يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عرفت الشعوب المحتلة والمقهورة عمليات فرض الضرائب الباهظة، كوسيلة معتادة من الغزاة لإذلالهم ونهب ثروتهم، ضرائب على الطعام والحرف والأسواق والكسب، على البيوت والحقول والممتلكات بل والبهائم أيضا، لكن أحدا من الغزاة لم يسبق العثمانيين فيما وصلوا إليه من قسوة وانتقام بفرض ضريبة على الحياة. 
استحدث الغزاة العثمانيون ضريبة عجيبة سموها "ضريبة الغلمان"، في عهد السلطان مراد، بعد سنوات طويلة من التقليد العثماني المتبع خلال حياتهم في البادية، وهو أسر أبناء الإمارات والممالك المهزومة، على أن يختص الأمير لنفسه بخمس عدد الأسرى، ثم يسمح ببيع جزء منهم في سوق الرقيق، ويحتفظ بالباقين لدعم القوات العسكرية بعناصر شابة، ما ترتب عليه تحويلهم إلى جنود يحاربون أشقاءهم في الدين والعرق.

ضريبة الدم
يذكر محمد فؤاد كوبريلي في كتابه قيام الدولة العثمانية أن العثمانيين تعرضوا لعدة هزائم متتالية كادت تُذهب مُلكهم، بعدما قُتل الكثير من جنودهم خلال المعارك، كما تقاعس الأتراك عن مساندة إماراتهم، حيث اعتبروها مغتصبة من إرث السلاجقة، خلال تلك الفترة تخاذل دراويش طريقة "البكتاشية" عن مساندة الجيوش التركية، كان السبب في ذلك جنوحهم إلى حياة الرغد في الأراضي التي اغتصبوها كغنائم، ما أثر سلبا على توقف وتيرة التوسعات الحدودية، بصورة اضطرت الدولة إلى عقد معاهدات صلح مع الحكام المجاورين.
دشن "أورخان" أسلوبًا جديدًا في التجنيد العسكري، إذ جنح إلى خلق قوات تدين بالولاء لشخص السلطان، حتى يخرج من نفوذ وسطوة العناصر التركية، لذلك اشترط دخولها الخدمة منذ الطفولة، بعدها يتولى تربيتهم على السمع والطاعة العمياء، ليصبحوا قوته الضاربة وقت الحرب، وأداة إرهاب رعيته وقت السلم.
توصل الوزير "هابيل الأسود" إلى فكرة جهنمية، استطاع من خلالها تلبية رغبة السلطان، وتحقيق مواصفات جيشه الجديد، إذ عرض عليه مشروع إنشاء فرق عسكرية من أبناء الشعوب المسيحية المحتلة، فقام بتجنيد حصة السلطان من الأسرى من غير المسلمين، وبالفعل تمكن من حشد جيش قوامه ألف مسيحي، بعدما احتل بلادهم وشرد عائلتهم وأسر أطفالهم وشبابهم.
كعادة الأتراك الذميمة، أصبح استعباد أبناء الشعوب المحتلة هدفهم الأسمى، يذكر بول كولز في كتابه "العثمانيون في أوروبا" أن السلطان مراد الأول استهل حكمه العام 1362 بإصدار قانون "ينجيك قانون" أي قانون الخُمس، ذلك التشريع الذي قنن السبي واستباح إنسانية الأطفال، بموجبه كان من حق الدولة تحصيل خُمس أبناء المسيحيين وتجنيدهم قسرًا، وبالفعل كلف القادة العسكريين بجمعهم وتسليمهم إلى السلطنة، وإذا لم يكن العدد كافيًا من الأسرى، عندئذ كان على الأهالي دفع 25 آقجة عن كل أسير ناقص، حتى استيفاء حاجة الدولة الظالمة.
السلطان مراد لم يرض بأعداد جيش العبيد، إذ كلف الفقيه "جاندارلي قره خليل" قاضي مدينة بورصة وشيخ الطريقة البكتاشية بخلق مصدر دائم للسبايا، حيث تفتق ذهن "شيخ السلطان" إلى فرض ضريبة سنوية على تلك الشعوب، وأطلقوا عليها اسم "ضريبة الدوشرمة"، بموجبها أصبح إلزامًا على كل أسرة مسيحية تقديم أحد أبنائها للدولة العثمانية. 

