يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ محاولة الانقلاب المزعوم في 15 يوليو 2016، تتزايد الأدلة تباعًا على تحول سفارات تركيا إلى أوكار للتجسس تعمل لصالح نظام الرئيس رجب إردوغان، لا وظيفة لها غير جمع المعلومات عن المعارضين في الخارج، ونقلها إلى الأجهزة في الداخل، لتغزل بها عرائض اتهام مُلفقة يلاحق بها القضاء المسيس الأصوات الرافضة لجرائم العدالة والتنمية.

ولكن، اليوم السبت، كشف موقع نورديك مونيتور السويدي، عن دور جديد للسفارات التركية في الخارج، حيث أزاح الستار عن تحول السفارة التركية في بلغاريا إلى أداة للترويج لنظام إردوغان بين الرعايا الأتراك، إلى جانب عملها على تشويه معارضيه عبر ترديد نفس المزاعم التي يرددها النظام وأنصاره عن المؤامرات التي تحاك في الخفاء ضد تركيا.

محاولة انقلاب مزعومة
عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نشرت السفارة التركية في العاصمة البلغارية، صوفيا، عدة تغريدات في أغسطس الجاري، تتهم فيها الولايات المتحدة وموظفي قنصليتها بتنفيذ عمليات سرية للإطاحة بحكومة العدالة والتنمية.

من خلال منشوراتها الرسمية على تويتر، زعمت السفارة أن متين توبوز  Metin Topuz، الموظف التركي في القنصلية العامة للولايات المتحدة بإسطنبول، كان على تواصل دائم مع ضباط الشرطة الذين تولوا قيادة تحقيق حول الفساد في تركيا عام 2013، المعروف إعلاميًا بفضيحة "الفساد الكبرى"، وأن التحقيق كان بمثابة "محاولة انقلابية" تم التخطيط لها من قبل الولايات المتحدة وحركة الخدمة التابعة للداعية الإسلامي فتح الله جولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير مسرحية الانقلاب في يوليو 2016.

متين توبوز اعتُقل في العام 2017، بتهمة الارتباط بحركة الخدمة، والتجسس، ومحاولة الإطاحة بالحكومة، ويواجه عقوبة السجن المؤبد، إلا أنه نفى هذه الاتهامات أثناء المحاكمة، مؤكداً أن الاتصالات التي أجراها مع الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات التركية أنصارًا لجولن، كانت في إطار عمله بالقنصلية الأمريكية.

خلال جلسة استماع في مارس الماضي، نفى توبوز البالغ من العمر 59 عامًا جميع التهم الموجهة إليه، لكن المحكمة قضت بعدم الإفراج عنه، وحددت موعد الجلسة التالية في 15 مايو الماضي، والتي تم تمديد حبسه فيها أيضا.

توبوز قال أمام المحكمة: "خلال عملي على مدى 25 عاما في إدارة مكافحة المخدرات (الأمريكية)، التقيت الكثير من عناصر الشرطة والمسؤولين الحكوميين وتبادلت بطاقات العمل معهم. كانت مهمتي تقتصر على العمل كمترجم بين المتحاورين"، وقال: "لم أعتقد يوما بأن وظيفتي الرسمية قد تتحول لدليل اتهام ضدي".

"نورديك مونيتور" قال إن إلقاء أنقرة القبض على متين توبوز بتهم مشبوهة أثار توترات دبلوماسية بين تركيا والولايات المتحدة، لافتًا إلى أن واشنطن عبرت مرارًا وتكرارًا عن إدانتها لسجن الدبلوماسي التركي، وعدت قضيته جزءًا من حملة تشهير ضد المعارضين في تركيا.

فضيحة الفساد
منشورات السفارة التركية زعمت أنه قبل الاحتجاجات الكبيرة المناهضة للحكومة في صيف 2013، والمعروفة باسم "احتجاجات متنزه جيزي"، بدأت الولايات المتحدة وحركة جولن الاستعداد لتدبير محاولة انقلاب ترمي إلى وضع حد لحكم إردوغان في تركيا.

على عكس ما تدعيه السفارة التركية في صوفيا، فإن الوضع في تركيا انقلب رأسًا على عقب عندما كُشف النقاب عن تحقيقيْن حول الفساد في 17 و25 ديسمبر 2013، واللذين تورطت فيهما الدائرة الداخلية للرئيس إردوغان، رئيس الوزراء آنذاك.

حينها، وصف إردوغان تحقيقات الفساد بأنها "محاولة انقلابية" نسّقها خصومه السياسيون للإطاحة بحكومته، وبعدها شن حملة واسعة للتستر على الجريمة شملت سحب القضية من المدعين العامين والقضاة، وتغيير مهام الشرطة وإسقاط تحقيقات الفساد. وفي وقت لاحق، تم سجن جميع ضباط الشرطة والقضاة والمدعين العامين الذين شاركوا في التحقيقات. 

