يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


15 مايو 2019 الديمقراطية التركية: شكلٌ بلا مضمون!

نشرت صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 11 مايو (أيار) 2019 خبراً مفاده أن فنانين بارزين في تركيا تلقوا تهديدات علنية من قيادات بحزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بسبب إعلان تأييدهم أكرم إمام أوغلو في انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول التي ستجرى في 23 يونيو (حزيران) المقبل. وأن رئيس بلدية نوشهير المنتمي للحزب الحاكم، رسمي آري، توعد بفرض حظر على الفنانين الذين يدعمون إمام أوغلو.

حقيقة لم أتفاجأ بهذا المسلك المنافي لقيم الديمقراطية التي طالما تغنى بها حزب العدالة والتنمية، لأن الديمقراطية بالنسبة إليه مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وليست قيمةً راسخة لديه، يحترمها ولو جاءت نتائجها على خلاف تطلعاته وأمانيه! وما تهديد قيادات العدالة والتنمية للفنانين المؤيدين لأكرم إمام أوغلو إلا شاهداً يضاف إلى الشواهد الكثيرة التي تدل على صحة هذا الوصف، ومنها مضايقة الصحافيين والاعتداء عليهم بسبب مواقفهم المناوئة لحزب العدالة والتنمية قبيل كل انتخابات!.

وبالإضافة إلى أن هذا المسلك يتنافى مع قيم الديمقراطية، فإنه يعتبر من منظور حقوق الإنسان انتهاكاً لجملة من الحقوق، منها الحق في المشاركة السياسية والعامة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة وغيرها، ولسنا ببعيد عن تقييم "لجنة حماية الصحافيين" الذي اعتبر تركيا من أكثر 20 مكاناً فتكاً بالصحافيين، وعن الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وخلصت فيه إلى أن إسقاط التهمة الموجهة لأفراد الشرطة بالإهمال في حماية الصحافي الأرميني هرانت دينك الذي قتل في 2007، يمثل إخفاقاً من جانب الدولة في حماية الصحافي.

ووفقاً لتقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير عن بعثته إلى تركيا في عام 2017، فإن تركيا أغلقت أكثر من 100 وسيلة إعلامية خلال الأسابيع الستة الأولى من حالة الطوارئ التي أعلنتها في 2016، وأن هناك تقارير تشير إلى إغلاق 177 وسيلة إعلامية، واعتقال 231 صحافياً، وطرد أكثر من 10.000 صحافي وإعلامي، وإلغاء البطاقات الصحافية لما يقل عن 778 صحافياً، وذكر المقرر الخاص أنه في وقت زيارته كان هناك قرابة 155 صحافياً وإعلامياً في السجون. وأن هناك مضايقة وضغطا مكثفا على أقدم صحيفة تركية (Cumhuriyet)، ففي 31 أكتوبر 2016 اعتقلت السلطات التركية 16 من منسوبي هذه الصحيفة، وبرر المدعي العام اعتقالهم بما نشرته الصحيفة قبل محاولة الانقلاب بفترة وجيزة، مدعياً أن تلك المنشورات تسوّغ الانقلاب.

وفيما يتعلق بحرية الوصول إلى الإنترنت، ذكر المقرر الخاص أن الأفراد يواجهون الرقابة على الإنترنت، مما يؤثر بشكل خطير على حق الجمهور في البحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بغض النظر عن الحدود. وأن وزارة الداخلية ذكرت في ديسمبر 2016 أن السلطات أجرت تحقيقات مع 10.000 شخص يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، بينما احتُجز 3710 أشخاص لاستجوابهم، وتم اعتقال 1،656 شخصًا مشتبها بهم رسمياً. كما تم حجب 10.000 موقع إلكتروني في تركيا منذ مارس 2017، وأشار المقرر الخاص الى أن تركيا من أكثر الدول تقديماً لطلبات الإزالة المرسلة إلى تويتر (Twitter)، ففي عام 2016 قدمت الوكالات التركية 4013 طلب إزالة، في حين قدمت المحاكم التركية 1556 طلب إزالة، هذا بالإضافة إلى طلبات الإزالة المقدمة فيسبوك (Facebook). كما ذكر المقرر الخاص أنه في أعقاب محاولة الانقلاب، فصلت السلطات التركية 27.000 معلم تقريبا، وأكثر من 5000 أستاذ وإداري في الجامعات، وأنه تم استهداف المعلمين من أصل كردي والذين لديهم آراء يسارية. وخلص المقرر ضمن استنتاجاته إلى أن حالة حرية الرأي والتعبير في تركيا تمر بأزمة خطيرة.

خلاصة القول، الديمقراطية في تركيا في الوقت الراهن شكلٌ بلا مضمون، والحريات المدنية وخاصة حرية الرأي والتعبير يتم العامل معها بانتقائية، ومصلحة الحزب هي المعيار! فأي حرية تمارس في صالح الحزب فهي مُحترمة ومحمية، وعلى العكس، عندما تمارس ضد مصالح الحزب، فهي جريمة يعاقب عليها القانون!

نقلًا عن موقع صحيفة "الحياة اللندنية"

Qatalah