يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانت الدولة العثمانية، إمبراطورية خائنة، لا تنجب سوى الخونة والقتلة والفاسدين، يبيعون الأرض والعرض والدين، من أجل شهواتهم، ونزواتهم العابرة.
وصلت حالة التدني بالسلطان محمود الثاني، أن يمنح ولاية الجزائر العربية لفرنسا، بعد 5 أشهر من مولد ابنه عبدالعزيز، من السلطانة بروتنيال، في عام 1830.
كان عاما مشؤوما، خانت دولة الخلافة مسلمي الجزائر، وسلمت بلادهم للفرنسيين، وولد سلطان نهب ثروات المستعمرات العثمانية، ثم أعلن إفلاس بلاده.
31 عاما قضاها عبد العزيز بن محمود الثاني بين الجواري والغانيات في الحرملك، قبل أن يعتلي عرش آل عثمان، وكان لوجوده بين نساء القصر تأثير بالغ على شخصيته، وتحول إلى ألعوبة بيد أمه السلطانة بروتنيال، والتي ظلت توجه سياسات الدولة من وراء ستار، وقربت منه ابن أخيه الأمير عبد الحميد، الذي سيطر على عقل عمه السلطان.
 
أسير الحرملك
ورث عبد العزيز عن أجداده الاستسلام أمام نزواته، والهوس بمنادمة الجواري، ولما كانت السلطانة الأم من أشد مؤيدي الطريقة الصوفية البكتاشية، بل واعتنقت المذهب "الحروفي"، أشد معتقدات البكتاشيين انحرافًا، وأمرت ولدها باحتضان دراويش البكتاشية.
انصاع عبد العزيز لأوامر والدته المتسلطة، وقدم دعما ماديا كبيرا للبكتاشية، ومنحهم أراضي كثيرة للإنفاق على الزوايا والتكايا، وأمر بطباعة كتب المشايخ والدراويش على نفقته الخاصة، وأصبحت مساجد إسطنبول أبرز أبواق البكتاشية، مقابل الترويج للسلطان بين طبقات الشعب، خاصة الشباب، الذي انضم لحركة "الشبان العثمانيين" المعارضة لحكم آل عثمان.
تقرب عبد العزيز من الشيخ أبو الهدى الصيادي، والذي لمع نجمه بين الأوساط الصوفية في حلب والشام، ووجد فيه السلطان ضالته، لتثبيت دعائم حكمه، الذي شارف على الزوال، واستخدمه في إدارة معاركه ضد خصومه السياسيين، والترويج له باعتباره خليفة المسلمين، خاصة في الولايات العربية، كخطوة أولى للمناداة بمشروع الجامعة الإسلامية، والتي تلقفها عبد الحميد الثاني فيما بعد.
السلطانة بروتنيال أمرت ولدها بإعفاء الأمير عبد الحميد من الحبس في أقفاص الأمراء، لأن السلطانة "تيرمشكان" أم عبد الحميد توسطت لدى السلطان عبد المجيد الأول، لإعفاء عبد العزيز من حبس الأقفاص، ولذلك تمتع عبد الحميد بالحرية وبثقة السلطان، والذي أصبح يستقبله في قصره يوميا، ويشاوره في  شؤون الدولة، حتى أن فترة حكم عبد العزيز هي نموذج مصغر لفترة الاستبداد والقمع الذي مارسه عبد الحميد فيما بعد.
 