تاجر الذهب الإيراني - التركي "رضا ضراب"، الذي كان المتهم الأول في واحدة من أكبر تحقيقات الفساد، اُعتقل في ميامي عام 2016 بتهمة التهرب من العقوبات الأمريكية على إيران، وشهد أن إردوغان، رئيس الوزراء التركي آنذاك، أمر بنفسه بمواصلة استخدام حيلة ما لغسل مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني والتحايل على العقوبات الأمريكية، وذلك بالتوازي مع الأدلة التي تم الكشف عنها خلال فضائح فساد عام 2013، واعترف ضراب أيضًا أنه قدّم الرشاوى لوزراء حكوميين.

التستر على فيدان
"نورديك مونيتور" لفت إلى أن تغريدات السفارة تكشف أن الدبلوماسيين الأتراك في بلغاريا يتداولون معلومات مغلوطة ومضللة تم تلفيقها بواسطة حساب شركة Bosporus Global أو (Fetogercekleri) بموقع تويتر، وهي الوجه العام لمجموعة البجع التي تشارك في التصيّد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تعرض محتويات سلبية، وتنسج الحقائق في قصص مزيفة وتزيد التعقيدات في وسائل الإعلام المطبوعة.

في المنشورات، تم وصف التحقيق الجنائي ضد رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية MIT "هاكان فيدان" في 2012، والذي بدأ بعد تورط عملاء الاستخبارات في أعمال إرهابية، على أنه محاولة فاشلة أخرى ضد حكومة إردوغان. 

الموقع السويدي قال إن المخابرات التركية لها عملاء داخل حزب العمال الكردستاني المحظور PKK، لافتًا إلى أن التحقيقات القضائية في الأعمال الإرهابية التي نفذها حزب العمال الكردستاني في الماضي كشفت أن بعض المشتبه بهم المحتجزين الذين قتلوا أو شاركوا في عمليات تفجير كانوا يعملون بالفعل لصالح جهاز الاستخبارات الوطنية. 

وبمقتضى تلك التحقيقات، أصدر المدعون العامون أمر استدعاء لهاكان فيدان بشأن دوره في عمل مماثل في 7 فبراير 2012، لكن إردوغان منع رئيس مخابراته من الاستجابة للاستدعاءات والإدلاء بالشهادة.

تشويه الإنتربول
في تغريداتها، انتقدت السفارة التركية في صوفيا منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" بسبب رفضها طلبات تركيا بإصدار الإشعار الأحمر ضد بعض الأفراد. 

منذ محاولة الانقلاب المزعوم صيف 2016، أساءت البعثات الدبلوماسية التركية والسلطات القضائية والشرطة وجهاز الاستخبارات الوطنية بأوامر من حكومة إردوغان استخدام الإنتربول بهدف مضايقة وملاحقة وتخويف معارضيها في الخارج.

ومنذ ذلك الحين طلبت تركيا إصدار إشعارات الإنتربول الحمراء ضد 60 ألف شخص أو أكثر، ونتيجة لسوء الاستخدام، كان على المنظمة الدولية حظر استخدام قنوات الاتصال التابعة له بشأن أية مسألة تتعلق بمسرحية الانقلاب في تركيا.

الدعاية لإردوغان
نورديك مونيتور قال إن تغريدات السفارة التركية في صوفيا تكشف بشكل عام كيف تحولت الحسابات الرسمية للممثلين الدبلوماسيين الأتراك إلى أدوات دعائية تنشر الروايات المعادية للغرب ونظريات المؤامرة والمعلومات الكاذبة التي تلفقها مجموعة البجع سيئة السمعة.

إلى جانب ذلك، لفت الموقع السويدي إلى أن تلك التغريدات تكشف العلاقة بين مبعوثي إردوغان ومجموعته السرية "البجع Pelican"، التي تدير آلة دعاية لتشويه معارضي الحكومة. مجموعة البجع، التي تعمل مباشرة مع صهر إردوغان وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق، شنت حملة أدت إلى الإطاحة المفاجئة برئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في مايو 2016، فقط بعد أربعة أشهر من فوزه في الانتخابات

إردوغان أجرى مؤخرًا زيارة إلى شركة Bosporus Global في إشارة إلى دعمه لعصابة البجع. خلال الاجتماع، تم اطلاعه على أنشطة المجموعة ومشاريعها الدولية التي تقدّم فيها وسائل التواصل الاجتماعي بعض الخدمات المعينة من أجل حماية حكم إردوغان الاستبدادي، ونشر معلومات كاذبة، وتشجيع الدعاية المعادية للغرب، وتأجيج جميع أنواع المؤامرات والتلاعب بالجهات الحكومية حسب رغبات الرئيس.

الموقع السويدي لفت إلى أن مجموعة البجع لعبت دورًا مهمًا في تغيير النظام في تركيا، من البرلماني إلى الرئاسي وهو ما قوّض النظام الديمقراطي البرلماني المستمر منذ عقود ومهّد الطريق لنظام إمبراطوري نال خلاله إردوغان نفوذا هائلا.

Qatalah