يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


انتشرت منذ ما يقرب من ثلاثة أسابيع مضت، أكذوبة تركية أطلقتها عدد من الوسائل الإعلامية الموالية لنظام الرئيس التركي رجب إردوغان، وتداولها عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وتقضي بـ"ارتفاع صناعة السيارات التركية إلى نسبة 100%"، إلا أن الأكذوبة تأتي على غير موضعها وسط كم الزخم عن التذبذبات الاقتصادية التي تشهدها الساحة التركية.
وأظهرت إحصائيات العام الماضي، حسب مواقع "ورلد توب أكسبورت"، "ويكيبيديا"، "ورلد ريشست كانتري"، وعدد من المصادر الأخرى، أن انخفاض الليرة التركية تسبب في تراجع أنقرة إلى المركز  14 ضمن منتجي السيارات والمصدرين لها.
وأشارت التقارير، إلى أن انخفاض العملة يدق أجراس الإنذار، بتحذيرات من أن ضعف الليرة قد يتسبب في زيادة التضخم، والضغط على قطاع الشركات المثقل بالديون ووقف التدفقات الحيوية لرأس المال الأجنبي.


تراجع حاد في الأسواق

الاضطراب الاقتصادي الذي تشهده أنقرة جعل الشركات المصنعة للسيارات تتعامل مع معدلات عالية من التدفق للقطع المطلوبة، ما بات يشكل هاجسا لرجال الأعمال المالكين لمصانع السيارات بتركيا.
ويدلل على ذلك ألبرت سايدم أحد مديري قطع غيار السيارات التي تعتمد على المواد المستوردة بقوله: إن ما يواجهه قطاع صناعة السيارات بتركيا يشكل تحديا جديدا بالنسبة للعديد من الشركات المطلوب منها التعامل مع ارتفاع التضخم والعملة المتقلبة، مشيرًا إلى أن تكلفة استيراد ٤٠٠٠ طن من المطاط الطبيعي التي يتم الاحتياج إليها سنويا تضاعفت بالليرة منذ يناير ٢٠١٦، حيث تفاقم ارتفاع الأسعار العالمية بسبب ضعف العملة.
وحسب تصريحات العديد من المسؤولين في مجال صناعة السيارات، فإن أسواق السيارات التركية ووسائل المواصلات التجارية شهدت تراجعًا حادًا خلال التسعة أشهر الأولى من  العام الجاري بنسبة تصل إلى 26.12% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، فضلا عن تراجع في قطاع السيارات بنسبة 20% خلال الربع الثاني من العام و51% خلال الربع الثالث من نفس العام، وذلك نتيجة زيادة سعر الصرف والفائدة.
كشف رئيس إدارة جمعية موزعي السيارات ومدير الإدارة العليا للسيارات علي بلال أوغلو، عن تراجع في أسواق السيارات بنسبة تصل 51% خلال الربع الثالث من العام الجاري جراء التقلبات الاقتصادية.
وقال أوغلو، في حوار مع جريدة جمهوريت التركية: إن ارتفاع أسعار الفائدة وتقلبات سعر الصرف جعل التنبؤ المستقبلي في قطاع السيارات الذي يحتاج إلى تخطيط متوسط وطويل المدى في أعمال بيع المنتجات وخدمات ما بعد البيع والتي تخضع للعديد من اللوائح التنظيمية، أمرًا صعبًا. 


7 آلاف مؤسسة أغلقت أبوابها

وبعد أن كانت تركيا في أوجها الاقتصادي بمجال صناعة السيارات شهدت ركودا غير مسبوق، حتى بات الحل الأمثل تأجير وسائل المواصلات التجارية الأُخرى من أجل إنقاذ ما تبقى من تلك الصناعة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
قال رئيس جمعية موزعي السيارات: إنه في حالة استطعنا أن نؤجر وسائل المواصلات، فإن ذلك سيوفر انتقال رأس المال الذي حددناه من أجل عملية الشراء إلى إدارة الأعمال، وسوف يتمكنون من الحصول على أعمال مثمرة أكثر.
وعلى صعيد موازٍ، شهد قطاع نقل الركاب بين الأقاليم في تركيا -يدار بكامله من قبل القطاع الخاص- جملة من المصاعب باتت تحد من قدراته بعد أن أصيبت بعض شركاته بالشلل، وأعلنت عدة شركات خاصة في مجال النقل إفلاسها لتدخل ضمن 7 آلاف مؤسسة أغلقت أبوابها، منذ الأزمة الاقتصادية التي عصفت ومازالت تضرب كل مناحي الحياة في تركيا.
خلال الشهرين الماضيين، ارتفعت أسعار التذاكر ما بين 20 إلى 30 %، وعن تلك الزيادات قال أصحاب الشركات الكبيرة أو الصغيرة على السواء، إنهم اضطروا إليها، ولن يستطيعوا فرض المزيد من الأجور خشية إحجام الركاب عن استخدام حافلاتهم، والذين تناقصوا بالفعل.
ويقول أحد سائقي الحافلات العامة، إن مجال السفر بين المدن أصيب بنكسة لم يعهدها طوال عمله الذي استمر 25 عامًا حيث تم إلغاء الكثير منها، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، والذي لا يقابله مردود ما انعكس سلبيًا على العديد من الأنشطة لخدمة روادها والتي تتمثل في الموانئ البرية، والاستراحات وبازارات بيع المنتجات التقليدية، مرورًا بالمطاعم وانتهاء بمحال المأكولات السريعة والمشروبات، والتي قامت بتسريح عامليها نظرًا لتوقف أنشطتها عن العمل بشكل كامل.
لا يبدو أن ثمة حلولًا تلوح في الأفق، وتنتشل القطاع الحيوي من كبوته، خاصة مع انكماش الاقتصاد التركي، الذي تضاربت أرقامه بين تقارير رسمية إذ تفيد بأن نسبته بلغت 53%، في حين أظهرت الأرقام الصادرة عن رابطة صناعة السيارات، أن التراجع في الحقيقة وصل إلى 68%، فضلا عن إصرار حكومة أردوغان على  المضي بسياسات اقتصادية قاتمة.

Qatalah