أقفاص الأمراء
سار عبد العزيز على خطى أجداده، في التنكيل ببقية أمراء آل عثمان، بحبسهم في أقفاص الأمراء، بقصر دولمه باهجه، بحجة تأمين السلطان الجالس على العرش، حبس السلطان أبناء أخيه الستة، وهم الأمراء، محمد الخامس، وعبد الحميد الثاني، ومحمد السادس، ومراد الخامس، ومحمد برهان الدين أفندي،  وأحمد كمال الدين.
خشي عبد العزيز على نفسه من أبناء أخيه عبد المجيد الأول، حتى أنه اصطحبهم معه في أسفاره إلى أوروبا، عام 1867، خوفا من قيامهم بخلعه، وهو بعيد عن العاصمة، خاصة بعد أن لمع نجم ولي عهده الأمير مراد، الذي ذاع صيته في أوروبا، لكونه متعلما ويجيد الفرنسية، والعزف على الآلات الموسيقية، حتى أن نابليون الثالث، والإمبراطور غليوم، احتفيا به أشد احتفاء، الأمر الذي فجر غضب السلطان.
سعى عبد العزيز لتطبيق فكرته في وراثة العرش على مصر، فأصدر فرمانا يقضي بتعيين أكبر أبناء الخديو إسماعيل وليا للعهد، وهي الفكرة التي أقنعه بها الصدر الأعظم محمود نديم باشا، ليسهل بعدها تمرير قراره بتولية ابنه يوسف عز الدين الحكم، بل ومنح ولده رتبة مشير، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، إلا أن مخططه قوبل بمعارضة قوية من أمراء آل عثمان، وعلى رأسهم أبناء السلطان عبد المجيد الأول.
أصبح مصير عرش آل عثمان تتلاعب به القوى الأوروبية، خاصة روسيا وبريطانيا، إذ كانت الإمبراطورية الروسية تعضد فكرة ولاية العهد ليوسف عز الدين، أما بريطانيا فكانت تود تعيين الأمير مراد، والذي تؤيده حركة "الأحرار العثمانيين" المعارضة لحكم عبد العزيز.
تودد عبد العزيز للقيصر الروسي، ووعده بامتيازات سياسية وتجارية على مضيقي البوسفور والدردنيل، وقررت روسيا إرسال 40 ألف جندي إلى إسطنبول، بهدف إرغام المعارضين على قبول ولاية العهد ليوسف عز الدين، الأمر الذي دفع لندن إلى إرسال أسطولها في البحر المتوسط، نحو الدردنيل، وانتهت الأزمة بتأجيل مخطط التوريث مؤقتا، وظل عبد العزيز يسعى للتقارب مع بريطانيا، لتنصيب ولده من بعده، لكن دون جدوى.
 
لعنات تلاحق العثمانلي
قرر عبد العزيز زيارة مصر، بناء على دعوة الخديو إسماعيل، وغادر إسطنبول على متن اليخت السلطاني "فيض جهاد"، في 3 أبريل 1863، حيث استقبله إسماعيل باشا على متن اليخت الملكي في ميناء الإسكندرية، وانتقل بالقطار إلى القاهرة، حيث أقام في قصر الجوهرة، داخل قلعة القاهرة، وشاهد بعينيه التطور العمراني والصناعي الذي أحرزته مصر، بعد نصف قرن من الاستقلال عن دولة الجهل والتخلف العثماني.
استغل شيوخ الأزهر زيارة عبد العزيز إلى مصر، للتعبير عن نقمتهم على العثمانيين، وقام الشيخ محمد العدوي، وهو من أشهر مشايخ الأزهر في عصره، بالتشهير بالسلطان أثناء مراسم استقباله، وفضح تاريخ العثمانيين الأسود بمصر، وفق ما ذكره المؤرخ المصري إلياس الأيوبي، في كتابه "تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل".
الشيخ العدوي قال للسلطان عبد العزيز :"اعلم يا ابن عثمان أنني لم أحضر إلى هنا للترحيب بك، وإنما كلفني آلاف المصريين بفضحك أمام رؤساء الدول الأوروبية، قام أجدادك بنهب أموالنا وأقواتنا، وفرضوا علينا ضرائب باهظة، وعاشت مصر في جهل وتخلف، لإهمالكم العلم، ومعادتكم لشيوخ الأزهر، وعقابكم عند الله تعالى سيكون على قدر إهمالكم في رعاية بلاد المسلمين".
ورغم تجول عبد العزيز في أوروبا غربا ومصر شرقا، إلا أنه سار على نهج سلاطين إسطنبول، في نبذ فريضة الحج، بحجة الخوف من انقلاب أحد الأمراء على السلطان، لاسيما أن شيوخ الإسلام أفتوا بإسقاط فريضة الحج عن سلاطين آل عثمان، إلى حد أن العثمانيين هددوا من يفكر في أداء الحج، بعزله من منصبه، وهو ما وقع بالسلطان عثمان الثاني، عندما أبدى نيته الذهاب إلى الأراضي المقدسة.
 
