يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 آلاف جندى أغلبهم من السباهية (الخيالة) كلفهم السلطان سليم الأول - قبل أن يغادر مصر-  بحفظ الأمن والاستقرار فى الأقاليم، لكنهم سرعان ما تركوا واجبهم العسكرى وتكالبوا على جمع الأموال عن طريق إتاوات أثقلت كاهل الفلاحين و أجبرتهم على الهجرة من بيوتهم بعد أن صادر الجند كل ما فيها.
لم يحصل جنود السباهية على إقطاعيات مقابل ما يقومون به من خدمات، فقد كانت مصر من الولايات العثمانية التى تخضع لنظام "الساليانه لى"، ما يعنى أن الموظفين فيها يتقاضون رواتب نقدية وعينية من الخزانة السلطانية، وقد عرفت المرتبات التى يتقاضاها أفراد السباهية باسم "موجبات العسكر" أو "علوفات".
تشكلت السباهية من ثلاث فرق:الجمليان (راكبو الجمال) والتفنكجيان (الخيالة) والشراكسة، ألقى عليهم السلطان بمسؤولية حفظ الأمن فى الريف، ومساعدة الإدارة فى جمع الأموال الأميرية المقررة على القرى، وصد هجمات العربان من الإغارة عليها، ومراقبة زراعة الأراضى، والمحافظة على مياه الرى وحسن توزيعها، بينما دشنت فرق السباهية وجودها فى مصر بسلسلة من عمليات السلب والنهب، بدلا من دفاعهم عن العربان فى الصالحية وبلبيس نهبوا المحاصيل وصادروا الماشية والدجاج، ولم يسلم بنات الفلاحين من اعتدائاتهم، فرفع الأهالى شكواهم إلى خاير بك، فما كان منه إلا أن أمرهم  بدفع إتاوة للجنود حتى يتقوا شرهم.
 
إذلال الفلاحين بالإتاوات 
ترك السلاطين الريف المصرى غنيمة لجنود السباهية مقابل التزامهم بتركيع وإذلال الفلاحين، خاصة بعد حملات المعارضة الشعبية التى أتخذت من الكلمة وسيلة لمحاربة الاحتلال العثمانى من خلال المأثورات الشعبية وسير الأبطال.
كانت مهمة الفرقة الرئيسية مساعدة الكشاف (حكام الأقاليم) فى أداء واجباتهم الخاصة حماية الأراضى الزراعية وتأمين الطرق المواصلات من اعتداءات العربان والمحافظة على شبكات الرى وتوزيع المياه على القرى، ما جعل الجبرتى يطلق عليهم "طائفة الجند المكتوبين مع الكشاف فى نواحى الأرياف"، وحين ضعفت قبضة الوالى العثمانى وانخفضت مرتباتهم فى ظل الأزمة الاقتصادية التى ضربت أرجاء السلطنة، أصدرت إسطنبول فرمانا إلى الوالى بالسماح لحكام الأقاليم بكتابة "أوراق خدم العسكر"، تجيز لهم ابتزاز الفلاحين، ما جعل الجند يحصلون على امتيازات مادية وعينية من الأهالى أبرزها ضريبة الطُلبة التى تم فرضها على جميع سكان الأرياف، بينما لعب كشاف الأقاليم دورا مهما في تمكينهم من فرض الضريبة وتحصيلها.
لم يكتف السباهية بالطلبة، سرعان ما ابتكروا ضريبة جديدة أطلقوا عليها "البرانى" وذكر الجبرتى أن هذه الإتاوة شملت تقديم "سمن وأغنام وعسل وجبن وحبوب ودجاج"، وفى بعض الأحيان يتم تقدير ثمن هذه الأشياء بالنقد وتسجل فى دفاتر الالتزام رسميا، وقد رصد أحمد بن عبدالغنى فى كتابه "أوضح الإشارات" المأساة التى نتجت عن تحصيل الإتاوات والتى تمثلت فى هجرات المتعثرين فى جنح الليل  فيقول: "وإذا هرب الفلاح منها لضيق ذات يده، ألزموا زوجته وأولاده بدفعها، فتضطر إلى بيع مالديها لشراء ما يلزم من دجاج ولحم وتحرم أولادها من المأكولات حتى تكفى رجال السباهية، ولا تتعرض للعقاب".
ثالث الإتاوات التى فرضتها هى "الفردة" وسجل علماء الحملة الفرنسية فى كتاب "وصف مصر" فظائع الفردة المفروضة على القرى والتى كان يتم جمعها من الفلاحين فى بعض القرى  40  مرة فى العام كما حدث فى ميت أبو غالب بالغربية، بينما يؤكد الجبرتى أن الضريبة الرسمية المقررة على قرية طالورنى بالفيوم بلغت 5732 بارة (عملة عثمانية)، ومقدار ضريبة البرانى المفروض عليها 29 ألفا و252 بارة، ما يوازى 5 أضعاف الضريبة المفروضة على الأهالى من قبل الدولة.
أرهقت إتاوات السباهية ومطالبهم التى لا تنتهى جموع الفلاحين الذين كان عليهم أن يقدموا للجند كل ما يحتاجون إليه من مأكولات ومشروبات أثناء تواجدهم بالقرى، ويصف محمد أبى السرور البكرى فى كتابه "كشف الكربة فى رفع الطلبة" كيف كانت زيارة السباهية للقرى ثقيلة على كاهل الفلاحين فيقول: "صار لهم أسمطة وأطعمة غالية المقدار زايدة الافتخار تحمل إلى خيامهم أناء الليل وأطراف النهار".
انشغلت الفرقة بعمليات السلب والنهب عن وظيفتها الأصلية من الحماية وتوفير الأمن للفلاح وبات الريف مسرحا لصراعهم، ما أدى إلى تخريب العديد من القرى بسبب أطماعهم التى لا تنتهى حتى عجز الفلاحون عن القيام بهذه الأعباء، وغادروا قراهم خوفا من العقاب، يقول الجبرتى: "إذا وردوا قرية نهبوها، وأخذوا ما وجدوه فيها، فأخذوا الأولاد والبنات، وارتحلوا ثم لا يلبث أن يأتى العرب الناهبون خلفهم فيطلبون الكُلف والعليق(الإتاوات)، وينهبون ما أمكنهم، ثم يرتحلون أيضا خلفهم".
 
