يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان يشبههم في الفساد والوحشية، ويتفوق عليهم في الخيانة، ومن بين أصحاب منصب الصدر الأعظم في دولة الخلافة العثمانية. كان إبراهيم باشا يتمتع بقصة مؤثرة، وما بين العامين 1493و1536، عاش حياة يحكمها الحظ بكل امتياز.
 
يرجع أصله إلى مدينة بارغا، التي نسب إليها باسم "البرغي"، وهي مدينة على الساحل اليوناني، حيث ولد هناك لأسرة مسيحية، وكان والده يعمل صيادا، أجبره الأتراك على تسليم طفله الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، سدادا لضريبة الدوشرمة "الغلمان" المفروضة على القرى المسيحية.
 
 نزع الطفل من والديه قسرا وهو يبكي، ولكن سرعان ما تحول هذا البكاء إلى ضحك، بعد أن ابتسم له حظه ووضعه في أعلى منصب في الدولة العثمانية بعد السلطان.
 
اغتيال السلطان بالسم
وقع الاختيار على إبراهيم لينضم للخدمة في الغرفة الخاصة بالأمير سليمان بن سليم الأول، وكان معه 40 إنكشاريا تم اختيارهم لرعاية شؤون الأمير الشخصية من زينة وملابس وسلاح وسهرات خاصة.

عرف إبراهيم كيف يتقرب من سليمان بشتى الوسائل، حتى أصبح الأقرب إلى قلبه، يشاركه السهر أغلب لياليه، وعد أهم شخص في قصر طوب قابي حين تولى منصب خاص أوده باشي (رئيس الخدمة الخاصة للسلطان). 
خطط إبراهيم باشا الفرنجي مع حريم القصر للانقلاب على السلطان سليم لتعيين صديقه الأمير سليمان خلفا له، فدبر مؤامرة دس السم له في الطعام بعد أن وعده الأمير بتولي الوزارة، ووفى  بوعده في العام 1520 عندما تولى السلطنة بعد نجاح المؤامرة، فعمل على الارتقاء بصديقه الحميم، الذي أظهر الولاء التام لسيده سليمان القانوني. 
 
حصل على لقب الرجل الثاني بالسلطنة حين تولى منصب الصدر الأعظم في العام 1522، وهو القرار الذي أيدته السلطانة الأم حفصة خاتون، بعد أن تزوج من خديجة أخت السلطان سليمان، والتي رأت أن زواج ابنتها من إبراهيم فرصة ذهبية لتدعيم نفوذ ابنها السلطان سليمان، الذي لم يكن يحظى بتأييد الإنكشارية.
 
الصدر الأعظم الجديد سلب الكثير من السلطات والصلاحيات من يد سليمان القانوني، حتى بات الأخير ألعوبة في يد صديق الصبا، فاحتجب عن الناس وترك جلسات الديوان الهمايوني ( مجلس الحكم) له، في سابقة خطيرة سار عليها خلفاؤه.
 
في حين تولى إبراهيم جلب الجواري لقصر طوب قابي، فانغمس السلطان في اللهو والعلاقات الحميمة مع النساء وترك شؤون الحكم والجيش لابن الصياد اليوناني.
 
سفاح السلطنة
كان إبراهيم باشا في عمر الـ 28، ما جعله أصغر من تولى منصب الصدر الأعظم، ما أثار غضب عدد من كبار رجال الدولة، فتعالت الأصوات بالقول إن الصدر الجديد غير مؤهل للمنصب الرفيع، ما عبر عنه صراحة الوزير أحمد باشا، أحد أبرز المرشحين  في ذلك الوقت لنيل المنصب.
لم يتجاهل إبراهيم تلك الأصوات فقرر التخلص من أشدها عليه لردع الجميع، صوت عدوه اللدود أحمد باشا، عن طريق إبعاده إلى ولاية مصر، حيث  يتيسر عليه هناك تدبير مؤامرة لاغتياله فيما بعد. 
أصدر سليمان القانوني قراره بتعيين أحمد باشا واليا على مصر، لكن الوالي الجديد لم يقنع بهذه الغنيمة، بعد خسارته لمنصب الصدر الأعظم، فراح يندد بسلوك إبراهيم في أروقة الحكم، ويردد أنه قضى حياته في أحضان الأمراء ولم يكن فارسا ولاحمل السيف يوما واحدا، كما لم يكن من وزراء الديوان، وذكره بسيرته المشينة في غرفة السلطان. 
رد إبراهيم بدعاية مضادة أكثر فتكا، وأشاع بين المصريين أن أحمد باشا خائن وعلى علاقة وطيدة بالصفويين الذين يحكمون فارس ويعتنقون المذهب الشيعي، وأنه تحت إغراء ظهير الدين الأردبيلي تحول عن المذهب السني، وأصبح شيعيا من أتباع الشاه إسماعيل الصفوي. 
 
