعامة نوري باشا تردد أحمد الشريف زعيم السنوسيين في مساعدتهم، هجموا بشكل منفرد على مدينة السلوم المصرية معلنين أنهم يعملون تحت إمرته، ما اضطر الشريف إلى التعاون معهم رغم معارضة عدد كبير من قادة السنوسية، خصوصاً "إدريس" الزعيم اللاحق للحركة والمقاومة الليبية.
كان أحمد الشريف يقول عن المخطط التركي: "يريدون توريطنا في حرب مع الإنجليز قبل أن نستعد"، مؤكدا أنه لا يمالئ الإنجليز لكن مصر البلد الوحيد المفتوح الذي تأتيه منه المؤن، وبفضلها يصمد في القتال ضد الطليان.
انتهت المغامرة التركية على حدود مصر بالفشل، ونتج عنها إغلاق الحدود المصرية- الليبية، لتتفشى المجاعة شرق ليبيا، ويخسر السنوسيون أعدادا كبيرة من المقاتلين، بينما تعزز موقف المحتل الإيطالي، واضطر الشريف للتخلي عن الزعامة لصالح إدريس السنوسي الذي شرع في عقد صلح مع بريطانيا لمواجهة المجاعة.
 
يقول محمد شكري :"كان من الواضح ألا أمل قط في نجاح أية عمليات من جانب الأتراك على الحدود المصرية، وظلوا في برقة يضغطون على أحمد الشريف ويُحيكون خيوط المؤامرات لإيقاع النفور بينه والإنجليز".
 
حلف الشيطان
طالب أعيان ليبيا إدريس السنوسي بالصلح مع الإنجليز وإيقاف عمليات التخريب التركية، بعدما انكشفت المؤامرة قرر نوري باشا تدمير الحركة السنوسية دون أن يأخذ في الحسبان أنه يخدم المحتل الإيطالي.
انسحب نوري باشا إلى مدينة مصراتة، وهناك أسس حلفا شيطانيا مع قاطع طريق من المدينة يُدعى رمضان السويحلي أو الشتيوي، وكانت له علاقات سابقة مع الأتراك.
هاجم الحلف التركي - المصراتي واحة فزان، التي كانت أهم معاقل المقاومة السنوسية ضد الاحتلال الإيطالي واحتلوا مناطق مرزوق، وقتلوا عددا كبيراً من المقاومين.
 
أدرك السنوسيون تعرضهم للخديعة على يد الأتراك الذين هاجموا القوافل التجارية التي كانت تحمل المؤن إلى شعب ليبيا، وكشفت الحوادث الدامية عن نواياهم الخبيثة، وساهمت في تعجيل تفاوض إدريس مع الإنجليز، فقد تأكد أن العدو الأتراك ثم الطليان.
وضع الأتراك خطة طرد المقاومة من غرب البلاد، وقدموا السلاح إلى سليمان الباروني عدو السنوسيين في طرابلس، وحاولوا الوقيعة بين أحمد الشريف الذي انحصرت مهمته في الزعامة الروحية وابن أخيه إدريس الزعيم العسكري والإداري.
هاجم رمضان السويحي بمعية ضباط أتراك الحدود التونسية، بهدف دفع الفرنسيين إلى مهاجمة السنوسيين من الغرب لكن المؤامرة فشلت، ودبروا مؤامرة انقلابية ضد إدريس السنوسي بتشجيع بعض صغار القادة لكن الفشل كان نصيبهم أيضا.
 
هروب الأتراك
قاد إدريس السنوسي جيشه، وحاصر الأتراك في إجدابيا، وطردهم إلى مصراتة حيث يقيم نوري باشا، ولاحقاً أدرك الأتراك فشل خططهم في إعادة استعمار ليبيا، فهربوا وتركوا أتباعهم الخونة في مصراتة وحدهم يواجهون غضب الشعب الليبي.
خلال وجود الأتراك نشروا الفتن بين قبائل ليبيا، وفي 1917 تسببوا في نشوب القتال بين قبائل عرفة والعبيد وبين الدرسة والعبيد وعرفة، ولم تنته المعارك إلا بوساطة إدريس السنوسي.
استرجع السنوسيون فزان والجفرة من يد تحالف تركيا - مصراتة، وفي 1918 هرب نوري باشا إلى إسطنبول، لكن المؤامرة التركية أثمرت إضعاف المقاومة الليبية بقيادة السنوسيين وعمر المختار، فبعد أن حقق الأخير انتصارات ساحقة على الإيطاليين، أجبره الأتراك على تقسيم جيشه ليحارب على جبهتين، ما أدى في النهاية لانهيار المقاومة أمام القوات الإيطالية، وأفشلت الخيانة التركية جهود تحرير ليبيا وضيعت قوافل الشهداء وحرمت المختار من انتصار كان قريبا، ما أدى إلى سقوطه في الأسر ثم إعدامه عام 1931.
 
حصان إردوغان
أحداث 2011 كانت بمثابة حصان طروادة للرئيس التركي رجب إردوغان، فقد سارع بالدخول على خط المواجهات بين المسلحين الليبيين وحكومة الرئيس معمر القذافي، طمعا في إشعال التناحر ووضع قدم تركية من جديد في ليبيا، وقضم قطعة من كعكة النفط، وكان المسلحون في مصراتة آداة التخريب التي جندها، كما كانوا أعوان نوري باشا قبل نحو 100 عام.

دعمت تركيا الميليشيات الإرهابية، منها مجلس شورى ثوار بنغازي والكتيبة 166 التي سمحت بتمركز الدواعش في سرت، وتجمع ميليشيات مصراتة المعروف باسم قوات فجر ليبيا، وقدمت السلاح والمال إلى طليعة الاستيلاء على طرابلس، بعدما خسروا انتخابات مجلس النواب في 2014.

 
كشفت تقارير الأمم المتحدة عن توريد أسلحة تركية إلى ميليشيات فجر ليبيا التي تضم جماعة الإخوان ومقاتلين مصنفين على قوائم الإرهاب، من أشهرهم عبد الكريم بلحاج القيادي في تنظيم القاعدة.
دمرت الميليشيات المصراتية مطار طرابلس وهاجمت المنشآت النفطية، وارتكبت مجازر بحق سكان العاصمة الذين تظاهروا ضد سيطرة عملاء تركيا على المدينة.
وأدى التدخل التركي في شؤون ليبيا إلى تعميق الانقسام بين أفراد الوطن الواحد، واشتعال الحرب الأهلية، في تكرار للدور الذي لعبوه عام 1914.
وفي أكتوبر 2017، أصدر الادعاء العام الليبي مذكرات توقيف وحظر سفر بحق 826 مشتبها بالإرهاب، يقيم العديد منهم في تركيا، وكأن بلاد عمر المختار كتب عليها أن تنكوي بالغدر التركي مرة ثانية.

Qatalah