 
طردهم الفرنسيون وقضى عليهم محمد على  
تضاعف إقبال المماليك على الانضمام إلى فرق السباهية خلال القرنين الـ17 و18، طمعا فى الحصول على الامتيازات المادية و الإتاوات التى يتم تحصيلها من سكان الريف، ما جعل الجند ينخرطون فى الصراعات السياسية ويهملون واجبهم الذى أتوا من أجله، ويشير  الجبرتى إلى أوامر أغوات السباهية فى القاهرة الصادرة إلى أتباعهم فى الأقاليم، والتى يطلبون فيها منهم إرسال قوات للمشاركة فى الصراعات القائمة بالعاصمة كما حدث فى فتنة إفرنج أحمد عام 1707.
بدأت مشاركة السباهية فى عملية عزل حكام الأقاليم بمحمد بك حاكم جرجا، بسبب تحصيل جزء من الطُلبة لصالحه، ما اعتبرته الفرقة اعتداء على حقوقهم، فطلبوا من الوالى عزله وتعيين محمد بك قطامش الموالى لهم، وتعددت حالات إقصاء حكام الأقاليم على أيديهم، الأمر الذى وطد نفوذهم فى الدولة وجعلهم يقدمون على عزل الوالى نفسه.
لم يقف الفلاحون أمام ظلم السباهية موقف المستسلم الخانع، عندما لم يستمع أحد لشكاويهم قاموا بقتل المعينين لجمع المغارم والإتاوات، ردا على الأساليب المتوحشة التى يرتكبها ضدهم الجند وهو ما علق عليه المؤرخ الفرنسى فولنى فى كتابه "القرية المصرية" عام 1783 قائلا:  "لا مناص لتحسين أحوال البلاد عامة وإصلاح أحوال الفلاحين خاصة، إلا بإلغاء نظام الخيالة (السباهية) وتحرير البلاد من السيادة العثمانية كلية، بعدما وقع الريف تحت نظام إدارى لم يكن على المستوى الذى يكفل له الأمن والطمأنينة".
ورصد الجبرتى حالة الضعف التى وصلت إليها فرق السباهية حتى أصبحوا محل سخرية الناس بعد هزيمتهم على يد الحملة الفرنسية وفرارهم إلى الصعيد ثم الشام والسودان  قبل أن يتخلص منهم محمد على باشا عندما سيطر على البلاد بداية من 1805 قائلا: "الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم وتنعيمهم ورفاهيتهم، مختالون فى ريشهم، مغترون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مغمورون فى غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم".

المصادر :


Qatalah