دخلت ولاية مصر في فوضى عارمة بتخطيط من إبراهيم، الذي قدم الرشاوى الكثيرة لفرق الإنكشارية لمساعدته في القضاء على غريمه، فتم عزل أحمد باشا بعد اتهامه بالخيانة العظمى، وخرج إبراهيم في حملة عسكرية مع ألف جندي من الإنكشارية، تمكنت من قتل أحمد وقطع رأسه في 6 مارس 1524، وعلقت رأسه في القاهرة على باب زويلة عدة أيام، قبل إرسالها إلى إسطنبول بأمر من الفتى اليوناني، الذي لم يتورع عن استغلال هذا المشهد الوحشي في إرهاب منافسيه.
 
سبائك ذهبية
الرجل الثاني اسميا والأول فعليا فى الدولة كان أشد وفاء لأصوله الأوروبية، فاستغل منصبه في رعاية المصالح الأوروبية بالسلطنة، خاصة بعد مقابلته وفدا من التجار الفرنسيين، أبدوا رغبتهم في الحصول على امتيازات تجارية تفوق باقي الدول الأوروبية، وفي اللقاء قدموا لإبراهيم الكثير من السبائك الذهبية والهدايا الثمينة، ووعدوه بالمزيد من الهدايا بعد إتمام الصفقة.
 
أقنع إبراهيم السلطان سليمان القانوني بالدخول في تحالف مع فرانسوا الأول ملك فرنسا، ضد الهابسبورج حكام النمسا، بدعوى إنقاذ الحدود من الهجمات المتوالية، بينما كان غرضه تسهيل حصول التجار الفرنسيين على الامتيازات التي دفعوا ثمنها مقدما. 
تفاوض إبراهيم مع ممثلي فرنسا على قبض السلطان والصدر الأعظم  رشوة سنوية في مقابل تجديد وتمديد الامتيازات لعام جديد.
وبالفعل عقد سليمان القانوني تحالفا مع ملك فرنسا، عرف باسم "حلف الهلال والزنبق"، وبات السلطان العثماني ذليلا للملك فرانسوا الأول، بينما تخلى التجار الفرنسيون عن احترام أحكام الشريعة الإسلامية، كغيرهم من التجار الأجانب، وجرى إعفاؤهم من الضرائب العثمانية، وتمتعوا بحق التقاضي أمام محاكم قناصلهم طبقا لقوانين بلادهم الخاصة، وضاعت حقوق رعايا السلطنة الذين أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية.
 
3 أصنام في القصر 
أثناء عودة إبراهيم باشا من الحملة على المجر في العام 1526، جلب معه من مدينة بودا ثلاثة تماثيل لآلهة رومانية هي أبولو وهرقل وديانا، وأقامها في باحة قصره.
انتشر خبر آلهة إبراهيم الجديدة بين أهالي إسطنبول الذين أطلقوا على الصدر الأعظم اسم إبراهيم الفرنجي، وأطلقوا السخريات بحقه واتهموه بالردة عن الإسلام، وسرعان ما شاع بينهم بيت من الشعر نسب إلى الشاعر فيجاني يقول:
في هذا العالم ظهر إبراهيمان.. الأول هدم والآخر نصب الأوثان.
الثابت تاريخيا أن إبراهيم الفرنجي لم ينس أصله وعائلته، إذ زاره والده في العام 1527، ثم جلب عائلته المسيحية للعيش معه لدى الباب العالي، وعمد إلى تقريب اليونانيين ومنحهم الكثير من المناصب، ولم يشترط الخبرة الإدارية أو العسكرية، فانتشرت الرشوة والمحسوبية في مفاصل الدولة وغابت الكفاءات.
 
ثارت شبهات كثيرة حول الفساد المالي والمحسوبية في وزارة إبراهيم، ويؤكد المؤرخون أن الدولة العثمانية في عهده عانت كثيرا من موجات الغلاء وساءت الأوضاع المعيشية للسكان، وكان لسياسته دور كبير في تفاقم الأزمة، بعد أن فرض إتاوات باهظة على الولاة، وأجبرهم على تقديم هدايا ذهبية للسلطان والصدر الأعظم في مقابل الوظائف وبقائهم فيها بقرارات تجديد سنوية.
اختلس الصدر الأعظم السبائك الذهبية من خزانة الدولة وأشرف على تزييف العملة الرسمية، وصار تأخر رواتب الموظفين عادة منتظمة، فسادت جرائم الرشوة والاختلاس.
ويرجع لإبراهيم نهب الكثير من ميزانية الجيش خلال الحرب العثمانية الصفوية التي قادها أولا، وكان يرافقه مسؤول الخزانة إسكندر جلبي، لكن إبراهيم اتهم إسكندر جلبي بنهب الخزانة وأصدر قرارا بإعدامه شنقا، لتغطية الجريمة.
 
شرب الفرنجي من كأس الخيانة التي برع فيها، ولقي جزاء مؤامراته فجرى قتله بأمر سيده القانوني، حين أقنعته السلطانة روكسلانا بضرورة التخلص منه، خاصة بعد زواجه سرا من "محسنة" إحدى خادمات القصر المقربات للسلطان.
وهو ما انكشف ليفجر غضب السلطانة خديجة وشقيقها سليمان، الذي اعتبر الزواج خيانة له، فكان أحد الأسباب القوية لإصدار أمر بإعدام الغلام اليوناني الذي حكم دولة الخلافة المزعومة.

المصادر :


Qatalah