يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما تتصاعد صرخات المعذبين في السجون والطرقات على أيدى الطغاة، تتعالى السخرية من الجلادين، وهذا ما اعتاده الشعب التركي، ككل الشعوب، بسبب حظه السيئ مع حكامه طوال التاريخ، حيث لجأ لفنون السخرية للانتقام من حكومات الاستبداد التي توالت عليه منذ القرن السادس عشر حتى اليوم، وعلى رأس تلك الفنون "الأراجوز"، الدمية التي تحركها أصابع فنان لا يملك للمقاومة سوى سخريته اللاذعة، فمنذ سليم الأول حتى إردوغان ظل الأراجوز مطاردًا.

يعد فن "الأراجوز" النسخة التركية من مسرحيات "خيال الظل" التي تعتبر واحدة من أقدم أشكال الفن التمثيلي في العالم. ومعظم الكتابات التاريخية تعزو بداية ظهور الأراجوز إلى القرن السادس عشر الميلادي، تحديدا في أعقاب غزو السلطان سليم الأول مصر في عام 1517 حيث تعرف على خيال الظل لأول مرة في القاهرة. 

وتمتلك مسرحيات الأراجوز، المستمد مسماها من بطلها "أراجوز"، وتعني في التركية العين السوداء، أسطورة خاصة صبغت كل عروضها وصنفتها كفن شعبي يقاوم بالسخرية كل سلطة ظالمة.

تقول الأسطورة التركية إن أراجوز كان مع صديقه الحاج فاد، ضمن عمال البناء في مسجد أمر ببنائه الأمير أورخان في العاصمة العثمانية القديمة بورصة، واتسم كلا الصديقين بخفة ظل كبيرة مكنتهما من إطلاق النكات باستمرار على مسامع العمال والسخرية من أوضاعهم المعيشية، ومقارنتها الدائمة بثراء الأمير العثماني ورجال دولته الفاحش.

الحالة الكوميدية الخاصة لأراجوز والحاج فاد أثارت غضب أورخان، حيث خشي أن تثير السخرية مظاهر التمرد في نفوس العمال، فأمر بالقبض على الصديقين وإعدامهما، ما أثار حزنا مريرا في أوساط كل من عرفهما، ودفع الشيخ كوشتاري أحد الغاضبين من قرار الأمير الجائر إلى تخليد ذكرى أراجوز والحاج فاد إلى الأبد، بأن صنع لهما دميتين وقدم سيرتهما من خلال مسرحيات خيال الظل أمام جموع الناس.

أيا ما كان موقع تلك الأسطورة من الحقيقة، فإنها تنطلق في النهاية من وعي شعبي يرغب في تأصيل فنه الأثير الذي جعل من السلطة العثمانية في أعلى مراتبها، وهو الأمير نفسه، هدفا للسخرية اللاذعة التي تحقق "الانتقام المكتوم" لجموع الكادحين المعذبين في الأرض، ولم يعد الأراجوز لذلك مجرد فن خاص بأتراك الأناضول وحدهم، بل امتد إلى سائر الأقاليم التي خضعت للظلم العثماني في الشرق والغرب. 

أصبح لأراجوز والحاج فاد التركيين نسخ موازية عند الصرب والبلغار واليونان وغيرهم من الأمم البلقانية، حتى في مصر والمشرق العربي قدم الأراجوز في صياغة عربية خاصة، وكلا من الصورتين العربية والبلقانية، أصبحتا مصدرا متينا لمقاومة سلطات الاحتلال العثماني.

مطاردة الأراجوز
في عروض الأراجوز، رسمت الشخصيات بنمط خاص، حيث قدم البطل أراجوز بشكل مستمر ليكون صورة لرجل الشارع، المستقيم الخلق الكاره للكذب، العاطل على الدوام، السيء الحظ، والذي لا يقحم أمواله إلا في المشاريع الخاسرة، ويأبى إلا أن يحشر أنفه في ما لا يعنيه الأمر الذي يجر عليه المشاكل باستمرار. 

أما الحاج فاد فهو على النقيض من أراجوز ينتمي إلى الطبقة التركية المثقفة، انتهازي لا تعنيه سوى مصلحته الخاصة، حلو اللسان لا يقول الحقيقة إنما ما يحب الناس سماعه، وبين الرجلين المتعارضين كانت مسرحيات الأراجوز تدور حول أزمة يعيشها أراجوز ويعينه في حلها الحاج فاد، بينما تعالج بطريقة كوميدية وتقدم في ثناياها الانتقادات المتوارية للسلطان أو ولاته وقراراتهم المتعسفة، والتي رأوا من خلالها الدولة العثمانية كيانا جائرا لا يرحم ضعيفا ولا يعين فقيرا ولا يطعم جائعا.