جيش الدوشرمة
وضع العثمانيون تنظيما صارما لجباية ضريبة الغلمان، وكما تذكر إيرينا بيتروسيان، بكتابها "الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية" فإن السلطان  يصدر فرمانا بتحصيل "الدوشرمة" السنوية، إذ يكلف رئيس الإنكشارية بجمع العدد الذي يلبي احتياجاته، وكان الفرمان يلزم الولاة والإقطاعيين باعتقال أطفال القرى، لحين اختيار الأطفال الذين تنطبق عليهم المواصفات، ولم يكن هناك قانون أو لائحة تحدد طريقة اختيار الأولاد، إذ فرضت الدولة على كل قرية عددا محددا من الغلمان، على أن تتراوح أعمارهم بين السابعة والعاشرة. 
شهد تحصيل الدوشرمة عدة انحرافات إنسانية، إذ تعمدوا جلب الخزي والعار لأبناء الشعوب المهزومة، وشرعوا في خطف الفتيات القاصرات، واعتبروها جزءا من الضريبة السنوية، وبالفعل حصل السلطان على جزء كبير منهن، حيث امتلأت قصور آل عثمان بالجواري، كان أغلبهن من سبايا الدوشرمة، بعدها قدموهن هدايا لكبار رجال دولة، وفي المقابل سُمح لهم ببيعهن في سوق الرقيق بالعاصمة.
شهد القرن الـ15 تصاعد وتيرة السبي التركي، حينما جمعوا الفتيان المسيحيين عند الاستيلاء على الحصون الأوروبية، أحد أبرز النماذج كان السلطان محمد الثاني، فعندما استولى على حصن بوردو، أمر بإخراج أهل المدينة من وراء الأسوار، حيث تم تجنيد عبيد السلطان المقبلين، وأخذوا 320 صبيا و704 فتيات، انضم الصبيان إلى الجيش الإنكشاري وأرسلوا جميعهم إلى الأناضول. 

احتفظ الأرشيف العثماني بفرمانات كثيرة لتجنيد الدوشرمة، إذ يعود أغلبها للقرن الـ16، وبعد أن تسلم السلطان سليم الأول العرش، قرر نشر التجنيد بالدوشرمة على كل البلاد المحتلة، وكان أقوى المجندين يجلبون من المناطق الجبلية، في ألبانيا والجبل الأسود والشعوب السلافية. 
ويذكر يلماز أوزتونا في كتابه تاريخ الدولة العثمانية أنه بمجرد وصول الأطفال إلى العاصمة، يتم إجبارهم على دخول الإسلام وتلقينهم الشهادة، ثم يقوم رئيس الإنكشارية بفرزهم، إذ يتم اختيار الغلمان حسان الوجوه، لإرسالهم إلى القصر العثماني، بعدها يُرسل الأطفال الباقون للأناضول، وذلك بناء على نصيحة القائد "تيمورتاش باشي"، يعملون لدى الأسر الإقطاعية التركية، ليعانوا السخرة قبل تجنيدهم، وعلى الجانب الآخر هناك صبية بيعوا في الأسواق للراغبين في الحصول على عمال عبيد.
ملأ أطفال الدوشرمة بعد تعليمهم وتدريبهم صفوف فرقة الإنكشارية وقوة الخيالة النظاميين، ومنهم خرج عدد من موظفي الدولة.
يذكر أحمد عبدالرحيم مصطفى بكتابه في أصول التاريخ العثماني أن نظام الدوشرمة لقي معارضة شديدة من العائلات المسيحية، إذ كرهوا أن يرتد أولادهم عن دين أبائهم وأن يتحولوا إلى الإسلام، لتبدأ بذلك كراهية عميقة بين الدولة العثمانية والشعوب المحتلة، تركت بصماتها على تاريخ الدولة، حينما توالت موجات الاضطهاد والقمع، تلك التي لازمت جباية الضريبة الجائرة.


أجمعت آراء المؤرخين على بشاعة ضريبة الغلمان، فقد مثل يوم الدوشرمة أشد اللحظات المؤلمة التي تمر بها الأسرة المسيحية: الأمهات يملأن الأرض بكاءً وصراخًا، وجنود عثمانيون يلوحون بالحديد والنار، ثم يقدمون على شنق وصلب الأباء والأمهات المعترضين على سبي أولادهم، أمام أعين الناس في الطرقات، لتبدأ موجة من هروب الأسر المسيحية وتهريب الأولاد حال عجز الأسرة عن الهرب. 
لجأت الأسر المسيحية الثرية إلى التهرب من تلك الضريبة البشرية، فقدمت الرشوة لمندوب الحكومة المركزية المنوط به جمع الغلمان، وقد وجد الأخير في هذه الرشى وسيلة للإثراء السريع.
استمرت دولة الظلم والبغي تجمع ضريبة الغلمان لعدة قرون، إذ استمر إصدار الفرمانات العثمانية بجمع ضريبة الدوشرمة حتى العام 1826، عندما أنهى السلطان محمود الثاني نظام الإنكشارية وضريبة الدوشرمة.

Qatalah