خيانة تونس
بدأ مخطط تنازل الدولة العثمانية عن تونس للاستعمار الفرنسي، منذ عهد السلطان عبد العزيز، والذي عين الوالي محمد الصادق باي واليا عليها، وظهر التقارب العثماني الفرنسي جليا، بعد تبادل الزيارات بين الباي والقنصل الفرنسي، فثارت الرعية عليه، بقيادة علي بن غذاهم، في عام 1864، وأعلنوا رفضهم للحكم التركي.
السلطان الخائن قابل السفير الفرنسي في إسطنبول، ووعده بالتفاوض حول مستقبل ولاية تونس، ثم أمر محمد الصادق بفتح الحدود التونسية للجيش الفرنسي، والذي توغل فيها، وتمكن من أسر بن غذاهم، وبناء على أوامر إسطنبول دفع محمد الصادق 400 ألف فرنك، مقابل تسليم علي بن غذاهم، والذي تم قتله في  إحدى جلسات التعذيب، يوم 10 أكتوبر سنة 1867، وظل القنصل الفرنسي صاحب الكلمة الأولى في تونس حتى احتلالها عسكريا عام 1881.
 
مذبحة زيتون
اتبع عبد العزيز سياسات قمعية تجاه الأقليات الدينية والعرقية، الأمر الذي أدى إلى اندلاع حركات تحررية في الولايات الأرمنية، خاصة في أقاليم وان وزيتون، عام 1862، وموش في العام التالي، والتي طالبت بوقف سياسات السلطنة العنصرية ضدهم، ونادت بضرورة منحهم حقوقا سياسية واقتصادية، وهو ما رفضه عبد العزيز.
سعى السلطان للاستيلاء على إقليم زيتون الجبلي، والذي يتمتع بحكم ذاتي، في ولاية مرعش، شمال شرق كيليكيا، وبعد فشله في إجهاض مطالب استقلال الإقليم، قررت إسطنبول اجتياحه عسكريا، في 2 أغسطس عام 1862، بدعوى أن سكانه لم يدفعوا الضرائب، واستطاع الأرمن هزيمة الجيش العثماني، وألحقوا به خسائر فادحة، واستولوا على مدافعه وذخيرته.
أصدر عبد العزيز أوامره إلى الوالي عصمت باشا، بمحاصرة إقليم الزيتون، في منتصف سبتمبر، بغية تجويع السكان الثائرين، استعدادا لإبادتهم، وهاجمت الميليشيات التركية القرى، وأحرقتها، وقتلوا الرجال، وخطفوا النساء والأطفال، وخلال أسبوع واحد، ذبحوا 2000 أرمني، وأرسل عصمت خطابا إلى السلطان يهنئه بإتمام المهمة، جاء فيه: "أبشرك يا مولاي لقد ذبحناهم عن بكرة أبيهم، حتى نخرس أفواه كلاب الأرمن".
 
ثورة البلقان
شهد حكم عبد العزيز أكبر ثورات بلاد البلقان، في القرن التاسع عشر، ونجحت أقاليم بلقانية كثيرة في الحصول على استقلالها، عن الدولة العثمانية، وجاءت البداية من إقليم الجبل الأسود، واستغل حاكمها الأمير نيكولا، اعتلاء عبد العزيز العرش، لتشجيع حركات ثورية ضد الاحتلال العثماني في الهرسك والجبل الأسود، وجمع جيشا جرارا لمحاربة السلطنة.
أحرز الأمير نيكولا انتصارات كبيرة على الجيوش العثمانية، بقيادة عمر باشا، واضطر عبد العزيز إلى توقيع اتفاق سلام مع الأمير المنتصر، في 2 مارس 1864، انسحب بموجبه الجيش العثماني، وهدم القلاع التي كان قد شرع في استحداثها.
امتدت روح الثورة على العثمانيين، والتي أشعلها الأمير نيكولا إلى بلاد الصرب، وطالبوا بالاستقلال عن السلطنة، وأرسل عبد العزيز 20 ألف جندي لقمع سكانها، وقامت المدفعية التركية بقصف بلغراد، عاصمة إقليم الصرب،  لمدة 4 ساعات متواصلة، وحصدت بنادق ومدافع العثمانلية أرواح 15 ألف صربي، في 10 يونيو 1862.
استمرت ثورة أهالي صربيا مشتعلة حتى عام 1867، وجنت ثمارها بقبول عبد العزيز لاتفاق سلام، في مارس 1867، يقضي بتخلي العثمانيين عن قلاعهم في بلاد الصرب، وجلاء قواتهم عنها.
كما ثار أهالي جزيرة كريت على إسطنبول، عام 1866، وأرسل عبد العزيز وفدا برئاسة كريدلي محمد باشا، للتفاوض مع زعماء الثورة، لكنهم رفضوا تلك المساعي، وطالبوا بالانضمام إلى مملكة اليونان، وأرسل السلطان جيشا  لقمعهم بقيادة عمر باشا، والذي ارتكب مجازر بحق الأهالي، وقتل جنوده قرابة 5 آلاف شخص.
ظلت ثورة كريت مشتعلة، لا تهاب بنادق عبد العزيز، وفي 19 سبتمبر 1869، انعقد مؤتمر دولي في باريس، بين ممثلي بريطانيا وفرنسا وروسيا والدولة العثمانية، للتباحث حول مستقبل الجزيرة، وأجبروا السلطان على إصدار فرمان يعطي جزيرة كريت حكما ذاتيًا، ومنحها امتيازات تجارية وتوقفها عن دفع الضرائب، وإعفاء سكانها من الخدمة العسكرية.
 
