يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


18 نوفمبر 2018 الدولة التركية بين معادلة الويسكي و"اللبن الرائب"

أنا لم أشرب الويسكي قط على البوسفور. ربما يكون قد اختلط عليه الأمر!
حسناً، ولكن ماذا لو قُدِّمتُ للمحاكمة يوماً لهذا السبب. ربما يقول لي رئيس المحكمة من فوق المنصة :"لا يصح أن تجلس في بشيكتاش على البوسفور، وتشرب الويسكي!".

تواردت الأخبار عن مخاطبة الأكاديميين، الذين وقعوا على بيان جماعة "أكاديميين من أجل السلام في 2 نوفمبر" بحديث كهذا.
هناك الكثير من القضاة، الذين يرونني شخصاً يعتاد شرب الويسكي على البوسفور. ولهذا السبب فأنا أستحق جزاء شديداً، من وجهة نظرهم، عما اقترفته من إثم. ولعل السبب في هذا هو أن أي من القضاة لم يبد رد فعل على حديث الرئيس على هذا النحو، لذلك ليس من المستغرب أن نرى الكثيرين الذين يؤيدون وجهة النظر هذه.   

ماذا عسى الذين لا يشربون الويسكي على البسفور أن يفعلوا؟ ربما يجلسون في منطقة أيوب، ويتطلعون إلى الخليج، وهم يشربون اللبن الرائب. لكن المشكلة هنا: ماذا لو احتسى أحدهم نوعاً آخر من الخمور، وليس الويسكي، على البوسفور، إلى أية فئة سيتم تصنيفه حينئذٍ؟

هل سيعتبرونه من المنتمين إلى جماعة البوسفور، أم من جماعة منطقة أيوب؟ أم سيكون من جماعة أيوب الذين يشربون الويسكي؟!
لم يعد هناك مكان للون رمادي بين الجماعتين! وهذا يعني أن الاستقطاب قد وصل بالفعل إلى منتهاه، وصل إلى بُعْدٍ يحمل مزيجاً من الكوميديا والتراجيديا معاً.

ينظر البعض، في حكومة إردوغان، نظرة تمييزية انتقائية إلى الموجودين من حوله، فيصنفهم الناس إلى فرق مختلفة، بين هم ونحن ، بين الويسكي و"اللبن الرائب"، بين البوسفور وأيوب، بين الشرق والغرب، بين حي فاتح وحي حربية، بين الذين ينظرون إلى البلقان والذين ينظرون إلى الأناضول، بين متدينين وملحدين، بين محبين لوطنهم وخائنين، بين أنصار لأتاتورك ومعارضين له، بين منبهرين بالاتحاد الأوروبي ووطنيين متعلقين ببلدهم، بين الذين أتيحت لهم فرصة الدراسة المميزة في الجامعات الأجنبية، والذين نشؤوا وتربوا في مستنقع  من البؤس. إنهم باختصار يقسمون المواطنين إلى فريقين، الأول منهم، والآخر عدو لا ينتمي إليهم.  

ولكن ماذا إذن عن تلك السيدة، التي تقف معصوبة العينين، ماذا عن العدالة؟
هذه السيدة هي نفسها آلهة العدالة والحكمة في اليونان القديمة، ولكن زادوا عليها وضع عصابة فوق عينيها. 

كان وضع تلك العصابة رمزاً على تحري الدقة، وعدم المحاباة، وهي تَمِيز المجرم من البريء بميزان العدالة، الذي تمسكه بكلتا يديها، وكأنهم أرادوا أن يقولوا إنها لا تنظر إلى الأشخاص، الذين تحكم بينهم، ولا تتأثر بهم قدر تأثرها بالدلائل المادية الملموسة في حكمها. والواقع أن هذا الأمر يتناقض، جملة وتفصيلاً، مع ما نراه اليوم في تركيا، حيث صار قضاة اليوم يستقون أحكامهم من أفكار وأحكام مسبقة عن الأشخاص، الذين يُقَدَّمون للمحاكمة أمامهم، دون أن تهتز ضمائرهم، أو يشعروا بالألم لظلم شخص بريء.

لقد انحرف هذا الوضع بالعدالة عن مسارها السليم تماماً، حيث أصبحت صورة الشخص "الذي يشرب الويسكي على البوسفور" مرادفًا لمصطلح "النخبة الضالة" في أدبيات السياسة. وقديماً تحدث الشاعر رجائي زاده محمود أكرم، في أحد أعماله، عن شخص أطلق عليه اسم "السيد بيهروز".

رأينا بيهروز، الذي عُرِف بتأنقه الشديد، يهتم لأمر الآخرين في بعض الأحيان، ويستخدم في أحيان أخرى ألفاظاً نابية، وكلمات أخرى تستخدمها الطبقة الراقية فقط. وعلى الجانب الآخر، يفرق بيامي صفا بين منطقتين هما (فاتح وحربية)، بحيث يمكنك أيضاً القول إن أولئك المستبعدين والمهمشين لا يمكنهم مجاراة أحياء الطبقة الراقية، أو السير في شوارعها.