ظلت عروض الأراجوز وسيلة الترفيه الرئيسية التي تقدمها المقاهي لروادها خاصة في شهر رمضان، ورغم أن بعض الفنانين حاولوا أن يقدموا عروضا مهادنة للسلاطين فإن النسخة الأصلية المخلصة لمقاومة الاحتلال العثماني ظلت لها الغلبة، لذلك أصبحت المقاهي هدفا دائما لآل عثمان الذين تعقبوها بالإغلاق والتحريم بحجة تهديدها للنظام والسلم الاجتماعي.

سقط العثمانيون، وبدأ عصر استبدادي جديد في تركيا بلون سياسي مختلف، على يد مصطفى كمال أتاتورك، بينما ظل فن الأراجوز عدوًا لدولة الحكم العسكري القمعي والتي تخفت تحت شعارات الحداثة والحكومات المنتخبة أيضا، رغم أن ظهور وسائل حديثة للترفيه مثل السينما والإذاعة أزاحت الأراجوز من مكانته الجماهيرية. 

سعت حكومة أنقرة مع بداية تأسيس الجمهورية في الثلاثينيات إلى تدجين الأراجوز وإدخاله في طاعة النظام السياسي الجديد، باعتباره وسيلة فعالة للترويج لحكومة أتاتورك بين صفوف الجماهير، لكن ذلك المشروع ولد ميتًا، لأنه ببساطة أراد -في إعادة تمثيل للتجربة العثمانية- أن يبعد الأراجوز عن فلسفته الرئيسة كفن مقاوم ويحوله إلى آلة دعائية للحكومة، ما لم ينجح أبدًا في المحيط العام للأتراك. 

فضيحة إردوغان وبيريز
وبعد سنوات من محاولات تشويه الأراجوز في تركيا، ووصمه بأنه فن متخلف، للتخلص من تأثيراته المحتملة ودوره فى إثارة الجماهير ضد حكامها، وجدت حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب إردوغان نفسها وجها لوجه أمام تحدي الأراجوز من جديد، بسبب قرار دولي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للثقافة والفنون (اليونسكو) في التسعينيات اعتبر فن الأراجوز جزءا من التراث العالمي. 

وقعت الحكومة التركية في ورطة، ما بين التمسك بالقرار الذي يمنح واحدا من فنونها ميزة ثقافية وحضارية جديدة تفتخر بها، وبين عودة المعاناة من سخريات "أراجوز"، لكن عجلة استجابة الأتراك للقرار كانت أسرع، وبدأ تقديم أراجوز والحاج فاد في ثوب عصري يستبدل النموذج القديم العثماني بآخر حداثي وعصري، وأصبح أداة حيوية لانتقاد النظام الحاكم وانقلابه على الحريات وعودة القمع.

في عام 2007، قدمت مسرحية بعنوان "أراجوز..المدير السري" وجهت نقدا مبكرا لإصرار إردوغان على الخروج إعلاميا بمظهر "السلطان العثماني الجديد"، كما تطرقت إلى محاولات تركيا الفاشلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وظهر فيها إردوغان - رئيس الوزراء التركي وقتها - في صورة وكيل مطيع لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال الأتراك والأجانب.

بعد عامين من العرض، قدمت مسرحية "أراجوز الصحافي" في عام 2009، والتي سخر خلالها الحاج فاد من تصرف إردوغان تجاه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس وقتها، ووصفه بأنه مجرد "عرض هزلي"، حيث وجهت المسرحية الانتقادات للحكومة التركية التي تقيد حرية الصحافة وتسمح للولايات المتحدة الأميركية بالسيطرة على الجيش التركي، فضلا عن انتقادات لمعظم المؤسسات والمنشآت الحكومية في عصر إردوغان.

عقب العرض، اشتعلت الحرب بين إردوغان والأراجوز، وضيق عليه بنفس الأسلوب العثماني القديم في وفاء واضح تجاه الماضي الذي يعتبر نفسه امتدادا له، حيث أكد سيناسي تشيليكول أحد خبراء صناعة الدمى أن مسرحيات الأراجوز أصبحت اليوم مقصورة على الأطفال، وأن مقص الرقابة التركي يعمل على حذف كل السيناريوهات السياسية التي تتناول نقدا لنظام إردوغان وسياساته وحكومته بصورة أسوأ من قيود السلاطين العثمانيين أنفسهم.

Qatalah