السلطان المفلس
اعتمدت الدولة العثمانية على القروض الخارجية منذ عهد السلطان عبد المجيد الأول، ولجأ عبد العزيز إلى الاقتراض من بنوك الدول الأوروبية، بعد أن وصل العجز في الميزانية 20 مليون جنيه إسترليني، في عام 1861، واقترض السلطان من إنجلترا مبلغ 8 ملايين جنيه إسترليني في يونيو 1862، بشرط تعيين مفوض بريطاني لمراقبة صرف هذه الأموال، وقد سارت على هذا النهج كل دول أوروبا، وأصبح وجود ممثلين للعواصم الغربية في الإدارات العثمانية أمرا عاديًا.
انبطح عبد العزيز أمام المرابين الأوروبيين، وأمر الصدر الأعظم فؤاد باشا بإنشاء مصرف للسلطنة عام 1862، تحت اسم البنك العثماني، بغرض تسهيل عملية الاقتراض الخارجي، بالإضافة إلى إصدار سندات مالية بضمان إيرادات الخزانة السلطانية، واقترض 8 ملايين جنيه إسترليني من البنك الجديد، وتكررت عمليات الاقتراض، حتى أن المصرف أوشك على إعلان إفلاسه، فقام السلطان بطرح أسهمه في  لندن وباريس، بفائدة 12% عام 1865.
أبرم عبد العزيز 11 قرضا خلال 15 عاما، وبلغت قيمة تلك القروض 5300 مليون فرنك فرنسي، لم تستلم إسطنبول منها سوى 3012 مليونا أي 57% من قيمتها، إذ خصمت البنوك الفرنسية والإنجليزية الفوائد سلفا، لضعف الثقة بالاقتصاد العثماني.
بلغ دخل الدولة العثمانية 380 مليون فرنك، مع نهاية عهد عبد العزيز، ويتحتم عليه اقتطاع مبلغ 300 مليون فرنك منها، لسداد أقساط الدين وفوائده، ويتبقى 80 مليونا فقط، لتلبية احتياجات الدولة، واعترف الصدر الأعظم محمود نديم باشا بإفلاس الدولة في 5 نوفمبر 1875، بعد أن عجزت السلطنة عن سداد القروض الخارجية، لكن عبد العزيز عقد قرضًا آخر بقيمة 120 مليون فرنك، بفائدة 24% في مطلع عام 1876.
 
نهاية مخزية
اشتدت موجة السخط ضد السلطان المفلس، خاصة بعد أن أوقف العمل بالتنظيمات التي أصدرها شقيقه عبد المجيد الأول، وشاركته والدته السلطة، كما أنه عين نديم باشا صدرا أعظم، وهو رجل معروف بميوله لروسيا القيصرية، وزاد نفوذ سفراء الدول الأوروبية في إسطنبول، وتشكل في العاصمة عدة تيارات وتنظيمات معارضة لحكم عبد العزيز.
استغلت الحركة الماسونية حالة الغضب الشعبي، لتنصيب أحد أعضائها، وهو الأمير مراد بن عبد المجيد الأول، ونجح كالينتي سالييري في إشعال اضطرابات واسعة في إسطنبول، انتهت باغتيال السلطان عبد العزيز على فراشه،  ثم إشاعة الأخبار عن انتحاره، وتنصيب مراد سلطانا للدولة، تحت اسم مراد الخامس، وتعيين مدحت باشا صدرا أعظم.

Qatalah