وبالمنطق نفسه، لم تعد منطقة البوسفور، لسبب أو لآخر، من أحيائنا، لم تعد "لنا". يتحدث محمود جتين في كتابه "العشيرة التي تسكن على ضفتي البوسفور" عن أولئك الذين ليسوا منا. ويتعرض في كتابه إلى قصص المئات من الذين نشك في انتمائهم لطبقتنا من أنور باشا إلى زكي باشتيمار، ومن ناظم حكمت إلى علي فؤاد باشا ، ومن صباح الدين علي إلى أبيدين دينو. 

عندما يحدث هذا التقسيم الأعمى، ويلقى قبولاً لدى المجتمع، فهذا يعني أن أبواب الشعبوية والغوغائية قد فتحت على مصراعيها في هذا المجتمع.
وعلى الجانب الآخر، كان القضاة، الذين من المفترض أن يستندوا إلى ضمائرهم في إصدار أحكامهم، يفعلون الشيء نفسه، فهم لا يصدرون أحكامهم وفقاً لبيانات ميزان العدالة، ولكن يعتمدون في أحكامهم على ضمائر جرى تشكيلها وتغذيتها بمثل هذه الخطابات والأحكام المسبقة، فصاروا يصدرون أحكامهم على المواطنين بناء على ما يشربون، والمكان الذي يشربون فيه.  

أعتقد أن عبارة "فقدت السيطرة" تعبر بشكل جيد عن هذا الوضع، الذي وصلنا إليه في تركيا اليوم. يبدو أن العدالة قد خرجت بالفعل عن مسارها الصحيح، ولم يعد من اللائق أن نصف الوضع بأنه مجرد خلل فني في تطبيق العدالة. قرأتُ مؤخرًا كتابين لأيمي تشوا يحملان عنوان "العالم على النيران"، و"العشائر السياسية"، وللأسف كانت تقدم فيهما أطروحة ملؤها التشاؤم في الإطار نفسه.

تلخص تشوا الأمر في أن الدول النامية، باستثناء عدد قليل منها، لا تستطيع تطوير مزيج من الديموقراطية الاختيارية، واقتصاد السوق الحر، وحقوق الإنسان، وتطبيقها جميعاً في آن واحد. ولكن ما يحدث هو أن القائمين على الحكم في تركيا وغيرها من البلدان يبادرون بعد الانتخابات، وبعد أن تؤول إليهم السلطة، بالتنكيل بمن كانوا يعدونهم من "النخبة" في السابق.

تعطي الكاتبة الكثير من الأمثلة حول العالم.. 
أصبحنا لا نفعل أي شيء سوى تكرار شعارات، من قبيل كل شخص له الحق في الاعتراض، والديموقراطية شيء جميل، والانتخابات شيء مقدس، دون تطبيق فعلي لهذه الشعارات على أرض الواقع.

قد ينظر البعض إلى ما يحدث باعتباره نوعاً من الصراع بين الطبقات، وقد يعتبره آخرون نوعاً من التحاسد بينها، في حين يرى الباحثون المهتمون بدراسة مفهوم الفاشية، أن لدى هؤلاء نزعة غوغائية شعبوية، تلك النزعة التي تحركهم ضد النخب والمثقفين.

وهذا يعني أنه إذا مثلت "النخبة المثقفة" أمام المحاكم من أجل الحديث عن "شرب الويسكي"، فهذا يعني أن الأمر أخذ بالفعل منحى خطيراً. وهذا يعني أنه على هؤلاء حينها أن يختلقوا الأعذار، وأن يقولوا إنهم لا يشربون الويسكي، أو أنهم يشربونه سراً. لقد تخطت الدولة التركية بهذا الحديث عن الأحياء والتفرقة بين ساكنيها، لتتدخل، هذه المرة، في نمط الحياة الخاص  بالمواطنين. 

لعل هذا هو السبب، الذي حدا بجتين كايا إلى كتابة روايته، التي حملت عنوان "ويسكي"، والتي حكى فيها كيف تم الحط من قدر الشخص المثقف، بإظهاره في صورة "السكران"، "المخمور"، "المذنب" الذي يعتاد الحانات لشرب الخمور "الأجنبية"!

يقف هذا الأكاديمي أمام المحكمة، ليدفع عن نفسه هذه التهمة. وبدلاً من أن يقول :أنا لم أرتكب هذا الجرم، كما اعتدنا سماع ذلك في المحاكم، فإنه يقف ليقول: ""أنا لم أشرب الويسكي!". أما محاميه الخاص فيقول، في دفاع امتزج فيه الهزل بالتراجيديا، "إن المنتمين لجماعة أكاديميين من أجل السلام، لا يقيمون في منازل تطل على البسفور، ولا يشربون الويسكي".

والحقيقة أنه كان يدافع عن حق المواطنين في ممارسة حياتهم الخاصة كما يريدون..
وعن نفسي أعلنها صريحةً، تحسباً لأية احتمالات: أنا لا أشرب الويسكي!

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah