يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يجيد رجب إردوغان اللعب على كل الحبال، يدعم الجماعات المتطرفة ويدعي أمام وسائل الإعلام محاربة الإرهاب، يفتح سجونه لمعارضيه دون محاكمات، ويقدم نفسه كرئيس عادل، حتى دفاعه على أقلية الإيغور هدفه ابتزاز الصين اقتصاديا.
لا يستوعب حاكم أنقرة سوى لغة إثارة الفتن وتأليب الجماعات المتطرفة على حكوماتها، لتنفيذ مخططاته في الخارج، واستعمالها كورقة ضغط على المجتمع الدولي، ثم يقدم نفسه كوسيط محايد للمصالحة.

إردوغان استغل علاقته بحركة طالبان الإرهابية لاستضافة بلاده جولة جديدة من المحادثات الروسية الأمريكية بشأن أفغانستان، في أنقرة 22 فبراير الجاري.

مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى أفغانستان زامير كابولوف أكد أمس الثلاثاء انعقاد جلسة المفاوضات في موعدها، وأنه سيلتقي خلال الجولة المبعوث الأمريكي إلى كابول زلماي خليل زاد.

وكالة "الأناضول" الرسمية زعمت أن اختيار أنقرة موقعًا لإستضافة المفاوضات جاء بحجة أنها "مكان محايد وخيار مريح"، لكن الحقيقة أن ارتباط أنقرة  بعلاقات مع الحركة الإرهابية والحكومة الأفغانية كان السبب الرئيس. 

بين النقيضين 
مبعوث بوتين اعتبر أن تركيا "لاعب مهم في أفغانستان"، فهي تشارك ضمن قوات حلف الناتو في البلاد ضمن عملية "الدعم الحازم"، وفي الوقت ذاته ترتبط بعلاقات مع الحكومة الأفغانية، وطالبان، وتستغل صلتها بالحركة في إقناع مسؤوليها بالجلوس إلى مائدة التفاوض.

تتواجد قوات تركية على الأرض في أفغانستان، وصدق البرلمان التركي في نهاية ديسمبر الماضي على مذكرة إردوغان توصي ببقاء تلك القوات لمدة عامين إضافيين، تنتهي في 2021.
تأمل روسيا أن يكون 2019 عام إحلال السلام وإنهاء الحرب في أفغانستان منذ نحو 18 عامًا، بينما تأوي أنقرة متطرفين أتراكا على علاقة بالحركة الإرهابية . 

قال المبعوث الروسي إن الانتخابات الرئاسية المقبلة في أفغانستان ستلعب دورًا محوريًا، و"سيكون المرشح الذي سيفوز بالرئاسة مقبولًا لدى جميع الأطراف"، وتشهد أفغانستان منذ سنوات صراعا بين حركة طالبان، والقوات الحكومية والدولية بقيادة الولايات المتحدة، ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا المدنيين.

في 2001، قادت واشنطن قوات دولية أسقطت حكم طالبان الذي احتضن تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وبعد ذلك بدأت سلسلة مفاوضات بشكل غير رسمي، لم تنه الحرب القائمة حتى الآن.

مفاوضات يناير
لعلاقتها المتجذرة مع حركة طالبان، استضافت تركيا في يناير الماضي جولة من المفاوضات غير الرسمية، وعقد ممثلون عن الحكومة الأفغانية محادثات غير رسمية مع خمسة من أعضاء الحركة، مثل الحكومة الأفغانية في الاجتماع كل من عباس بصير وهمايون جرير بصفتهما مستشارين لرئيس الجمهورية.

المجلس الأعلى للسلام، وهو أعلى لجنة حكومية  أفغانية مهمتها الحوار مع مجموعات المعارضة المسلحة، قال إن "الهدف من انعقاد هذه الجولة من المباحثات هي تهيئة الأرضية وتقريب وجهات النظر بين الطرفين تمهيدا لإطلاق عملية السلام رسميا"، وأضاف أن "التفاهمات الأولية وغير الرسمية بين الجانبين مستمرة بنجاح".

مفاوضات يناير كانت الجولة الثالثة من المباحثات غير الرسمية بين الطرفين، حيث سبقها جولتان في تركيا أيضا.

يبرر محللون تكوين حكومة إردوغان علاقات وطيدة مع طالبان التي تسيطر على مناطق  كبيرة في أفغانستان، بأنه محاولة لإيجاد دور فاعل في القضية الأفغانية، واستغلال ذلك كورقة ضغط على الولايات المتحدة، التي تريد إنهاء الأزمة، وسحب قواتها، خصوصًا في ظل سياسة الرئيس دونالد ترامب الرامية لعدم تورط واشنطن في شؤون الدول الأخرى. 

تغذية الإرهابيين 
حكومة إردوغان تحمي كذلك الأتراك الأعضاء في طالبان، والذين سبق لهم القتال ضد القوات الأمريكية في كابول، وغيرها من المدن الأفغانية.

في عام 2016، برأ القضاء التركي بأمر من إردوغان إرهابيا من مدينة مرسين جنوب شرق تركيا أقر بجرائمه، وأثبتت الأدلة تورطه في الحرب مع حركة طالبان ضد القوات الأمريكية في أفغانستان.

التركي أصلان كايهان، البالغ من العمر 36 عامًا، كشفت قضيته عن سياسة إردوغان للتستر على الإرهابيين، في الوقت الذي  أصدرت محكمة تركية حكما ببراءته، رغم إقراره بعلاقته بـ"طالبان" الأفغانية، واعترافه بتلقي تدريب على يدي عناصرها، والمشاركة في قتال الأمريكيين.

وكشفت التحقيقات كذلك أنه يعمل مع الميليشيات الإرهابية المقاتلة في سورية، ويجمع الأموال لتجنيد الأتراك والأجانب من أنقرة ، وألقي القبض عليه وبحوزته كتب جهادية، وأدلة تثبته جرائمه وتحريضه على الإرهاب، لكن قضاء إردوغان أسقط التهم عنه.

السلطات التركية اعتقلت كايهان في 10 يناير 2016، وأطلقت سراحه في سبتمبر من العام ذاته، بالرغم من تأكيد التحقيقات أنه أقرّ بالذهاب إلى أفغانستان ثلاث مرات قبل عام 2008 من أجل المشاركة في القتال ضد الجيش الأمريكي.

وفي التحقيقات قال كايهان: "تلقيت التدريب من حركة طالبان على استخدام سلاح إيه كيه - 47 (كلاشنكوف) ورشاش (بي كي إم بيكس)، وشاركت في المناوشات".

الاسم الحركي لكايهان في أفغانستان كان "سيف الله"، وانتقل منها إلى باكستان التي اعتقل فيها، وقضى خمسة أشهر في السجن قبل أن يتم تسليمه للسلطات التركية، وعقب ترحيله إلى أنقرة، أطلقت سلطات حكومة إردوغان سراحه فور أن أدلى بشهادته أمام الشرطة.

في 8 مارس 2016 أصدرت الشرطة بيانًا أكدت فيه العثور على أدلة إدانة جديدة، تتمثل في مواد رقمية تم رصدها بحوزة كايهان، ومساعده عبد الله صويدال.

النائب العام محمد تشيتاناك دان في 21 مارس 2016 كايهان ومساعده صويدال، لكن محكمة سيليفكي بولاية ميرسين رفضت الأحكام، وأحالتها إلى محكمة الجنايات العليا الثانية في الولاية، والتي أسقطت التهم عنه هو ومساعده في 2 سبتمبر 2016 .

إيواء المجرمين 
تحولت تركيا إلى مقصد للمجرمين الأفغان، الهاربين من الملاحقات القضائية، ففي مايو 2017، وصل نائب الرئيس الأفغاني الجنرال عبد الرشيد دوستم، إلى أنقرة للهروب من المحاكمة على جرائم ارتكبها في بلاده، بينما زعم أنه وصل لإجراء "فحوصات طبية"، وفق "بي بي سي". 

واجه دوستم اتهامات بممارسة جرائم اختطاف وضرب واغتصاب منافس سياسي، وحليف سابق له يدعى أحمد عشقي، قال عشقي إن دوستم ومعه 10 رجال آخرين اعتدوا عليه أثناء احتجازه قسرا داخل مجمع يتبع نائب الرئيس في نوفمبر 2016. 
كان دوستم أحد جنرالات الحرب في أفغانستان، وخاض قتالا ضد الفصائل المسلحة، وبسبب علاقاته مع القبائل، وقع الاختيار عليه لتولي منصب نائب الرئيس.
طاردته اتهامات بالمسؤولية عن الأعمال الوحشية التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب الأهلية، لكن منذ 2014 أصبح عضوا في حكومة الوحدة الوطنية الأفغانية.
وبينما طالبت حكومات غربية بإجراء تحقيق قضائي معه، لم تستجب الحكومة الأفغانية التي رغبت في نفيه إلى تركيا، خصوصًا أنه كان قد غادر إليها في 2008 عندما لاحقته اتهامات بضلوع ميليشياته المسلحة في اختطاف وتعذيب واعتداء جنسي على منافس سياسي أيضا في كابول.

Qatalah